… ويستمر حبس الصحافيين في تونس


«إن كانوا يراهنون على أن يربّي الترويع جيلا من الصحافيين المٌرَوّضين يسبّحون بحمد السلطة، ويزنون كلماتهم بميزان رضاها فهم قطعا واهمون. لتكن كل محاولات التركيع دافعا لمزيد من التمسّك بحرية الصحافة، وكل يد تمتد لخنق قلم حر دافعا لوحدة الصحافيين وصلابتهم، وسنرفع أصواتنا من معهد الصحافة ومن الشوارع ومن كل فضاء حر كلّما حاولوا إخمادها».
هذا بعض ما ورد في عريضة وقّعها عدد من طلبة معهد الصحافة في تونس تضامنا مع الصحافي محمد اليوسفي الموقوف حاليا على ذمّة قضية مفتعلة من ألفها إلى يائها. أما أساتذتهم فممّا ورد في عريضة لهم سبقوهم بها أنهم «كأساتذة ندرّس أجيال الصحافيين والصحافيات ونكوّنهم على قيم المهنية والاستقلال والمسؤولية وأخلاقيات المهنة نرى أن الصمت أمام سجن صحافي أو التضييق عليه بسبب ممارسته لمهنته يتناقض مع جوهر الرسالة التي نضطلع بها داخل الجامعة».
لا أذكر أن سارع من قبل أساتذة الصحافة في تونس أو طلبتهم أن أصدروا عريضة تضامن مع صحافي اعتقل أو سجن في البلاد، وبلهجة مبدئية حازمة، فما بالك أن يقدما عليها هذه المرة معا. جرت العادة أن تبادر إلى ذلك نقابة الصحافيين أو رابطة حقوق الانسان، إلى جانب زملاء ونشطاء، لكن أن يتم ما تم فذلك دليل إضافي على أن الكيل قد فاض من سياسة تكميم الأفواه واستسهال زج الصحافيين في السجن بتهم كيدية سخيفة.

 لتكن كل محاولات التركيع دافعا لمزيد من التمسّك بحرية الصحافة، وكل يد تمتد لخنق قلم حر دافعا لوحدة الصحافيين

قضية محمد اليوسفي رئيس تحرير موقع «الكتيبة» المعروف بتحقيقاته الاستقصائية الجادة وحواراته العميقة مع شخصيات هامة من مشارب شتى، جمعت تشكيلة من المثالب التي تجعل منها مثالا صارخا لتعسف السلطة. الرجل أعتقل عند مدخل مؤسسة إعلامية عندما كان يهمّ بدخول إذاعة «إكسبراس أف أم» للمشاركة في برنامج حول أزمة المياه في البلاد، بعد أن أجرى الموقع الذي يرأس تحريره تحقيقا مستفيضا عن أسبابها الحقيقية، مع أنه كان يمكن توجيه دعوة إليه للحضور لدي الجهات المختصة دون هذا الاستعراض الذي أريد به مزيد تخويف الجميع من تبعات الخوض في قضايا للسلطة فيها رأيها الذي لم يقنع أحدا. ثم إن اليوسفي تعرّض لأزمة صحية حادة بعد اعتقاله استوجبت نقله إلى الطوارئ والخضوع إلى تدخّل جراحي لم يحل دون مواصلة التحقيق معه وإعادته إلى السجن قبل استيفاء شروط التعافي. أما ثالثة الأثافي فتتمثل في أن الملاحقة كلّها انطلقت من تدوينة لإحداهن اتهمت فيها صحافيا لم تسمه بالفساد والإثراء غير المشروع، لكنها حذفتها لاحقا لتقول إنها لم تقصد اليوسفي في تدوينتها المحذوفة. وعوض الشروع في تقصّي الأمر وصولا لحقيقة الاتهام من كذبه وتحرّي من المقصود به أصلا، تمت المسارعة باعتماد تلك التدوينة المحذوفة أساسا لاعتقال اليوسفي!!
لقد جمعت هذه القضية من مظاهر تعسّف السلطة الصارخ والخضوع الكامل للقضاء ما بات فعلا مستفزّا للجميع وليس للصحافيين فقط، خاصة عندما يترافق كل ذلك مع حملة تشويه واغتيال معنوي في مواقع التواصل دأب على تنظيمها وتكثيفها أناس واضح أنهم يتحرّكون بتعليمات من السلطة، أو من بعض أوساطها على الأقل، ولم تقع يوما متابعتهم على ما يكتبونه من تحريض واتهامات لا سند لها مما يدل على الحماية التي تحظى بها هذه «الميليشيا» الإعلامية وإفلاتها الدائم من العقاب، حتى حين يتضح للقاصي والداني كذب وافتراء ما يدّعيه عناصرها.
ربما ما كانت الأمور لتصل ما وصلت إليه الآن مع الصحافيين لو أنهم هبّوا منذ اللحظة الأولى للدفاع عن المهنة وحرياتها وعن زملائهم الملاحقين والمسجونين. هذا التراخي هو من شجّع السلطة على المضي قدما في استهدافهم الواحد تلو الآخر قبل أن يفيق الجميع على أن الوضع لم يعد يطاق، وأن أي صحافي يمكن أن يجد نفسه في أي لحظة وراء القضبان.
في اليوم نفسه الذي قام فيه قيس سعيّد بانقلابه على الدستور عبر ما سماه بداية «إجراءات استثنائية» قام بإغلاق مكتب «الجزيرة» ومنع العاملين فيه من دخوله أو استعمال معداته، ما جعلهم «يلجؤون» إلى مقر النقابة للعمل من هناك. لم يكتف معظم الصحافيين وقتها بعدم التضامن مع زملائهم في هذه القناة، بل هناك من بينهم من «تبرّم من احتضان النقابة لهم. بعد ذلك، بدأ مسلسل ملاحقة الصحافيين في التحرّك رويدا رويدا فكان أن كانت البداية بعد أشهر قليلة من اعتقال وسجن الصحافي عام عياد، ثم جاء الدور على الصحافي صالح عطية، ثم المراسل الإذاعي خليفة القاسمي الذي حكم عليه بخمس سنوات سجناء وفق قانون الإرهاب، ثم اعتقلت وسجنت الصحافية شذى مبارك، ثم محمد بوغلاب، فبرهان بسيّس ومراد الزغيدي إلى أن وصلنا إلى محمد اليوسفي.
تحرك الصحافيين الاحتجاجي هذه المرة، عبر نقابتهم، أفضل من السابق لكنه يظل أضعف من المطلوب، فيما أرسل بيان طلبة معهد الصحافة رسالة أمل أن شكيمة صحافيي المستقبل أقوى بكثير.

٭ كاتب وإعلامي تونسي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *