بعد أن حقق فيلم «الأوديسة» مليارا ومئتين وتسعين مليون دولار حتى كتابة هذه السطور وصاحبته حملة إعلامية هائلة، لم يدر في خلد النقاد بعض الجوانب المهمة المتعلقة بهذا الفيلم، الذي أصبح حديث الساعة. وذكر هذا الفيلم، الذي أخرجه وكتب قصته المخرج كريستوفر نولان، الجمهور بملحمة «الأوديسة» الإغريقية القديمة التي كانت قد أصبحت مؤخرا محصورة في الحصون الأكاديمية. ولكن هذا النجاح أعطى الأنطباع أن ملحمة «الأوديسة» أول وأهم ملحمة وصلتنا من تلك العهود القديمة، من دون وجه حق، فهناك ملحمة أخرى أقدم وأكثر عمقا، ألا وهي ملحمة جلجامش السومرية العراقية، فعندما يعود الإنسان إلى نصوصه الأولى، يجد نفسه واقفاً بين ملحمتين لا تشبهان بعضهما، ملحمةٍ تنهض من الطين السومري، حيث كان الإنسان يكتب على ألواحٍ رطبة وهو يحاول أن يفهم لماذا يموت، وملحمةٍ تنهض من البحر الإغريقي حيث كان الإنسان يكتب على رقٍّ جاف، وهو يحاول أن يفهم كيف يعود إلى موطنه بعد أن ضاع في العالم، وبين الطين والبحر تتشكّل تلك المسافة التي تفصل بين حضارتين، مسافة ليست في الجغرافيا، بل في الفكروالطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه.
إن ملحمة جلجامش أقدم بكثير من ملحمة الأوديسة، أي أقدم من المدن التي ستأتي لاحقاً وتظنّ أنها اخترعت الإنسان والفلسفة التي سيكتبها اليونانيون بعد ألف وأربعمئة عام. ولذلك فإنّ قراءة جلجامش ليست قراءة نصٍّ قديم، بل قراءة بداية الوعي البشري، وتلك اللحظة التي اكتشف فيها الإنسان أنّه سيموت، وأنّ الموت ليس حدثاً، بل سؤال.
كتب السومريون ملحمة جلجامش قبل أن يعرف العالم معنى «الأدب»، فقد كتبوه لأنّهم كانوا يحاولون أن يفهموا لماذا يموت الإنسان، ولماذا يطمح للخلود في هذا العالم؟ ولذلك فإنّ جلجامش ليست ملحمة فقط، بل هي وثيقة فكرية تقول، إنّ الإنسان بدأ رحلته وهو خائف، وأنّ الخوف هو أول شكل من أشكال الفلسفة، فجلجامش، الملك الجبار الذي كان يمشي شامخا في أوروك، لم يكن يعرف أنّ القوة التي يتباهى بها ليست سوى قشرة رقيقة تغطي هشاشة الإنسان، وأنّ المدينة التي يظنّها ملكه ليست سوى مسرح صغير في مواجهة الزمن، حتى جاء اليوم الذي أرسلت فيه الطبيعة مرآتها في هيئة رجلٍ جاء من البراري، رجلٍ اسمه أنكيدو، لم يكن صديقاً فقط، بل كان البراءة نفسها حين تتخذ شكلاً بشرياً، وكان الضوء الذي يخفّف ظلام الملك، وكان الجسر الذي يعبر عليه الإنسان من الغطرسة إلى الوعي، ومن القوة إلى الهشاشة. ولكن حين مات أنكيدو، مات نصف جلجامش لتبدأ الرحلة التي لا تبحث عن كنز ولا عن وطن، بل تبحث عن معنى الحياة نفسها، وسرّ الموت أو الخلود، وحين وصل جلجامش إلى أوتنابشتم، الرجل الذي حمل الطوفان في عينيه، لم يصل إلى حكيمٍ فقط، بل وصل إلى ذاكرة العالم وسر الخلود، وعاش ما لا ينبغي لإنسان أن يعيش، ولكن الحقيقة كانت قاسية: الخلود ليس للإنسان، والحياة ليست وعداً، بل عبور. والبحث عن الخلود ليس طريقاً إلى النجاة، بل طريق إلى الحكمة، التي تقول إنّ الإنسان لا يُعرَف بما يحققه بل بما يستطيع أن يقبله، وأنّ الفناء ليس لعنة بل هو ما يجعل للحياة معنى.
