رحلة همام الحمامي من الطيران العُماني إلى «فلاي دبي»… كيف قاد إخفاق أمني متعدد الدول إلى حادثة الطائرة؟


لندن- «القدس العربي»: قبل أن يقف همام الحمامي خلف قائد الطائرة على متن رحلة «فلاي دبي» رقم 1073، ويرفع فأس الطوارئ في محاولة لشن هجوم كاد أن يتسبب في سقوط الطائرة، كانت هناك فرص عدة أمام السلطات في ثلاث دول لمنعه من الوصول إلى قمرة القيادة، بحسب تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال».

ورأى معدو التقرير أن سلسلة من الإخفاقات الأمنية في سلطنة عمان والإمارات وإسرائيل سمحت للحمامي بالوصول إلى موقع حساس، رغم وجود مؤشرات سابقة أثارت مخاوف بشأنه.

فقد دققت سلطنة عُمان في نشاطه على الإنترنت، وخلصت إلى أنه يبدي اهتماماً مفرطاً بالأيديولوجيات المتطرفة، الأمر الذي أثار مخاوف بشأن ملاءمته للعمل طياراً لدى الناقل الوطني «الطيران العُماني». ووفق أشخاص مطلعين على الأمر، منعت السلطات العمانية الحمامي من الطيران، وأخضعته لبرنامج لمكافحة التطرف، ثم نقلته إلى وظيفة مكتبية، لكنها لم تعمم مخاوفها بشأنه على نطاق أوسع.

وعندما وظفته شركة «فلاي دبي» في شباط/فبراير، لم تتواصل الشركة مع «الطيران العُماني» للتحقق من خبرته السابقة، رغم أنها أجرت فحصاً لسجله الجنائي، وفق شخص مطلع على إجراءات التوظيف.

وأفاد أشخاص مطلعون بأن الشركة كلفت الحمامي لاحقاً بالعمل على المسار الجوي الحساس المؤدي إلى تل أبيب، حيث قام بعدة رحلات إلى إسرائيل.

وتحقق السلطات الإماراتية حالياً مع موظفين في «فلاي دبي» شاركوا في عملية توظيفه، وفق أشخاص مطلعين على التحقيق. وقالت «فلاي دبي» إنها لن تعلق على الأمر ما دام التحقيق مستمراً.

أما الفرصة الأخيرة لمنع الحمامي من الوصول إلى الطائرة فكانت في إسرائيل، حيث كانت هناك قاعدة واضحة تحظر على الطيارين القادمين من دول لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، مثل سلطنة عُمان، الطيران إلى البلاد. وبموجب هذه القاعدة، كان يفترض ألا يُسمح للحمامي بدخول إسرائيل.

وتلزم إسرائيل شركات الطيران الأجنبية بتقديم قوائم مسبقة بأسماء الركاب وأفراد الطاقم القادمين إلى البلاد. وقالت مصلحة الضرائب الإسرائيلية، التي تدير قاعدة بيانات معلومات المسافرين في البلاد، إن «فلاي دبي» أرسلت بالفعل قائمة ركاب وطاقم الرحلة 1073.

لكن وزارة النقل الإسرائيلية، التي تشرف على شركات الطيران الأجنبية، قالت إنها لا ترى أن لديها الصلاحية أو الخبرة اللازمة للتدقيق في أفراد أطقم الرحلات الجوية.

ولم تطلب الوزارة، منذ إنشاء قاعدة بيانات معلومات المسافرين عام 2023، أي قائمة بأسماء الركاب أو أفراد الطواقم، وقالت إنها لم تكن تعلم بإمكانية القيام بذلك. وبدلاً من ذلك، أشارت إلى أن «فلاي دبي» وافقت خطياً على التحقق من خلفيات طياريها وجنسياتهم.

وكان تقرير سري صدر عام 2024 قد أشار إلى تقصير الوزارة في تأمين رحلات شركات الطيران الأجنبية على نحو كافٍ.

ومع توالي هذه الفرص الضائعة، بدأت قصة الصراع الدرامي من أجل البقاء، الذي خاضه قائد الطائرة المصاب وعدد من الركاب، تتوارى خلف إدراك متزايد بأن الحادث كشف عن إخفاق أمني واسع ومتعدد المستويات.

