الرباط ـ «القدس العربي»: لن تنسى الذاكرة الإنسانية أبدا ذلك الضيف الثقيل المدعو «كوفيد-19»، الذي حل من دون دعوة ومن دون ترحيب. لا يمكن أن تنساه، ليس فقط بسبب الموت أو المرض، بل بسبب حرمانها من أحاسيس أساسية ومشاعر مشتركة، كانت تتجسد من خلالها حميمية الإنسان التي لا يمكنها أن تصمد طويلا أمام الحواجز.
اليوم، وبعد مرور ست سنوات على تلك الأيام الحالكة، نستعيد جميعا أيام التباعد والحجر الصحي، أيام «كوفيد-19» الذي ملأ صفحات بأقلام المبدعين من روائيين وشعراء وتشكيليين ومسرحيين، ناهيك من حالة الاستنفار الإعلامي التي عاش على إيقاعها الصحافيون. لكنه ظل حاضرا كذاكرة مؤلمة وقاسية، بصمت حياة الجيل الذي عاش في خضمه وسيحكي عنه للأجيال المقبلة، بعدما تحول الموت إلى خبر يومي، ولم يعد السؤال: من مات؟ بل كم شخصا مات؟
في هذا الإطار، يأتي المؤلف المسرحي الجديد لعبد الرحمن بن زيدان بعنوان «كوفيد شبح من دون هوية»، ليواصل من خلاله إغناء الخزانة المسرحية المغربية والعربية، فهو واحد من الأسماء البارزة في المشهد الثقافي والأكاديمي والإبداعي. ويقدم من خلال هذا العمل نصا ينتمي إلى مسرح الفكر والمكاشفة الذهنية، متجاوزا التناول التقليدي، أو التوثيقي لظروف الأوبئة ليغوص في عمق الأسئلة الفكرية والإنسانية القلقة.
صدر الكتاب عن منشورات «دار التوحيدي»، وهو عبارة عن مؤلف مسرحي من القطع المتوسط يقع في 208 صفحات، وتصدرت غلافه لوحة للفنان محمد أمين بنيوسف. ويضم بين دفتيه 17 فصلا تشعبت عناوينها بما يخدم عمق الفكرة الإبداعية للنص، وتكشف للمتلقي مفاتيح القراءة التأويلية للمسرحية.
فالبعد الرمزي يظهر جليا من خلال عناوين مثل «شبكة البوص في اجتماع طارئ»، «البوص مع العملاء في لعبة الموت»، «مؤتمر تحالفات الأقوياء مع البوص»، و»حالات غاية البوص». ويبدو من تكرار لفظة «البوص» التي تعني في الإنكليزية «الزعيم» أو «السيد»، أنها ليست شخصية عادية، بل رمز مركزي قد يكون تجسيدا للفيروس نفسه، أو للقوة الخفية التي تدير الأحداث من وراء الستار للنظام العالمي الذي استفاد من الأزمة.
أما ثنائية الحقيقة والزيف، فتظهر في عناوين مثل «العناية المركزة: انكسار الحقيقة»، «العنف في سرقة الحقيقة»، و»الاعتراف يكذب حقيقة الضحية»، وهو ما يشير رأسا إلى أن المسرحية تناقش الصراع حول الرواية الرسمية للأحداث، ومن يملك حق تعريف الحقيقة أثناء الأزمات الكبرى. ويكتمل هذا البناء بالبعد الفلسفي والوجودي المعروف في أعمال بن زيدان عبر عناوين تأملية مثل: «سؤال وجواب وحكم مسبق»، «عالم بلا تفاهم»، و»دقيقة صمت لمن؟».
لذلك، فإن وصف «كوفيد-19» بـ «شبح من دون هوية» لا يشير فقط إلى الفيروس، بل إلى كل ما رافق الجائحة من خوف مجهول المصدر، ومعلومات متضاربة، وصراعات سياسية واقتصادية، وشعور إنساني عام بفقدان اليقين. ليصبح «كوفيد» لدى بن زيدان مجرد مجاز درامي وبوابة للوصول إلى المعنى عبر المبنى المسرحي الإبداعي، حيث يعتمد النص على الحوار المكثف والمواجهة الحادة بين الشخصيات لنقد الواقع الثقافي والأكاديمي ومحاكمة حالة التيه والانتهازية.
هذا المؤلف يشكل قيمة إضافية متجددة في مسار بن زيدان الشخصي، وفي مسار المشهد الإبداعي عموما، فهو يقدم تجربة مسرحية متقدمة تمنح المسرح امتيازه الفكري، وتستفز القارئ لتفكيك الرموز وإعادة التفكير في أزمات العصر من زاوية رؤية أعمق بكثير من المظاهر السطحية.