لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي نيويوركر” تقريرا أعده ديكستر فيلكينز خصصه لعلاقة صهر الرئيس دونالد ترامب، جاريد كوشنر، بالمال وكيف يتعامل مع الدبلوماسية كوسيلة لمراكمة الدولارات، فالمنصب العام يمثل له وسيلة للإثراء.
ففي الساعات الأخيرة قبل إعلان الولايات المتحدة الحرب على إيران في شباط/فبراير الماضي، عقد جاريد كوشنر اجتماعا مع المفاوضين الإيرانيين في جنيف، في محاولة أخيرة لتجنب صراع من شأنه أن يدخل المنطقة في الفوضى ويزعزع الاقتصاد العالمي. بعد الاجتماع، وصف كوشنر مفاوضه الإيراني بأنه لا يستحق وقته، قائلا للصحافيين: “إنهم يلجأون إلى الكثير من الحيل، إنهم ببساطة يتلاعبون بنا في كل مكان، وهذا أمر في غاية الخطورة”.
ومنح كوشنر، صهر دونالد ترامب بوجهه الذي يوحي بأنه ولد، صلاحيات استثنائية في السنوات الأخيرة.
وإلى جانب ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس، كلف بإنهاء الحروب في غزة وأوكرانيا، وفي أي مكان آخر قد تندلع فيه.
لا يولي كوشنر، البالغ من العمر 45 عاما، اهتماما كبيرا لفن الدبلوماسية. فهو يرى أن معرفة تاريخ المنطقة أو تفاصيل مواقف الأطراف التفاوضية أقل أهمية من مجرد الاستماع إلى وجهات النظر المختلفة والتوصل إلى حلول وسط
ولا يولي كوشنر، البالغ من العمر 45 عاما، اهتماما كبيرا لفن الدبلوماسية. فهو يرى أن معرفة تاريخ المنطقة أو تفاصيل مواقف الأطراف التفاوضية أقل أهمية من مجرد الاستماع إلى وجهات النظر المختلفة والتوصل إلى حلول وسط. وقال إن اتفاقيات السلام تشبه صفقات العقارات، فكلاهما ينطوي على مفاوضات شاقة وأحيانا على الخداع. كما أن معاناة العديد من الدبلوماسيين قبله لا تدل على تعقيد المشاكل الدولية، بل على قصور أسلافه. وأضاف في عام 2020، بعد أن كشف ترامب عن خطته الأولى للسلام في الشرق الأوسط: “أتعرض لانتقادات منذ عامين من جميع الذين حاولوا وفشلوا، لعدم اتباع أسلوبهم نفسه، لو نجح أحدهم، لما كنت مضطرا للتعامل مع هذا الأمر”.
لكن لا كوشنر أو ويتكوف يوليان اهتماما برأي الاستشاريين، ومع أنهما كانا يحاولان التعامل مع قضيتين معقدتين: إيران وأوكرانيا، حيث تفاوضا على الأولى في الصباح والثانية في المساء، وبدون مستشارين أو معرفة بتفاصيل الحربين.
ونقل الكاتب عن دبلوماسي محيط بالمحادثات مع إيران قوله إنه عندما بدأ وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بتقديم تنازلات، لم يستوعب الأمريكيان تماما ما يطرح على الطاولة. فاستشارا رافائيل غروسي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكن غروسي كان يحضر المحادثات بصفته طرفا محايدا. وقد أعرب مسؤول سابق في البيت الأبيض، عمل على الملف النووي الإيراني، عن استيائه الشديد من قلة الاستعداد، قائلا: “جاء الإيرانيون إليكم بمقترح، ما معناه الحقيقي؟ ما مدى تأثيره عليهم – لشهرين أم سنتين؟ ما هي الحلول البديلة؟ إن عدم وجود مستشارين فنيين لديهم يعد إهمالا خطيرا”.
وقال كيلسي ديفينبورت، خبير الحد من انتشار الأسلحة النووية في جمعية التحكم بالتسلح: “يمكنك أن تدرك من كلام كوشنر وويتكوف أنهما لا يفهمان الكثير من المسائل التقنية”.