ويرى خبراء في الأمن أن هذا الإخفاق يثير الاستغراب، بالنظر إلى القدرات الاستخباراتية والرقابية التي تتمتع بها كل من الإمارات وإسرائيل، فضلاً عن التهديدات الواضحة المرتبطة بالمسار الجوي الذي سُمح للحمامي بالعمل عليه.

ويؤكد خبراء أمنيون أن المسؤولية تقع في المقام الأول على عاتق أجهزة الاستخبارات، التي يفترض أن تحدد التهديدات وتمنعها قبل وصول أصحابها إلى المطارات.

وأقر مسؤولون في الإمارات وسلطنة عُمان وإسرائيل، في أحاديث خاصة، بوجود إخفاقات كبيرة على مستويات عدة، بدءاً من عمليات التدقيق الأمني التي أجرتها الإمارات وإسرائيل، وصولاً إلى الطريقة التي تعاملت بها عُمان مع مخاوفها بشأن الحمامي.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، إنه أمر بمراجعة الإجراءات الأمنية المتعلقة برحلات شركات الطيران الأجنبية المتجهة إلى إسرائيل.

الهجوم داخل الطائرة

توجت الثغرات الأمنية بسلسلة درامية من الأحداث وقعت بعد أن تجاوزت الرحلة رقم 1073، المتجهة إلى تل أبيب، منتصف مسارها بقليل الأسبوع الماضي.

وروى قائد الطائرة، سميت ماتشهار، أن مساعده استأذن للذهاب إلى الصلاة، قبل أن يهاجمه ويوجه إليه عدة ضربات باستخدام فأس الطوارئ الموجودة على متن الطائرة.

وتمكن القائد من فتح باب قمرة القيادة، ما سمح لمجموعة من المنقذين بالدخول والسيطرة على مساعد الطيار، قبل أن يتمكنوا من إخراج الطائرة من وضعية هبوط حاد وخطير.

وأعلن النائب العام في الإمارات، السبت، أن مساعد الطيار حاول ارتكاب عمل إرهابي.

وقالت مصادر مطلعة على التوجهات الأمنية في السعودية والإمارات وإسرائيل إن الحمامي يشتبه بأنه كان يحاول إسقاط الطائرة في تل أبيب.

وتُجرى تحقيقات لمعرفة ما إذا كان قد تصرف بمفرده. ووفق المصادر، لم تكشف التحقيقات حتى الآن عن أي روابط بينه وبين جهات أجنبية أو منظمات إرهابية كبرى.

من عُمان إلى المغرب ثم «فلاي دبي»

وكانت «وول ستريت جورنال» قد ذكرت في وقت سابق أن الحمامي يبلغ من العمر 29 عاماً، وأن والده عماني ووالدته سورية.

وعلى الرغم من إقامته في دبي، كان يسافر بصورة متكررة إلى سوريا خلال فترة الحرب الأهلية الطويلة هناك عندما كان مراهقاً. ويبحث المحققون في احتمال أن يكون قد بدأ في تبني أفكار متطرفة خلال وجوده في ذلك البلد الذي مزقته الحرب.

كما درس الهمامي في أستراليا، وهي الفترة التي تخضع حالياً للتدقيق من جانب السلطات الإسرائيلية والإماراتية بحثاً عن أي مؤشرات على بدايات تطرفه، وفق أشخاص مطلعين على التحقيق.

وقال «فريق فيكتوريا المشترك لمكافحة الإرهاب» إنه يحقق في الروابط التي تربط مساعد الطيار بأستراليا.

والتحق الهمامي بشركة «الطيران العُماني» عام 2018، وأصبح طياراً في أوائل عام 2022. وفي عام 2024، اكتشفت السلطات أنه كان يتصفح مواقع ومدونات متطرفة، ما أثار مخاوف بشأن آرائه.

وعلى إثر ذلك، مُنع من الطيران، وأخضع لبرنامج لمكافحة التطرف، ثم نُقل إلى وظيفة إدارية.

ووفق مصادر مطلعة على مسيرته المهنية، غادر الهمامي «الطيران العُماني» في مطلع عام 2025.

وفي صيف العام نفسه، سافر إلى المغرب وسعى للحصول على وظيفة لدى الناقل الوطني «الخطوط الملكية المغربية». وخضع هناك لتدريب استمر ثلاثة أشهر، لكنه لم يُوظف في نهاية المطاف، وفق ما نقلته وسائل إعلام رسمية مغربية عن الشركة.

