طرابلس – «القدس العربي»: تصاعدت حدة الانقسام داخل مجلس النواب الليبي عقب إعلان اعتماد الاتفاق النهائي للجنة الحوار المصغر «4+4»، إذ شكك 64 نائبا في اكتمال النصاب القانوني للجلسة التي عقدت في بنغازي، ولوحوا بعقد جلسة أخرى برئاسة أكبر الأعضاء سنا لاتخاذ إجراءات اختيار رئاسة جديدة للمجلس، في وقت دافع فيه رئيس المجلس عقيلة صالح عن الاتفاق، معتبرا أنه يتوافق مع رؤية البرلمان للحل السياسي وإجراء الانتخابات.
وأعلن الناطق باسم مجلس النواب عبد الله بليحق، أن المجلس صوت بالإجماع على اعتماد الاتفاق النهائي للجنة «4+4» خلال جلسة مغلقة عقدت، الإثنين، في مدينة بنغازي، لكنه لم يكشف عدد النواب الذين حضروا الجلسة أو شاركوا في التصويت.
وأثار غياب الأرقام المتعلقة بالحضور اعتراض النواب المقاطعين، الذين قالوا إن النصاب القانوني المطلوب لانعقاد الجلسة يبلغ 87 نائبا، وشككوا في توافره خلال الجلسة. وأكدوا أن أي جلسة تعقد من دون اكتمال النصاب ستكون مخرجاتها عرضة للطعن أمام القضاء المختص.
وهدد النواب بعقد جلسة مكتملة النصاب برئاسة أكبر الأعضاء سنا، واتخاذ الإجراءات اللازمة لاختيار رئاسة جديدة للمجلس، ردا على ما وصفوه بمحاولة «الالتفاف» على موقفهم وفرض أمر واقع داخل المؤسسة التشريعية.
وشدد النواب في بيانهم على أن مقاطعة الجلسة تمثل «ممارسة برلمانية ديمقراطية مشروعة»، تعبر عن موقف سياسي وإجرائي، ولا يجوز تجاوزها أو اختزال المجلس في أشخاص بعينهم. وقالوا إن شرعية قرارات البرلمان تستمد من احترام القانون واللائحة الداخلية وإرادة الأعضاء، وليس من فرض الوقائع داخل المجلس. وكان النواب الـ 64 قد أعلنوا، الأحد، مقاطعة جلسة الإثنين، احتجاجا على عدم تحديد جدول أعمال واضح، وتمسكوا بإعطاء الأولوية لتعديل اللائحة الداخلية للمجلس قبل التصويت على مخرجات لجنة «4+4».
وأوضحوا أن جلسة رسمية سابقة أقرت إدراج تعديل اللائحة الداخلية بوصفه بندا ذا أولوية في الجلسة التالية، لكن هذا القرار لم ينفذ، رغم المطالبات المقدمة والموقعة من عدد من أعضاء المجلس. وأكدوا رفضهم المشاركة في أي جلسة لا تراعي الإجراءات والأصول المنظمة للعمل البرلماني.
في المقابل، أكد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، خلال كلمته في الجلسة، أن مقترح لجنة «4+4» يتوافق مع رؤية المجلس بشأن معالجة الأزمة السياسية، مجددا الدعوة إلى تشكيل حكومة موحدة تبسط سيطرتها على كامل الأراضي الليبية، وتتولى الإشراف على الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
واعتبر عقيلة أن الانقسام القائم لم يعد مجرد خلاف سياسي أو تباين في وجهات النظر، بل تحول إلى استنزاف للدولة وتفكيك لمؤسساتها وإهدار لسيادتها، محذرا من أن تراكم الأزمات اليومية يهدد بالوصول إلى مرحلة يصعب معها التوصل إلى حل.
وانتقد ما وصفه بـ»الاستمرار في إثارة الاعتراضات لمجرد الاعتراض»، معتبرا أن التعنت في القضايا الخلافية يطيل عمر الأزمة ويزيد معاناة المواطنين الذين يبحثون عن الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية.
وتحدث رئيس مجلس النواب عن الأخطار التي تواجه الجنوب الليبي، بسبب الهجرة غير النظامية والتهريب والتسلل عبر الحدود، في ظل غياب سلطة موحدة قادرة على فرض سيادتها وحماية البلاد. كما أشار إلى استمرار خضوع ليبيا لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، معتبرا أن هذا الوضع يمثل قيدا على السيادة الوطنية ويفتح المجال أمام التدخلات الخارجية.
وقال عقيلة إن الهدف الأساسي من مخرجات اللجان السياسية التي تشكلت خلال الفترة الماضية يتمثل في الوصول إلى حكومة واحدة تتولى إدارة البلاد والإشراف على الانتخابات، مؤكدا أن التوافق الحالي يمثل فرصة للخروج من الأزمة والتأسيس لشرعية دستورية دائمة.
وأضاف أن هذه الفرصة ليست ملكا لشخص أو كتلة أو مجلس، بل للشعب الليبي بأكمله، محذرا من أن محاولة كسب الوقت أو تعطيل التوافق من أجل تحقيق مصالح ضيقة ستؤدي إلى استمرار الانقسام.
وأكد عقيلة أن مقترح لجنة «4+4» يتوافق مع عدد من الخيارات التي تبناها مجلس النواب سابقا، ومن بينها السماح للعسكريين بالترشح للانتخابات، والسماح لحامل الجنسية الأجنبية بالترشح شريطة التخلي عنها قبل أداء اليمين الدستورية. كما أشار إلى تأييده اعتبار المرشح الحاصل على 51% من الأصوات في الجولة الأولى رئيسا منتخبا دون الحاجة إلى جولة إعادة.
وطالب باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعديل التشريعات بما يتوافق مع المقترح ويحقق المصلحة العامة، مع توفير الدعم للجهات المشرفة على الانتخابات، وضمان نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها واحترام النتائج التي تفرزها صناديق الاقتراع.
كما دعا إلى تحديد مدة زمنية للسلطة التنفيذية الجديدة، بحيث تنتهي شرعيتها وولايتها إذا لم تبدأ في تنفيذ الاستحقاق الانتخابي خلال المهلة المقررة، مشددا على أن مجلس النواب سبق أن أصدر قوانين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية واعتمد الميزانية اللازمة لإجرائها.
ويكشف السجال الأخير عن انتقال الخلاف داخل مجلس النواب من الجدل بشأن مضمون اتفاق «4+4» إلى خلاف أوسع حول شرعية الجلسات وآليات اتخاذ القرار وصلاحيات رئاسة المجلس. وبينما ترى رئاسة البرلمان أن اعتماد الاتفاق يمثل خطوة نحو توحيد السلطة التنفيذية والذهاب إلى الانتخابات، يعتبر النواب المقاطعون أن تمريره من دون إثبات اكتمال النصاب يهدد شرعية مخرجاته ويفتح الباب أمام نزاع قضائي وسياسي جديد.
ويأتي هذا التصعيد بعد توقيع الاتفاق النهائي للجنة «4+4» في 30 آب/أغسطس الماضي، ومنح مجلسي النواب والأعلى للدولة مهلة شهر للمصادقة عليه، مع وضع آلية أوسع لتمرير مخرجاته إذا تعذر اتفاق المجلسين. غير أن الخلاف داخل مجلس النواب نفسه قد يشكل عقبة جديدة أمام تنفيذ الاتفاق، خصوصا مع تهديد النواب المقاطعين بإعادة ترتيب رئاسة المجلس، بما ينذر بمزيد من الانقسام داخل المؤسسة التشريعية في مرحلة يفترض أن تمهد لتوحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات.