برلين- “القدس العربي”: دخلت القضية الفلسطينية والسياسة تجاه إسرائيل مباشرة في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة في العاصمة الألمانية برلين، بعدما أصبح الخلاف حول تعريف معاداة السامية وحدود انتقاد إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسية بين حزب اليسار والخضر والحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وتعاملت الأحزاب الثلاثة مع الملف منذ البداية باعتباره شرطا سياسيا لا يمكن تجاوزه قبل الانتقال إلى الملفات التقليدية المتعلقة بالسكن والميزانية والمواصلات والاقتصاد.
وبرلين ليست مدينة فقط، بل ولاية اتحادية لها برلمان وحكومة ورئيس حكومة يحمل لقب “العمدة الحاكم”، ولذلك فإن المفاوضات الجارية ستحدد شكل السلطة السياسية في العاصمة خلال السنوات المقبلة.
إسرائيل قبل السكن والاقتصاد
خرج حزب اليسار من انتخابات برلين كأكبر قوة سياسية، ما فتح أمامه للمرة الأولى فرصة قيادة حكومة الولاية إذا تمكن من التوصل إلى اتفاق مع الخضر والاشتراكيين.
لكن قبل الدخول في تفاصيل البرنامج الحكومي، طالبت الأطراف بالتوصل إلى موقف مشترك حول معاداة السامية والعلاقة مع إسرائيل.
اتفقت الأحزاب الثلاثة بعد مفاوضات مطولة على وثيقة تؤكد حماية الحياة اليهودية، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، ومواجهة المواقف التي تصنف معادية للسامية داخل الأحزاب والكتل البرلمانية
وبحسب صحيفة “تاغسشبيغل”، اتفقت الأحزاب الثلاثة بعد مفاوضات مطولة على وثيقة تؤكد حماية الحياة اليهودية، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، ومواجهة المواقف التي تصنف معادية للسامية داخل الأحزاب والكتل البرلمانية.
وبدا في البداية أن الاتفاق أزال العقبة الأكبر أمام المفاوضات، إلا أن التوتر عاد سريعا بعدما ظهرت اعتراضات داخل حزب اليسار نفسه على بعض صياغاته.
فلسطين تفتح خلافا داخليا
يتعلق جزء أساسي من الخلاف بالسؤال الذي يرافق النقاش الألماني منذ سنوات: أين ينتهي انتقاد الحكومة الإسرائيلية وأين تبدأ معاداة السامية؟
فداخل حزب اليسار في برلين توجد تيارات وشخصيات تتبنى مواقف مؤيدة بصورة واضحة للحقوق الفلسطينية، وترفض اعتبار التشكيك في بعض عناصر السياسة الرسمية الألمانية تجاه إسرائيل موقفا معاديا للسامية.
وأعلنت مجموعة “التضامن مع فلسطين” داخل فرع الحزب في برلين اعتراضها على الاتفاق، وقالت إنها فوجئت باللهجة التي اتسمت بها المفاوضات، كما انتقدت الطريقة التي تناولت بها الوثيقة حق إسرائيل في الوجود، بحسب إذاعة وتلفزيون برلين وبراندنبورغ.
وتصاعدت الأزمة أيضا بسبب تصريحات للنائبة عن حزب اليسار فانيسا إمده، التي قالت إن “البشر هم الذين يملكون حق الوجود وليس الدول”، وهو تصريح فسره منتقدوها على أنه تشكيك في حق إسرائيل في الوجود، فيما تتمسك هي بموقفها.
تعليق المحادثات ثم استئنافها
بلغ التوتر درجة دفعت الخضر والاشتراكيين إلى تعليق المحادثات لفترة قصيرة، بعدما أصدرت كتلة اليسار البرلمانية بيانا خاصا بها اختلف في بعض جوانبه عن الاتفاق الذي كانت قيادات الأحزاب الثلاثة قد توصلت إليه.
داخل حزب اليسار في برلين توجد تيارات وشخصيات تتبنى مواقف مؤيدة بصورة واضحة للحقوق الفلسطينية، وترفض اعتبار التشكيك في بعض عناصر السياسة الرسمية الألمانية تجاه إسرائيل موقفا معاديا للسامية
غير أن الأزمة لم تستمر طويلا، إذ عادت الأطراف إلى طاولة الحوار بعد التوصل إلى تفاهم يقضي بإدراج الاتفاق المشترك بشأن معاداة السامية في أي اتفاق ائتلافي نهائي.
وأعلنت رئيسة كتلة اليسار في برلمان برلين أليف إرالب أن الخلافات وسوء الفهم جرى توضيحهما، وأن المفاوضات ستستمر. وتشير أحدث التطورات إلى أن الخضر يستعدون لاتخاذ قرار بشأن الدخول في مفاوضات ائتلاف رسمية، بينما سيحسم حزب اليسار موقفه النهائي في مؤتمر حزبي لاحق.
صراع يتجاوز حدود برلين
من جهته، قال ناصر طه، من أبناء الجالية الفلسطينية في برلين، لـ”القدس العربي”: “ما يحدث في برلمان برلين يبيّن أن القضية الفلسطينية لم تعد ملفا بعيدا عن السياسة الداخلية الألمانية، بل أصبحت حاضرة في تشكيل التحالفات والقرارات السياسية. المهم بالنسبة لنا ألا يتحول الالتزام بمحاربة معاداة السامية إلى ذريعة لتقييد انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية أو إسكات الأصوات الفلسطينية”.
ولم يبق الخلاف محصورا في السياسة المحلية للعاصمة. فقد دخل سياسيون بارزون على المستوى الاتحادي على خط النقاش، محذرين من مشاركة حزب اليسار في الحكم.
وانتقد المستشار فريدريش ميرتس فكرة التحالف، فيما وجه سياسيون من أحزاب أخرى انتقادات إلى فرع اليسار في برلين بسبب مواقف بعض أعضائه من إسرائيل والقضية الفلسطينية.
في المقابل، تعتبر قيادة حزب اليسار أن الناخبين منحوا الحزب تفويضا سياسيا واضحا، وأن اختزال المفاوضات في ملف إسرائيل ومعاداة السامية يتجاهل قضايا داخلية كانت في قلب الحملة الانتخابية، وعلى رأسها أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة والسياسات الاجتماعية.
ورغم المساحة الكبيرة التي احتلها ملف إسرائيل وفلسطين، فإن المفاوضات لا تخلو من خلافات أخرى لا تقل صعوبة. فهناك تباينات بشأن التعامل مع شركات الإسكان الكبرى، وحجم تدخل الدولة في سوق الإيجارات، بالإضافة إلى أزمة الميزانية والمليارات التي يتعين توفيرها خلال السنوات المقبلة.
وفي العاصمة الألمانية تحديدا، حيث تعيش جاليات عربية وفلسطينية كبيرة إلى جانب واحدة من أكبر الجاليات اليهودية في البلاد، تبدو هذه النقاشات أكثر حساسية، ما يجعل تشكيل الحكومة الجديدة اختبارا ليس فقط لقدرة الأحزاب الثلاثة على التعايش سياسيا، بل أيضا لقدرتها على التعامل مع واحد من أكثر الملفات إثارة للانقسام في المجتمع الألماني.