وفي شباط/فبراير من هذا العام، انضم إلى شركة «فلاي دبي»، وهي شركة طيران منخفضة التكلفة مملوكة لـ«طيران الإمارات»، أكبر شركات الطيران في المدينة، وكانت تعمل على توظيف أعداد كبيرة من الطيارين لدعم توسعها.

وتأسست «فلاي دبي» عام 2009، وشهدت توسعاً سريعاً، إذ يضم طاقمها أكثر من 1300 طيار يسيرون رحلات إلى 140 مطاراً في مدن من بينها سراييفو ودمشق وطشقند.

وغالباً ما تنقل الشركة عمالاً من جنوب وجنوب شرق آسيا إلى أسواق أكثر ربحية في وسط أوروبا والشرق الأوسط، فيما سجلت العام الماضي نمواً بنسبة 17 في المئة في أعداد الركاب بمنطقة الشرق الأوسط.

إخفاقات متتالية

وأشار أشخاص مطلعون على الأحداث إلى أن سلطنة عُمان أخفقت أيضاً في التعامل مع القضية، إذ إن تراخيص الطيران الدولية تُمنح عادة على مستوى كل دولة على حدة، لكن سحب عمان رسمياً رخصة الحمامي، بسبب المخاوف المتعلقة به، كان من المرجح أن ينبه السلطات الإماراتية إلى وضعه.

كما قال هؤلاء إن المخاوف المرتبطة بتطرفه كان ينبغي تعميمها وإثارتها على مستوى منطقة الخليج.

وكان يفترض أيضاً أن تكون السلطات الإسرائيلية على علم بوجود الحمامي في قمرة قيادة طائرة متجهة إلى إسرائيل.

ما علاقة أستراليا؟

من جهة أخرى، ذكرت صحيفة «الغارديان» أن الهمامي لم يكمل دراسته في جامعة أسترالية.

وفي تقرير أعدته نينو بوتشي وأديشولا أوري، قالت الصحيفة إن جامعة أسترالية أكدت أن مساعد الطيار في «فلاي دبي» كان يدرس في حرمها الجامعي بمدينة ملبورن، لكنه غادر قبل إكمال مؤهله الدراسي.

وأصدرت جامعة «آر إم آي تي» في ملبورن، الاثنين، بياناً قالت فيه إنها «على علم بالتقارير الإعلامية التي تتحدث عن طالب سابق يُزعم تورطه في حادثة رحلة فلاي دبي».

وأضافت الجامعة: «كان هذا الشخص مسجلاً في جامعة آر إم آي تي، لكنه لم يكمل بنجاح متطلبات الحصول على مؤهل في الهندسة».

وتابعت: «نظراً لأن التحقيق لا يزال جارياً، لا يمكن للجامعة تقديم مزيد من التعليقات».

وقال طلاب سابقون في تخصص الهندسة بالجامعة، تحدثت إليهم «الغارديان أستراليا»، إنهم لا يتذكرون الحمامي.

وجاء تأكيد جامعة «آر إم آي تي» بعد أن أعلنت الشرطة الفدرالية الأسترالية، الأحد، أن الأجهزة المعنية تحقق في فترة إقامة الرجل في أستراليا.

وقال مصدر مطلع على القضية، طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتحدث علناً، إن الحمامي حصل على تأشيرة طالب أسترالية عام 2014، قبل أن يصل إلى البلاد لبدء دراسته الجامعية في العام التالي.

وأوضح المصدر أن الرجل غادر أستراليا عام 2017، وأُلغيت تأشيرته عام 2019 بعدما تأكدت السلطات من أنه لم يعد مسجلاً في البرنامج الدراسي.

وتظهر سجلات المحاكم وتقارير إعلامية سابقة أن عدداً من الأستراليين الذين اتُهموا بارتكاب جرائم إرهابية أو اشتُبه في تبنيهم الفكر الإسلامي المتطرف درسوا في جامعة «آر إم آي تي» خلال الفترة نفسها التي درس فيها الحمامي، لكن لا توجد مؤشرات على أنه كان يعرف أياً من هؤلاء الأشخاص.

وفي سياق متصل، أكدت جامعة «باكنغهام شاير» البريطانية أن طالباً يدعى همام الحمامي كان قد «أكمل سابقاً دورة تدريبية عن بعد في إدارة الطيران».

وأضافت الجامعة: «لم يتلق أي تدريب على قيادة الطائرات في الجامعة».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *