لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” مقالا للزميل في معهد بروكينغز والمسؤول السابق بمجلس الأمن القومي الأمريكي، فيليب غوردون، قال فيه إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعرض أمن أوروبا للخطر.
وبدأ بالإشارة إلى زيارة مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية، سي آي إيه، جون راتكليف السرية إلى موسكو قبل أسبوعين، قائلا إن التقارير تضاربت حول أسبابها. فقد رأى البعض أن هدفه كان تحذير فلاديمير بوتين من مهاجمة أراضي الناتو، في ظل تسريبات استخباراتية حديثة تفيد بأن روسيا تدرس اختبار عزيمة الحلف. بينما رأى آخرون أنه ذهب ليشارك تقييمه بأن الحرب الروسية ضد أوكرانيا تسير بشكل سيئ، ولكي يحث موسكو على التوصل إلى اتفاق. ويشير فريق ثالث إلى احتمال أن يكون راتكليف قد ذهب للضغط على روسيا لقطع الدعم عن إيران.
وربما كانت الحقيقة هي مزيج من هذه الاحتمالات الثلاثة، وإذا كان الأمر كذلك، فسيكون استثناء مرحبا به من ميل الإدارة الأمريكية إلى الامتناع عن الضغط على موسكو، رغم هجماتها المستمرة على أوكرانيا وغيرها من الفظائع.
لكن غوردون يقول إنه، ولسوء الحظ، يفعل الرئيس ترامب عكس ما قام به راتكليف، ودعم رسائله المتشددة المزعومة بسياسات تهدف إلى إنفاذها. فترهيبه المستمر للأوروبيين، حتى مع تصاعد هجمات الطائرات المسيرة والتفجيرات المرتبطة بروسيا، إلى جانب تهديدات عسكرية أكبر، يضعف الردع ويزيد من مخاطر الحرب.
ترهيب ترامب المستمر للأوروبيين، حتى مع تصاعد هجمات الطائرات المسيرة والتفجيرات المرتبطة بروسيا، إلى جانب تهديدات عسكرية أكبر، يضعف الردع ويزيد من مخاطر الحرب
فبدلا من دفع سياسات ترامب بوتين إلى التفكير مرتين في ضرب أراضي الناتو أو التصعيد في أوكرانيا، فإنها في الواقع تمنح بوتين سببا إضافيا للاعتقاد بأنه يستطيع فعل كلا الأمرين دون عواقب.
وقال غوردون إن تردد ترامب بشأن ضمان الدفاع المنصوص عليه في المادة الخامسة من حلف الناتو معروف وليس جديدا. فقد ربط استعداده للدفاع عن أعضاء الناتو بدفعهم “فواتيرهم”، مضيفا أنه إذا لم يفعلوا ذلك، “فسيفعل الروس ما يحلو لهم”. وفي العام الماضي، ادعى أن “هناك تعريفات عديدة للمادة الخامسة”، وهو ما لا يعد التزاما واضحا بالرد بقوة في حال تعرض أي عضو في الناتو لهجوم. كما شكك في مصداقية الهجمات الروسية المشتبه بها بطائرات مسيرة على أراضي الناتو، بينما صدّق ترامب بوتين، في البداية على الأقل، عندما زعم الأخير أن أوكرانيا حاولت مهاجمة مقر إقامته، وهو ما لم يحدث. ولأنه غضب من غياب الدعم الأوروبي لمغامرته في إيران، فقد وصف ترامب الناتو بأنه “نمر من ورق”، ووصف قادته بـ”الجبناء”، وأمر بـ”إعادة النظر” في المنظمة، تاركا الباب مفتوحا أمام إمكانية انسحاب الولايات المتحدة منها نهائيا.
وإلى جانب التساؤل حول نية الولايات المتحدة الدفاع عن أوروبا في حال تعرضها لهجوم، تتزايد الشكوك الآن حول قدرتها على القيام بذلك بفعالية. فمع تجاهل التحذيرات بشأن محدودية مخزون الذخائر المتقدمة وأنظمة الدفاع الصاروخي الاعتراضية، شن ترامب الحرب على إيران، مستنزفا ذخائر حيوية ضرورية في حال نشوب صراع مع روسيا.
في أوروبا، انصب التركيز على التداعيات المقلقة لهذا النقص على أوكرانيا، ولكنه يضعف حلف الناتو نفسه.
ومما يزيد من صعوبة الوضع أنه، بدلا من الاستجابة للمخاوف بشأن التهديدات الروسية لأراضي الناتو بتضامن متجدد واستعراض للقوة، كما هو متوقع من رئيس أمريكي، يصر ترامب على أن أوروبا عليها تحمل المسؤولية عن مصيرها. فبعد أيام فقط من زيارة راتكليف لموسكو، سافر وكيل وزارة الدفاع إلبريدج كولبي إلى بروكسل للقاء حلفاء الناتو، ليس لتعزيز الحلف، بل لتوبيخهم على عدم إنفاقهم ما يكفي على الدفاع ولتوضيح أن الولايات المتحدة لا تنوي الاستمرار في لعب الدور القيادي في الأمن الأوروبي.
وأكد كولبي مرة أخرى أن أولويات الدفاع الأمريكية “تتركز على نصف الكرة الغربي وسلسلة الجزر الأولى [في آسيا]”، وليس في أوروبا. كما وزع استبيانا على جميع الحلفاء حول دعمهم لأهداف السياسة الخارجية الأوسع للإدارة، موضحا أن عدم وجود دعم كامل سيؤخذ في الاعتبار كجزء من مراجعة الولايات المتحدة لقواتها في أوروبا، وقد يؤدي إلى سحب القوات.
ويرى غوردون أن التقليل من أولوية الناتو وإعادة نشر القوات الأمريكية بعيدا عن أوروبا ليست وسيلة فعالة لتعزيز الردع ضد خطر الهجوم الروسي. فالأعمال العدائية الروسية ضد أعضاء الناتو، والتي يشار إليها غالبا بمصطلح “الهجمات الهجينة”، لم تعد مجرد تهديد، بل واقعا ملموسا.
ففي الأسابيع القليلة الماضية وحدها، عثر على طائرات مسيرة محملة بالمتفجرات في مطار لايبزيغ وفي بلغاريا، كما وقعت انفجارات في مصانع أسلحة ومواقع حساسة أخرى في إستونيا وإيطاليا وسلوفاكيا وهولندا. وشملت أعمال أخرى مرتبطة بروسيا، كتخريب البنية التحتية وهجمات إلكترونية على وكالات حكومية ومؤامرات لاغتيال مسؤولين تنفيذيين في الصناعات الدفاعية. وقد كان من المشجع لو أدركت إدارة ترامب أخيرا هذا الواقع، وأن زيارة راتكليف إلى موسكو كانت جزءا من جهد لتوضيح أن بوتين سيدفع ثمنا باهظا إذا هاجم أراضي الناتو. ولكن للأسف، كما يقول غوردون، لا يوجد دليل يذكر على ذلك، وهو ما يعطي روسيا مبررا لكي ترتاح، ويزيد من مخاطر الحرب.