يوئيل جوجنسكي
لا تحتاج إيران لأن تهزم السعودية، بل تحتاج فقط لأن تمارس عليها ضغطاً كافياً لتكون مستعدة للدفع مقابل وقفها. كلما اشتد الخناق الاستراتيجي حول المملكة، تتحول هذه الإمكانية من سيناريو نظري إلى أحد مخاطر الحرب المركزية من ناحية إسرائيل والولايات المتحدة.
تعيش السعودية اليوم ضائقة أمنية شاذة: من الشرق، ثمة تشويش في مضيق هرمز يمس بقدرتها على تصدير النفط. ومن الشمال ميليشيات مؤيدة لإيران في العراق تهدد أراضيها وبناها التحتية. وضربة الأنبوب الشرقي – الغربي، الذي يراد به أن يشكل التفافاً على هرمز، جسدت بأن مسارات الإسناد هي الأخرى غير محصنة. ومن الجنوب، عاد الحوثيون للمهاجمة بقوة ويهددون أكبر مجال باب المندب.
بهذا، نشأ حول المملكة نوع من الخناق الإيراني. هرمز شرقاً والعراق شمالاً والحوثيون جنوباً، وهي ليست بساحات منفصلة، وباتت تسمح لإيران بتهديد ذخر السعودية الاستراتيجي الأهم: القدرة على تصدير الطاقة بشكل آمن ومتواصل.
البدائل غير مرضية
على مدى الحرب، حاول محمد بن سلمان الامتناع بالضبط عن هذا الوضع. فقد سعى لإبقاء المملكة خارج المواجهة قدر الإمكان؛ أن يبقي قنوات مفتوحة مع طهران، وألا ينجر إلى الحرب مع اليمن التي كلفت جولتها السابقة المملكة ثمناً باهظاً. غير أن مجال مناورته آخذ في التقلص.
الأخطر من ذلك من ناحيته، البدائل غير مرضية، فالولايات المتحدة لا توفر الآن غلافاً من المساعدات كانت الرياض ترغب فيه. أما الإمارات فلم تعد الشريك العسكري الذي كان في المعركة السابقة. الاتفاق الجديد مع تركيا وباكستان لم يترجم إلى استعداد للقتال من أجل السعودية.
كما أن التحالفات والأطر الأمنية الأخرى التي أقامتها الرياض غير قادرة حالياً على فتح هرمز وحماية باب المندب وصد الحوثيين.
بقدر قناعة الرياض اليوم بعدم وجود من هو قادر أو مستعد لإنقاذها، فربما تتوجه إلى الدولة التي تحوز قسماً مهماً من المفاتيح لإنقاذها: إيران نفسها. المنطق السعودي سيكون بسيطاً: لا تحتاج الرياض لمصالحة تاريخية مع طهران، ولا إلى الثقة بها. هي بحاجة إلى الهدوء؛ لأن يفتح هرمز، وتتوقف النار من العراق ويخفض الحوثيون مستوى اللهيب. إذا كان بوسع إيران المساعدة في تحقيق هذه الأهداف الثلاثة، فلن تصبح مصدر التهديد فحسب، بل عنوان إزالته أيضاً.
ثمن البقاء
هذا هو التفوق الاستراتيجي الذي يمكن لطهران استخلاصه من الحرب: أن تستبدل ضغطاً عسكرياً بتنازلات سياسية. الثمن الذي ستطالب به قد يكون كبيراً. فمن شأن الرياض الابتعاد عن محاولات أمريكا لعزل إيران وإضعافها، أن تعارض استخدام أراضيها أو مجالها الجوي لأعمال ضدها، أن تؤيد تخفيف الضغط الاقتصادي عنها وتقيد التعاون مع إسرائيل. كما أنها قد تسلم بمكانة حوثية أقوى في اليمن إذا ما وعدت بالمقابل بالهدوء في حدودها وفي باب المندب.
من ناحية إسرائيل والولايات المتحدة، ستكون هذه تنازلات إشكالية. أما بن سلمان، بالمقابل، فسيراها ثمناً معقولاً لصفقة بقاء.
هنا تكمن فجوة المصالح الأهم. واشنطن و”القدس” [تل أبيب] تنظران إلى المعركة بتعبير ميزان القوى الإقليمي: إضعاف إيران، وتقليص صورة وكلائها وإعادة بناء حرية الملاحة. أما الرياض فتنظر قبل كل شيء إلى مسألة كيف تخرج نفسها من الحصار.
فتح هرمز ووقف النار يهمان السعودية أكثر من مسألة كيف سيبدو ميزان القوى مع إيران بعد خمس سنوات.
يمكن لإيران استغلال هذه الفجوة. هي غير ملزمة باحتلال أرض سعودية أو هزيمة جيشها. إذا كان الضغط على الاقتصاد والبنى التحتية ومسارات التصدير ستدفع الرياض لتغيير سلوكها الإقليمي، فستحوز طهران إنجازاً استراتيجياً.
على إسرائيل والولايات المتحدة أن تفهما المعنى: وقوع حليف تحت ضغط وجودي ولا يحصل على جواب، فإنه لا ينتظر بلا قيد زمني، بل يبحث عن بدائل. أحياناً لدى شركاء جدد، وأحيانا لدى الخصم نفسه.
لعل هذا هو الإنجاز الإيراني الأخطر المحتمل في الحرب. لا احتلال السعودية ولا هزيمتها العسكرية، بل خلق واقع ترى فيه الرياض بأن طهران وحدها من يحررها من الضغط الذي طهران نفسها قادرة على استخدامه. كلما تواصل الخناق، سيرتفع الثمن الذي ستدفعه الرياض لقاء المخرج.
إسرائيل اليوم 17/9/2026