وعلى الجانب الآخر من التاريخ نجد «الأوديسة»، حيث يقف أوديسيوس، لا كملكٍ يبحث عن الخلود، بل كملك قاد دمار مدينة أجنبية، إلا أنه أصبح بحّارا يبحث عن العودة إلى ما كان عليه وإلى زوجته التي تنتظره. إنه لا يبحث عن سرّ الحياة، بل يسعى إلى العودة إلى عرشه وممتلكاته، فبالنسبة له يقاس الرجل بما يملك ويحصل عليه، بغض النظر عن الوسيلة. إنه ينجح لأنه رجل ماكر، لا لأنه صالح، رجل يستخدم الحيلة والمراوغة والتنكر والصبر، رجل يعرف أنّ النجاة ليست فضيلة بل مهارة، وأنّ الذكاء ليس زينة، بل سلاح. ولكن خلف المكر الذين يتباهى به أوديسيوس لتحقيق مآربه، يختبئ جانب آخر للرجل، جانب يمتاز بالقسوة والاعتداء والغزو غير المبرّر، ففي كهف بوليفيموس، لم يكن ضيفاً، بل كان لصا، دخل أرضاً ليست له، أكل من طعامٍ ليس له، وتعامل مع المكان وكأنه ملكه. وحين عاد صاحب المكان، وصفه «أوديسيوس» بالوحش لأنه دافع عن بيته، وكأنّ البطولة تُعرَّف بالاقتحام لا بالحق، وكأنّ الضيافة تُكتسب عنوة لا بالاحترام. وفي جزر أخرى، كان يبحث عن «هدايا الضيافة» بطريقة أقرب إلى الابتزاز، حيث يختبر الناس بلا حق، ويستفزّهم بلا سبب، ثم يصفهم بالعدوانية والشر عندما يرفضون تلبية مطالبه. وحتى في إيثاكا، حين عاد إلى معقله، لم يفرّق بين من خان ومن لم يخن حيث قتل الجميع بلا تمييز، أو محاكمة أو رحمة. ورغم أنّ الملحمة تقدّم هذا الفعل كاستعادة للعدالة، فإنّه كان في الواقع أقرب إلى مجزرة، فأوديسيوس لم يعرف سوى مصلحته الشخصية بأنانية مفرطة.
تعبر كل من الملحمتين عن جوانب مهمة من الحضارة التي أنتجتها. كان السومريون شعباً يرى العالم من الداخل، أي أنهم تعمقوا في عقل الإنسان. وأعدوا الزمن عدوا لا يمكن الهرب منه، فتوضح ملحمة جلجامش أن الخلود حلم مستحيل، وأن الصداقة جزء من الطبيعة البشرية. أما اليونانيون فكانوا شعباً يرى العالم من الخارج، فالغاية تبرر الوسيلة، والإنسان يقاس بنجاحه حتى إذا كان ذلك على حساب الآخرين، فلم تكن ملحمة الأوديسة سوى قصة مثيرة ضحلة عن المغامرات والوحشية والجنس والتعامل مع آلهة، لا تختلف كثيرا عن «أوديسيوس»، هدفها إمتاع القارئ، من دون عمق حضاري حقيقي، فهي ملحمة كتبت من قبل رجل يوناني لإرضاء غرور الرجال اليونانيين. وبالتأكيد أن اليونانيين القدماء شعروا بالغبطة والغرور عند قراءتهم هذه الملحمة، لأنها عن انتصاراتهم على الأجانب وتدمير مدينتهم العظيمة. إنها الملحمة التي تعبر عن عظمة اليونانيين وبطشهم وخداعهم. ولهذا، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه، أي الحضارتين كانت أكثر «رقيّاً فكرياً»، لأنّ الرقيّ في السؤال والفكر والتحضر والطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه.
