11 سبتمبرفي بغداد


تأخّرت نشرة الأخبار من إذاعة بغداد نحو عشرين دقيقة عصر ذلك اليوم. كنتُ حينها أقود سيارتي «التويوتا» على الطريق السريع الواصل بين المنزل ومحلّ عملي. لا أحد معي في السيارة، والمذياع قربي، وكلّي آذان مصغية.
ظلت الإذاعة تبثّ السمفونية الرابعة لباخ طوال الزمن الإضافي، أي حتى العشرين دقيقة بعد الرابعة. وفجأة طلع علينا المُذيع بخطاب لا يشكّ من يسمعه في أن للقيادة العراقية يداً في تنفيذ الهجمات الانتحارية في بلاد العم بوش. كان الكون بأكمله يشتعل مع برجَي التجارة في نيويورك، ومذيع راديو بغداد يلوك خطاباً ثوريّاً بات مثل نشيد محفوظ من فرط تكراره في كل مناسبة وغير مناسبة. ثم تلا المذيع تصريحاً رسميّاً فحواه أن السلطة الحاكمة، أي صدام حسين، تقدّم باقة زهور إلى من خطّط وموّل ونفّذ تلك الهجمات.
باقة الأزهار والخطاب الثّوري سيعودان إلى خاطري في زمن متأخّر جداً عن يوم 11 سبتمبر، وفي المدينة ذاتها، بغداد، لكن في ظرف مختلف.
لم تقضِ حرب تحرير الكويت والانتفاضة الربيعية التي أعقبتها على نظام صدام حسين، إنما أصابتاه بالعطب التامّ والشامل، فهو ميت سريريّاً، في انتظار نهاية هذا الشقاء. بطبيعة الحال، ليس بمقدور الشخص المعلّق بين الحياة والموت قول كلام مفهوم، أو الحركة والانتقال من مكان إلى آخر بطريقة سليمة، وما يبدر عنه لا يتعدّى اختلاجات وتشنجات غير إرادية. الملاحظ أن هذه الاختلاجات تضاعفت وتصاعدت حدّتها لدى الرئيس العراقي عقب 11 سبتمبر، إذ غدت تصرّفاته وأقواله كأنها مستلّة من ملفات نزلاء مستشفى الأمراض العقلية.
من هذه التشنجات اللاإرادية؛ البيان الرسمي الذي أصدرته القيادة العراقية، معلنة رفضَها تقديم التّعزية للإدارة الأمريكية وللضحايا الذين سقطوا في ذلك اليوم. ومنها أيضاً تعبير (فوراً) الشهير، أطلقه صدام في وجه فرق التفتيش التي كانت تجوب البلاد وتفتش كل سنتيمتر فيه، بما في ذلك منزله وأغراضه، داعياً إيّاها للمغادرة (فوراً)، لكنه لم يقل وقتها ما هو العقاب الذي ينتظرها إن لم تستجب. لم تنسحب فرق التفتيش بالطبع، أو بالأحرى أنها انسحبت بعد أن تأكّد الغرب ومعه أمريكا أن جيوش الغزو باتت مستعدّة لاحتلال العراق، وأن الخطط جاهزة ومدروسة.
أظنّ أن العالم لا يعرف شيئاً عن جيش القدس الذي بدأ صدام تأسيسه في السنة التي حدثت فيها الهجمات، أي 2001، وكان يخاطب بين حين وآخر المسؤولين الإسرائيليين عبر الإعلام، بأنه عازم على إرسال جيش يبدأ من الحدود العراقية غرباً وينتهي عند مدينة القدس. في ذلك الوقت كنّا نتندّر على رئيسنا، بأن طائرة إسرائيليّة واحدة تكفي لمحو هذا الجيش ودفنه تحت الأرض. أيّ عذابات قاساها الشباب والكهول العراقيون من وراء فكرة هذا الجيش، الذي هو إحدى الاختلاجات التي مرّ ذكرها. أستحي أن أذكر هذه الواقعة عن ابن بلدي، لكن لأن فيها فائدة للوطن أقولها ولا أعتذر له.
كان أعضاء حزب البعث، الرفاق، يشكّلون مفارز تكبّل الرجال وتقودهم بالغصب والإكراه للانتماء إلى صفوف هذا الجيش، وتفتش عنهم في كل مكان. كنت أجلس قرب شاب يقود سيارة تاكسي، فاعترضنا حمار حساويّ أبيض اللون عالي الظهر، بيننا وبين الاصطدام به شعرة، إذ أدرتُ المقودَ إلى الجانب، فانتبه السّائق وأكمل المهمة. عاتبته فقال إنه أمضى ثلاثَ ليالٍ دون نوم، متنقلاً بين أسطح البيوت متخفّياً هرباً من الرفاق.