وكان أحد أصدقاء كوشنر أكثر صراحة: “إنه رجل لطيف، لكنه يفتقر تماما إلى الخبرة اللازمة”. وفي خطوة هي تعبير عن القلق، سافر وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، إلى واشنطن في محاولة لمنع الحرب، حيث لم يستطع مقابلة ترامب وقابل بدلا من ذلك نائبه جيه دي فانس، المعارض للحرب، وظهر على شبكة سي بي سي قائلا إن “هناك اتفاقا بمتناول اليد”. ولكن ويتكوف وكوشنر أخبرا ترامب بعد ذلك أن إيران رفضت الاستسلام. ثم بدأ الهجوم.
ومع اندلاع الحرب، قدم كوشنر تبريرا مفاجئا لمهاجمة الإيرانيين: “كان بإمكانهم، كما تعلمون، امتلاك سلاح نووي في غضون أيام أو أسابيع لو بذلوا الجهد اللازم”. وكان هذا التبرير غير منطقي. فمنذ الضربات على المنشآت النووية الإيرانية عام 2025، لم ترصد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أي مؤشرات على عودة برنامج الأسلحة.
وفي الواقع، فترامب قد دفع إلى الحرب، على ما يبدو، من قبل نتنياهو، الذي اعتقد أن حملة منسقة قادرة على إسقاط النظام الإيراني سريعا.
وعندما حدد مسؤولو الاستخبارات الأمريكية مواقع كبار القادة، اختارت إسرائيل شن الضربة. عندئذ، قرر ترامب أن الولايات المتحدة لا تستطيع تجنب الحرب، وفقا لوزير الخارجية ماركو روبيو: “كان من المتوقع حدوث عمل إسرائيلي، كنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى هجوم على القوات الأمريكية”. وبعد سبعة أشهر لا يزال ترامب متورطا ويواجه أزمة اقتصاد عالمي بسبب إغلاق مضيق هرمز ونقص في الذخيرة الحيوية.
وبالنسبة لأي مبعوث رئاسي آخر، كانت محادثات إيران ستنعكس عليه بشكل كارثي. ولكن ليس لكوشنر، فلم تكن الحرب من أهم أولوياته. فبينما كان يتفاوض مع إيران، كان يدير أيضا مليارات الدولارات من الاستثمارات التي ضختها حكومات أخرى في المنطقة في صندوقه الاستثماري الخاص. فطوال فترة حكم ترامب، بنى كوشنر مسيرته المهنية على الجمع بين الأعمال والسياسة. وهو يزعم أن كونه رجل أعمال يسهم في جهوده الدبلوماسية، إذ يتيح له إيجاد حلول مبتكرة لمشاكل عادة ما يتولاها بيروقراطيون يفتقرون إلى الخيال.
طوال فترة حكم ترامب، بنى كوشنر مسيرته المهنية على الجمع بين الأعمال والسياسة. وهو يزعم أن كونه رجل أعمال يسهم في جهوده الدبلوماسية، إذ يتيح له إيجاد حلول مبتكرة
ولكن، مع تجواله حول العالم في خدمة ترامب، ازداد تورطه في الشؤون التجارية للدول التي يعمل فيها. وهو يمثل نمطا جديدا من الشخصيات في واشنطن، حيث تصبح المناصب العامة بالنسبة لهم وسيلة لتحقيق ثروات طائلة.
وفي العامين الماضيين، استغلت مجموعة من الأشخاص المرتبطين بالبيت الأبيض، بمن فيهم أبناء ويتكوف، ومستشار العملات المشفرة ديفيد ساكس وأفراد آخرون من عائلة ترامب، مناصبهم الرسمية لجني مليارات الدولارات لأنفسهم.
ونقل الكاتب عن مسؤول أمريكي سابق خدم في الشرق الأوسط: “أعرف هؤلاء الرجال جميعا، إنهم يحضرون هذه الاجتماعات، ويمارسون أعمالا تجارية بالتوازي مع دبلوماسيتهم. يقولون: حسنا، كفى حديثا عن وقف إطلاق النار، لدينا هذا الفندق الذي نريد بناءه. وهذا هو نوع السياسة الخارجية التي تتبعها أمريكا الآن”.