كان السومريون متقدّمين لأنّهم كتبوا أول نصٍّ يسأل عن الموت وأهمية الصداقة بين البشر، فلا حقد أو عدوانية فيها، لأنها عن أهم مخاوف الفكر البشري بشكل عام. أما اليونانيون، فكانوا متقدّمين لأنّهم كتبوا أول نصٍّ يسأل عن رغبات الإنسان الحيوانية وتحقيق طموحاته. والجانبان معاً يشكّلان الإنسان. ولهذا السبب كان السومريون أكثر رقيا فكريا من اليونانيين الذين ظهروا بعدهم بأكثر من ألف عام.
من الجدير بالذكر أن جلجامش كان شخصية حقيقية، على الرغم من كون الملحمة خيالية، ٳذ كان ملك مدينة الوركاء. وعلى الرغم من كون مدينة طروادة قد تم العثور عليها، فإن بقية تفاصيل الملحمة خيالية تماما، ومنها شخصية أوديسيوس نفسه. وأما ذلك الحصان الخشبي الشهير، فلم يصنع اليونانيون شيئا من هذا القبيل في تاريخهم. وقد أثار الحصان الخشبي الذي ظهر في الفيلم سخرية بعض النقاد، ٳذ ظهر نصف مطمور في الرمال على الساحل، وكأنه قد بقي هناك لأشهر ما يعني الموت المؤكد للجنود اليونانيين المختبئين في داخله.
أعود إلى الفيلم الشهير، فقد حاول المخرج تجميل أوديسيوس بعدة أساليب، فجعله مثلا نادما على ما فعله بطروادة من مذابح، وعلى طريقة خداعهم عن طريق بناء ذلك الحصان الخشبي. ونراه يظهر ذلك الألم المصطنع حول السبب الحقيقي لإزالة تلك المدينة العظيمة بشكل يثير السخرية. ولكن أوديسيوس الأصلي لم يكن كذلك، فلم يكن للألم والندم مكان في قلبه. ولنأخذ بقية جوانب الفيلم كلا على حدة، فإن اختيار الممثلين كان سيئا، وأولهم الممثل مات ديمن، الذي بدا بشعر أسود مصبوغ كي يبدو قريبا من اليونانيين وفي أواسط الخمسينيات من عمره، ولم يكن أي من رفاقه أصغر سنا، أي أن أيا منهم لم يبدُ كمقاتل يوناني مقنع. وقد اعترف مات ديمن نفسه أنه ورفاقه الممثلين، عانوا الكثير من أداء أدوارهم بسب تقدمهم في السن. وقد بدا الجميع وكأنهم يؤدون أدوارا لفيلم عن الزمن المعاصر، وليس عن معاناة جنود شباب قبل ثلاثة آلاف ومئتي عام. وكان واضحا أن الممثلات شارليز ثيرون وسامنثا مورتن، تؤديان أدوارا لممثلات أصغر منهن بعقود، بل إن قلة الشباب في الفيلم كانت واضحة إلى درجة أنها ربما كانت مقصودة.
أما الإخراج، فلم يكن الأفضل بالتأكيد، فقد كانت المخلوقات المعادية لأوديسيوس ورفاقه مثيرة للشفقة، كما كان حجمها غير ثابت، ٳذ كان يتغير حسب المشهد، ولسبب ما تبنى المخرج سفنا مأخوذة من سفن الفايكنغ، وليس سفن اليونانيين القدماء، ولم يكن عددها أحيانا واضحا. ولم يقتصر الجدل حول السفن على هذا، فقد ادّعى المخرج في مقابلاته، أنّه وضع سفن الفيلم في قلب العواصف الحقيقية، وأنّ الطاقم واجه أمواجاً فعلية في البحر المفتوح. غير أنّ هذا الادعاء لا يصمد أمام أي تحليل تقني أو سينمائي، لأنّ تصوير العواصف البحرية في الأفلام الضخمة داخل البحر الحقيقي يكاد يكون مستحيلاً. فالسفن في المشاهد تبدو ثابتة الحركة تقريباً، تتحرك بمحور واحد فقط، بينما السفن في البحر الحقيقي تهتز في ثلاثة محاور لا يمكن التحكم بها. كما أنّ الأمواج في الفيلم لا تتطابق مع حركة السفينة، وهو دليل واضح على أنّ المشاهد صُوِّرت داخل خزّانات ماء في استوديو مغلق، باستخدام منصّات هيدروليكية ومؤثرات رقمية، تماماً كما تفعل معظم الإنتاجات الضخمة. ولو كان المخرج قد وضع سفنه فعلاً في عاصفة حقيقية، لكان ذلك مخاطرة غير منطقية، لا يقبل بها أي فريق تصوير، ولا شركات التأمين، ولا حتى قوانين السلامة البحرية، ولذلك فإنّ ادعاءه لا يبدو سوى محاولة لإضفاء هالة واقعية على فيلمٍ لم يقترب من البحر إلا عبر المؤثرات البصرية.