واحدة من هذه الاختلاجات اللاإرادية للرئيس كتبها فؤاد التكرلي في قصة عنوانها «التباس». الشيخ عبد السلام، يهوى قراءة كتب التاريخ، ويُصاب بجلطة دماغية وفقدان تام للوعي، فيعيش عن طريق الأدوية وسوائل التغذية عبر أنابيب مطاطية موصولة بعروقه. في إحدى الليالي تعود الحياة إليه، ويقوم واقفاً في هيئة غريبة، كأنه قادم من عالم آخر؛ كان يلفّ رأسه بالمنشفة كعمامة، ومتّخذًا رداءَ النّومِ جبّةً، والأنابيبَ حزامًا. صاح بزوجته: «يا أمَة الله». تتفاجأ الزوجة، وتبسمل وتخاطبه:
– يا حاج عبد السلام، ماذا تفعل بنا وبنفسك؟
– لا تجرئي على مخاطبتي بهذا الشكل يا أمَة الله، فأنا عالم بأنكم خدم أمير «قرطبة» عبد الرحمن الداخل، لكنكم لن تقدروا على إطالة مدة سجني بينكم».
ردّت المرأة عليه تناديه باسمه، فهتف بغضب وحقد:
– أنا يا امرأة، أنا الحسين بن يحيى الأنصاري. لقد كان حقاً أني اتّفقتُ مع ملك الفرنجة «شارلمان» على تسليمه «سرقسطة»، غير أن قراري استقرّ على عدم تسليمها للفرنجة. لن أخون أهلي. دعوني إذن! دعوني أنجز…». ولم يتمّ كلامه، صرخ صرخة عظيمة وهوى على الأرض وتبعثرت أشياؤه هنا وهناك، ولسانه يتمتم بكلمات غير مفهومة.
يُمهّد التكرلي لقصته بهذا الاقتباس من مسرحية «أياس» لسوفوكليس: «إني أفكر بمصيري كما أفكر بمصيره؛ وإني لأرى أننا جميعاً، ما حيينا، لسنا إلا أشباحاً لا حقائق». الحادثة مذكورة في التاريخ بالتفصيل، ويحاكي الشيخ عبد السلام دور القائد الحسين الأنصاري، الذي عاش قبل أكثر من 0021 عام في دولة الأندلس ولعب دوراً ذا وجهين، فاتفق مع شارلمان على تسليم مدينة «سرقسطة»، لكن ضميره عاد إليه فأغلق باب المدينة، واستمات مع أهلها لمنع الجيوش الغازية من دخولها.
تاريخ كتابة القصة هو آذار 0991، فيها نبوءة لما سوف يجري في شهر آب، عندما فتح الرئيس العراقي السابق الأبواب واسعة لمجيء الغزاة، بإقدامه على غزو الكويت. صحا ضمير القائد العربي الأندلسي، على العكس من رئيسنا.
اختلاجات تليها اختلاجات وأخرى؛ من يكتب سيرة صدام حسين، والكلام يصحّ بالطبع على كثير من حكّامنا، لا يجد أمامه غير هذه الرعشات، بها تُدار دفّة الحكم. على هذا النحو، ضاع العراق ولبنان وليبيا… صارت الخيانة في زماننا أسلوب حياةٍ وطبعاً دائماً للحكام، أما الحسّ الأخلاقي وشرف الانتماء إلى التربة والأهل، فيأتيان كرجفة عابرة في الفؤاد والعقل.
فيما يخصّ بلدي، فإن غداً واحداً لا يكفي كي يلحق أبناؤه بالمستقبل، لأننا نزلنا دون خطّ الصّفر في سلّم التحضّر والتمدّن، ونحتاج إلى معجزة لنعود إلى ما كنّا عليه قبل ستة أو سبعة عقود – أي قبل اكتشاف بحر النفط تحت أقدامنا. تحوّل الوطن لدى الحكومات التي تعاقبت عليه إلى دمية، وكلّ ما تملكه تجاهها هو الرغبة في اقتلاع أطرافها مرة، وفصل رأسها أو اقتلاع عينيها مرة أخرى…
باقة الزهور والخطاب الثوري عادا إلى ذاكراتي في 31 ديسمبر 3002 عندما ظهر الحاكم المدني للعراق بول بريمر، على الشّاشة وقال:
we got him
كان استعراضاً رفيعاً صفّق فيه الحاضرون ابتهاجاً باعتقال صدام حسين. قال هذه العبارة أوباما أيضاً، حين أعلن مقتل بن لادن، وهي عبارة اعتاد رجال الشرطة الأمريكية قولها حين يمسكون بالمجرم بعد مطاردة، وإن طال زمنها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *