ثائر دوري
قلت لها:
ـ أكره عملية نزع الظفر وأعتبرها عملية وحشية يستخدمها رجال المخابرات السورية في تعذيب المعتقلين.
ردت:
ـ هم يستخدمون الكهرباء في التعذيب، أيضاً.. فهل تكره الكهرباء؟
أجبتها إني أتكلم عن عملية طبية تخص جسد الإنسان. ألم تسألي نفسك لم اختاروا هذه العملية بالذات؟ لم لا يعذبون المعتقل مثلاً بفتح بطنه؟ سأُجيبك لا تتعجلي. عملية نزع الظفر هي الأكثر ايلاماً. ألمها يدوم طويلاً لذلك تترك ندبة لا تُمحى في الذاكرة. ولا يُغيّر في الأمر شيئاً أننا معشر الأطباء نجريها تحت التخدير الموضعي. لأن حقن المخدر في هذا الموقع عملية تعذيب. عند الحقن تُعطي المريض جرعة ألم على الحساب لتخصم من ألم نزع الظفر والمحصلة أن كمية الألم واحدة.
حانت لحظة صمت.
ـ إذن ما العمل؟
سألت طبيبة الأسنان السورية الشابة، التي كان ظفر إبهام قدمها اليمنى متعفناً بطريقة غير معهودة. لم يتبق من صفيحته أي نقطة لم تصب بالعفن الفطري. ومع ذلك راهنتُ على العلاج الدوائي. يجب أن تتناولي مضادات الفطور لستة أشهر ريثما يُستبدل الظفر المصاب بظفر جديد. وأخيراً رميت لها بالمعلومة الجوكر، التي جعلتها تستسلم.
قلت:
ـ حتى لو نزعنا الظفر سوف تتعالجين بمضادات الفطور لستة أشهر.
وافقت على مضض. ستتناول مضاد الفطور ستة أشهر. مضى الشهر الأول، ثم الثاني، من دون حدوث تقدم يُذكر. كان الظفر متوقفاً عن النمو بشكل كامل. يبدو أن العفن قد استهلك طاقة النمو داخله. مع ذلك تابعت. في كل مرة كنت أستبدل المضاد الفطري بنوع آخر. علّني أحصل على نتيجة، لكن من دون جدوى. عندما راجعتني بعد ستة أشهر كانت تشعر بالنصر. قالت:
ـ ها قد مضت ستة أشهر ولم نتقدم ملمتراً واحداً.
سألتها مباشرة إن كانت جاهزة لنزع الظفر. وهذا اعتراف صريح بالهزيمة. أكدت جاهزيتها. ثم أخرجت الحذاء المكشوف الذي سترتديه بعد انتهاء العملية.
تمددت على السرير وبدأتُ إجراءات التحضير. تبادلت معها بعض الأحاديث الجانبية كي أخفف التوتر. سألتها من جديد عن تاريخ الإصابة فأجابت منذ أربع سنوات لقد أُصبت به عام 2013. سألتها إن كانت ترتدي الأحذية الرياضية الكتيمة لفترات طويلة. عند هذا السؤال تغير مسار الحديث. لقد وقعت في المحظور الذي أتجنبه. مع تصاعد إجرام النظام بالقتل والاعتقال منذ النصف الثاني من عام 2012. توقفت عن تبادل الأحاديث الجانبية مع المرضى لأن جهازي العصبي لم يعد يحتمل المآسي التي يخبروني بها. يكفي أن تحك جلد المريض حتى يتدفق نهر مآس سببها النظام. مآس متنوعة من القتل والتهجير إلى التغييب في السجون وتدمير الأسر. لقد تحول دوام العيادة إلى فيلم رعب يتجدد كل يوم. فاتخذت قرار التوقف عن تبادل الأحاديث الجانبية. سددت الطرق بوجه المرضى إن حاولوا الخروج عن النص الطبي.
قالت إنها في شهر مارس/آذار عام 2013 بقيت مرتدية الحذاء لمدة أربعين يوماً كاملة. كانت الإجابة صادمة وتحتاج إلى تفسير وقبل أن أسألها التفسير فعلت. لقد تحول سرير الفحص إلى كرسي اعتراف، خاصة بعد أن سرى في جسدها بعض المخدر الموضعي فتحدثت من دون توقف.
أخبرتني أنها في ذلك العام 2013، كانت تدرس في كلية الطب البشري الحكومية في مدينة حمص. فقد أرسلها أهلها، الذين يعيشون في السعودية لتتابع دراستها. كنت قد بدأت عامي الدراسي الثاني عندما اعتقلتني مخابرات القوى الجوية في حمص، بسبب تقرير رفعه رئيس الهيئة الطلابية. لم أصدق ما أسمعه هذه الفتاة الرقيقة المبتسمة دائماً مرت بتجربة المخابرات الجوية.
بماذا اتهموك؟
تمويل إرهاب.
أهلي في السعودية وكنت أسافر خارج القطر مرتين في العام لأزورهم. الأولى في عطلة منتصف السنة والثانية في العطلة الصيفية. وهذا يعني أن المواد الأولية لتصنيع تهمة التمويل متوفرة (السعودية ـ السفر المتكرر ـ حموية).