لم يقتصر تخفيف الفيلم للجوانب الوحشية في الملحمة الأصلية، بل امتدّ إلى أحد أهم عناصرها الفكرية، وهو الجانب الجنسي الذي يشكّل جزءاً من البنية الأخلاقية والأسطورية للأوديسة. ففي النص الأصلي، يقيم أوديسيوس علاقات جنسية كاملة مع كاليبسو لمدة سبع سنوات، ومع سيرسي أيضاً، وهي علاقات لا تُقدَّم بوصفها نزوات، بل بوصفها جزءاً من فهم الإغريق للعلاقة بين السلطة والجنس، وللدور الذي تلعبه الآلهة والنساء في اختبار وفاء الرجل وهويته. غير أنّ الفيلم تجاهل هذا البعد تماماً، فحوّل كاليبسو وسيرسي إلى شخصيتين بلا وظيفة أسطورية، وألغى علاقتهما الجنسية بأوديسيوس، وكأنّ الملحمة كانت خالية من هذا الجانب الذي شكّل جزءاً من طبيعة الأدب اليوناني القديم. إنّ حذف هذا البعد لا يغيّر فقط طبيعة الشخصيات، بل يغيّر طبيعة الملحمة نفسها، لأنّ الأوديسة تربط بين الجنس والسلطة والهوية، وتكشف التناقض بين رغبات الرجل وواجباته. ولذلك بدا الفيلم نسخة مُطهَّرة للغاية من نصٍّ لم يكن طاهراً أصلاً، وكأن المخرج خشى تقديم أوديسيوس كما كتبه هوميروس، وفضّل تقديمه كما يريد الجمهور الحديث أن يراه، فلا يخون أوديسيوس زوجته المسكينة التي تنتظره لسنوات طويلة، على الرغم من أنه يخونها بكل سعادة في الملحمة، بل إن الملحمة تصور هاتين المرأتين وكأن واجبهما ممارسة الجنس مع أوديسيوس كدليل على عظمته وسطوته، فالبطل اليوناني القديم يجب أن يستمتع بحياته. ويجعلنا هذا نستنتج أن الفيلم كان محاولة ماكرة أخرى لتحسين صورة أوديسيوس. وقد يكون هذا سبب اختيار الممثل مات ديمن لأداء هذا الدور، ٳذ يمتاز هذا الممثل بمظهره الودود والطيب. وبالتالي، فان الفيلم في الواقع دعاية لليونانيين القدماء، فهم الشعب المثالي ذوالحضارة الأولى، على الأقل في السينما. ولذلك قام الفيلم بتصويرهم وكأنهم شعب ذو مثل حسب المعايير الإعلامية الحديثة.
ٳذا انتقد بعض الأكاديميين الفيلم، بأنه افتقد العمق، فقد يكونون مخطئين لأن الفيلم افتقد الكم وليس العمق في نقله الملحمة الأسطورية إلى الجمهور، لافتقار الملحمة الأصلية إلى العمق أصلا. وقد حاول المخرج الدفاع عن الفيلم والادعاء أنه اعتمد على مصادر أكاديمية في كتابة قصة الفيلم. وذكر أنه اعتمد بشكل رئيسي على ترجمة أيملي ولسن، الأستاذة في جامعة بنسلفانيا الأمريكية، للملحمة الشهيرة من اللغة اليونانية القديمة، وكانت قد نشرت في عام 2017. وكان هذا بالطبع خير دعاية لترجمتها، حيث زادت مبيعاتها. ولكن هذه الاستاذة أكدت للصحافة عدم رضاها عن الفيلم، وأنه لم يتطرق إلى جوانب مهمة للملحمة. وأضافت أن الحبكة سطحية وغير جيدة الكتابة وأنها، كانت ستشعر بالعار ٳن كتبت أي جزء من حبكة الفيلم.