وعندما غادر كوشنر واشنطن بعد انتهاء ولاية ترامب الأولى، كان منهكا من أربع سنوات من الصراعات الداخلية ومحرجا من كارثة أحداث الشغب التي وقعت في السادس من كانون الثاني/يناير. ونقل الكاتب عن أحد أصدقائه قوله: “اتخذ جاريد وإيفانكا قرارا مدروسا بالانسحاب وعدم الظهور كوكلاء لترامب”. وانتقلت عائلة كوشنر إلى إنديان كريك، فلوريدا، حيث اشترت قصرا فخما بقيمة 24 مليون دولار، بني على جزيرة خاصة، وهي ملاذ يعرف باسم “مخبأ المليارديرات”. أسس كوشنر صندوقه للاستثمار الخاص “أفينتي بارتنرز”، واستعان بعلاقاته لإنشاء محفظة استثمارية مربحة. وقال في عام 2024: “أرغب في هذه المرحلة من حياتي بالتركيز على شركتي”.
ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض أصر على كوشنر العودة للعمل معه. وقبل كوشنر بعد تمنع وأرسل مع ويتكوف لحل مشاكل العالم وسط تراجع في مكانة أمريكا. وكانت أوكرانيا أول محطة، حيث تقدما بخطة سلام، يشتبه بعض المراقبين في أن روسيا قدمت فعليا للأمريكيين صفقات تجارية مقابل اتفاق سلام مرض.
وتحدث الكاتب مع مسؤول أمريكي سابق في المنطقة قائلا: “هذا هو الرأي السائد”.
وأشار الكاتب إلى شعور الثقة بالنفس لدى كوشنر، الذي بدا في عام 2024 عندما ألقى محاضرة في جامعة هارفارد وقدم فيها تقييمات لاذعة للعديد من الإنجازات الدبلوماسية البارزة من الإدارات السابقة: إذ كان اتفاق باراك أوباما للحد من البرنامج النووي الإيراني “واحدا من أغبى الاتفاقيات” على الإطلاق، أما اتفاقيات أوسلو، التي حددت في عام 1993 عملية إنشاء دولة فلسطينية، فكانت “فشلا تاما”. لقد كان أكثر سخاء فيما يتعلق بعمله: “أعتقد أن سجل نجاحاتي في الشرق الأوسط لا مثيل له على مدى السنوات العديدة الماضية”. أثارت ثقة كوشنر بنفسه غضب الدبلوماسيين المخضرمين. وقال مسؤول أمريكي سابق عمل معه: “إنه واثق من نفسه بشكل لا يصدق ومتغطرس للغاية”.
بدأ شعور كوشنر بالتميز مبكرا، حيث نشأ في ليفينغستون، وهي بلدة ثرية في شمال نيوجيرسي، في كنف عائلة يهودية أرثوذكسية. وكان والده، تشارلز، قد جمع ثروة طائلة من تجارة بناء المنازل. ورغم تبرعات تشارلز السخية للجمعيات الخيرية المحلية، إلا أنه عانى من التشكيك في شخصيته. وقال أحد معارف العائلة: “كان لكوشنر سمعة سيئة للغاية في المجتمع اليهودي، إذ كان يعرف بوقاحته وجشعه، فآل كوشنر معروفون بنهمهم وطمعهم”.
وقال أحد معارف العائلة عن كوشنر وتحصيله المدرسي المتوسط: “إنه تجسيد ساخر لشخص منح كل شيء”. وعلى الرغم من مؤهلاته الأكاديمية المتواضعة، قُبل كوشنر في جامعة هارفارد، بعد أن تعهد والده بالتبرع بمبلغ 2.5 مليون دولار، وبدأت التبرعات فور التحاق ابنه بالجامعة.