تابعت أن عمرها عندما أتت إلى سوريا كان ثمانية عشر عاماً، وقد قضتها في المملكة داخل جو أسرة صغيرة. لا تعرف من العالم سوى جدران البيت وطريق المدرسة وبعض الطالبات، لذلك فالتهمة لا أساس لها من الصحة، لكن رئيس الهيئة القميء حاول التقرب مني، صددته فحقد عليّ. مرّ في ذهني كشريط سينمائي أي رعب عاشته الصبية، لحظة الاعتقال المرعبة من مكان سكنها في بيت الطالبات، ثم السير بها إلى المجهول معصوبة العينين، ثم أبواب حديدية تُفتح ويُلقى بها في زنزانة انفرادية. كانت كيوسف في البئر. تحرك أهلها سريعاً وعلى كل المستويات. دفعوا مبالغ كبيرة. كما استطاعوا الوصول إلى المحقق شخصياً وأقنعوه ببراءة ابنتهم بواسطة مبلغ كبير من المال. أطلقوا سراحها بعد أربعين يوماً قضتها في البئر. خرجتُ بثيابي وحذائي الذي دخلت بهم إلى الفرع. لم يمنحني أهلي فرصة لتبديلها. من باب الفرع إلى حدود نصيب ثم إلى الرياض.
انتهيت من خلع الظفر المتعفن. سكبت قليلاً من المعقم ثم جففته، وبدأتُ تضميد الجرح. في السعودية قضيتُ سنتين لا أفعل شيئاً سوى تأمل إبهام قدمي المعطوب بالفطور بسبب زنزانة المخابرات الجوية. لكن في داخلي كان هناك إصرار على متابعة الدراسة. بعد مناقشات طويلة استمرت سنتين ترافقت مع تحسن الأوضاع الأمنية في مدينة حماة. توصلنا إلى حل. وافق والدي على أن أكمل الدراسة لكن في كلية طب الأسنان في جامعة خاصة في حماة لأن جوها آمن وسأعيش مع جدتي.
انتهيت من الضماد فنهضت واقفة لبست الحذاء البديل. كتبتُ لها صاداً حيوياً ومسكن ألم. أوصيتها بالراحة ومراجعتي بعد يومين لأبدّل الضماد وأتعرف على حالة الإبهام. بعد أسبوع شُفي الجرح وعادت لارتداء الحذاء العادي. أوصيتها أن تتابع تناول مضادات الفطور، لكن ما حدث بعد ذلك كان مذهلاً، لقد نما الظفر الجديد السليم بسرعة خيالية. خلال أسبوعين غطى نصف الصفيحة الظفرية. وخلال شهر كان نموه قد اكتمل. نظرت إليّ مبتسمة معاتبة. قالت
ـ لم يحتج الأمر إلى ستة أشهر.
أشرت بيديّ متعجباً. ثم قلت:
ـ أنا سعيد لأجلك. لكنني لا أملك تفسيراً علمياً
ردت الفتاة:
ـ منذ خمس سنين لم أقصه كان العفن يخنقه. لكني فعلت البارحة.
حاولت أن أكرر كلامي عن العلم، إلا أنها لم تدعني أُكمل. قالت دعنا من العلم أنا أقدم لك تفسيراً. كان العفن الذي التقطته من زنزانة المخابرات الجوية يخنق الحياة. وما إن زال حتى تدفقت الحياة من جديد بشكل مذهل.
أجبتها مبتسماً
ـ هذا يدخل في باب الشعر والخيال.
ردت قائلة ربما. لكن كما ترى يبدو أن الشعر والخيال أصدق من العلم الجامد، الذي بقيت تحدثني به نصف عام. كان يجب أن تخلعه من دون تخدير من دون رحمة منذ البداية. ظفر متآكل بعفن زنزانة رطبة وسخة لا تصلح إلا للموت هل كنت تظن أنه سيشفى بالدواء! أخبرتها بسخرية أن أطباء الجراحة يتهكمون على أطباء الداخلية ومنها الجلدية بسبب ميلهم للعلاجات الطويلة البطيئة.
ردّت:
ـ هناك أشياء في الكون لا ينفع معها إلا الحلول الجراحية الحاسمة. ومنها هذا الظفر المتعفن.
بعد عدة أيام من سقوط النظام زارتني الشابة تتأبط ذراع شاب وهي تكاد تطير عن الأرض فرحاً. قالت:
ـ خطيبي.
بعد أن باركت لها. طلبت أن تريني الظفر لآخر مرة. كان قد عاد ظفراً سليماً معافى لا يحتاج شيئاً.
سألتها إن كانت قد أخبرت خطيبها بقصة الظفر. فأكدت أنها فعلت. ابتسمتُ ونصحتها أن لا تدخل المخابرات الجوية ثانية.
نظرا إلى بعضهما وضحكا.
قال الخطيب:
ـ أصرت أن نذهب إلى حمص لنزور مقر المخابرات الجوية وقد دخلنا الزنزانة التي كانت محتجزة بها.
ابتسمت وأجبت:
ـ لقد دخلتم زنزانة أخرى.
أما هي فكررت تعليقها.
ـ قلت لك منذ البداية. إن هناك أمراضاً لا ينفع معها سوى البتر.
في تلك اللحظة تذكرت مسار جنيف والمفاوضات التي استمرت لعشر سنوات من دون أي تقدم في حين اقتلعت عملية عسكرية خاطفة النظام ومؤسساته في أحد عشر يوماً.
قلت
ـ أنت محقة. هناك أشياء في الكون لا ينفع معها سوى الخلع والقلع.