أثار وجود ممثلين أفارقة وهنود وصينيين في الفيلم تساؤل البعض، فلم تذكرهم الملحمة الأصلية كأفراد ضمن التشكيلات العسكرية، أو المجتمع في اليونان القديمة، باستثناء أن ملك الإثيوبيين أرسل جيشا ليدعم مدينة طروادة في مواجهتها مع اليونانيين، ويشير اسم الإثيوبيين هنا إلى سكان النوبة والسودان والمناطق المجاورة لهما. ولكن طريقة عرضهم في الفيلم تعطي الانطباع بأن اليونانيين القدماء كانوا متسامحين جدا تجاه وجودهم بين صفوفهم. ولكن هذا يناقض حقائق التاريخ وأحد أهم جوانب الفكر اليوناني القديم، ٳذ عدّ اليونانيون القدماء الأجانب أقل ذكاء من اليونانيين، وأنهم غير قادرين على التكلم بلغة مفهومة، أي أنهم «يبربرون» حسب تعبير اليونانيين القدماء. ومن هذه الكلمة أشتقت كلمة «البرابرة»، التي تشير إلى الناس الأقل ذكاء من اليونانيين وغير القادرين على التفاهم كالبشر. وقد تغلغل هذا المفهوم في أعماق الفكر اليوناني القديم، حتى إن فلاسفتهم جعلوها جزءا من الفلسفة اليونانية لا سيما أرسطو. هنالك ميزة خاصة تتمتع بها الحضارة اليونانية في الفكر الغربي لا نلاحظها في أي فكر آخر، فعندما يتكلم العراقي مثلا عن حضارته القديمة، نجده يتكلم عن السومريين والبابليين والآشوريين لأن هذه الحضارات ظهرت في بلاده، وكذلك المصري عندما يتكلم عن حضارته القديمة، فهو يتطرق إلى الفراعنة للسبب نفسه. ولكن جميع الغربيين يتكلمون عن اليونانيين القدماء وكأن هذه الحضارة ظهرت في كل بلدان الغرب، أي أنها قد ترسخت في أسس الفكر الغربي. وقد يكون السبب أن الحضارة اليونانية تعد أول مظهر حضاري في الغرب، ولكنها ظهرت في اليونان، وليست في المانيا أو فرنسا أو بريطانيا، وعلى الرغم من نظرة اليونانيين القدماء تجاه الآخرين.
لم يفعل الفيلم شيئاً سوى إعادة تدوير هذه الدعاية القديمة، بلغة القرن الحادي والعشرين: مؤثرات بصرية، موسيقى ملحمية، ممثلين بوجوه ودودة، وحذفا منهجي لكل ما يجعل أوديسيوس ليس بطلاً بالمفهوم الحديث. وهكذا، فإنّ المقارنة بين جلجامش والأوديسة لا تكشف الفرق بين حضارتين فقط، بل تكشف الفرق بين نصٍّ يواجه الإنسان بحقيقته، ونصٍّ يختلق حقيقة تخدم أصحابه، فملحمة جلجامش رسالة الى الإنسانية، ٳذ تعرّي الإنسان، وتواجه الخوف ومعنى الحياة، بينما تزين الأوديسة الإنسان المتوحش وتروج للانتصار وتبحث عن المجد على حساب الآخرين. ولهذا، فإنّ قراءة الأوديسة اليوم ليست قراءة ملحمة، بل قراءة أول نموذج للدعاية الثقافية والسياسية (البروباغاندا) في التاريخ، وقراءة الفيلم ليست سوى قراءة لنسخة جديدة من الدعاية نفسها، لكن بميزانية أكبر.
باحث ومؤرخ من العراق