وعندما تولى ترامب منصبه، أصبح كوشنر أشبه بوزير بلا حقيبة، يعمل على قضايا متنوعة كإصلاح قوانين الأحكام وإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية. ومثل الرئيس، كان يميل إلى الاعتماد على أصدقائه الأثرياء أكثر من موظفي الحكومة. وعرض مسؤول جمهوري رفيع سابق إيجاد موظفين ذوي خبرة في الشؤون المالية والسياسة النقدية، لكن كوشنر رفض قائلا: “أنت لا تفهم، نحن نستعين بمليارديرات، مليارديرات!”.
وسرعان ما بدأ كوشنر بالتركيز على الشرق الأوسط، حيث ساعد في إدارة سياسة دعم إسرائيل بلا هوادة.
فقد نشأ كوشنر متشبثا بآراء متشددة تجاه المنطقة، ولطالما تبرع والده لقضايا إسرائيلية، بما في ذلك بعض الجهات، مثل “أصدقاء بيت إيل يشيفا الأمريكيين”، التي دعمت المستوطنات في الضفة الغربية.
وشعر ترامب ومستشاروه أن إيران، الخصم الرئيسي لأمريكا في الشرق الأوسط، قد سمح لها بالعمل دون رادع. ولاحتوائها، أرادوا تعزيز العلاقات مع السعودية التي لم تكن جيدة في عهد أوباما. وكلف ترامب كوشنر بإعادة بنائها. وقامت وكالات الاستخبارات الأمريكية بتقييد وصول كوشنر إلى المواد السرية للغاية، خشية أن تجعله مصالحه التجارية عرضة للاستغلال من قبل خصوم أجانب. لكن بعض الدبلوماسيين رأوا أن خلفيته تجعله مناسبا تماما للشرق الأوسط، فمثل ممالك الخليج، عملت عائلتا ترامب وكوشنر بشكل أساسي كشركات عائلية متوارثة.
ويقدم التقرير تفاصيل العلاقة القريبة التي أقامها كوشنر مع دول الخليج، ولعبت دورا فيما يعرف باسم اتفاقيات إبراهيم، وكذا علاقته مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ودعم إدارة ترامب لصعوده ولما قام به من سياسات لاحقة.
وبعد خروج ترامب من الرئاسة واصل كوشنر الانتفاع من العلاقات واستثماراته اللاحقة التي تمت من خلال أموال معظمها من الخليج.
ويشير الكاتب إلى دور كوشنر في غزة، والذي بدأ قبل تنصيب ترامب لولايته الثانية، حيث ساعد إدارة بايدن في جهود وقف إطلاق النار.
ونقل الكاتب عن صديق لكوشنر قوله إنه عاد إلى البيت الأبيض جزئيا لـ”اعتقاده أنه يستطيع مساعدة إسرائيل”. ورغم أنه تحدث أحيانا عن تحسين حياة الفلسطينيين، إلا أنه لم يبد أي تردد في تجاهل مصالحهم لضمان اتفاقيات إبراهيم. في جامعة هارفارد عام 2024، قال إن أفضل مكان لسكان غزة سيكون على الأرجح في صحراء النقب الإسرائيلية. ولم يوضح كيف سيجبرون على الانتقال، أو ما إذا كان سيسمح لهم بالعودة. ووصف غزة بأنها مكان بائس، “بني على يد منظمات غير حكومية وإرهابيين”.
ولم يكن الشرق الأوسط الساحة التي استفاد منها كوشنر، بل ولديه مشاريع مثيرة للجدل في ألبانيا ومناطق أخرى.
ويرى الكاتب أن حرب إيران لم تؤثر على فرص كوشنر المالية بل انتعش، ففي عام 2025، ساهمت استثمارات جديدة من الشرق الأوسط في نمو صندوقه بنسبة 30%، ليصل إلى أكثر من ستة مليارات دولار، ما يعني أنه جمع ما لا يقل عن عشرات الملايين من الدولارات سنويا كرسوم. وتقدر شركة أفينيتي معدل عائدها الداخلي السنوي بنسبة 25%. ومن بين مشاريعها استثماران كبيران في إسرائيل: 110 ملايين دولار في مجموعة شلومو، وهي شركة لتأجير السيارات، ونحو 300 مليون دولار في شركة فينيكس فايننشال، وهي شركة تأمين.