جدعون ليفي
الجميع يلعبون هذه اللعبة: بريطانيا تفرض عقوبات ظاهرياً، وينضم إليها حوالي 12 دولة أوروبية، لكن ليس فعلياً، وإسرائيل ترد بخطوات تشبه الفأر الذي يعاقب الفيل، فقط لإظهار كيف أذقنا البريطانيين الويل، والجميع راضون عن أنفسهم. لن يتوقف إنشاء حظائر المستوطنين على الأراضي المسروقة في الضفة الغربية، ولن يتوقف نهب الأغنام بسبب قرار بريطانيا الذي يشيد به العالم.
إعادة حكومة بريطانيا الجديدة التأكيد على وجود تطهير عرقي في الضفة الغربية، وهي أول حكومة في الغرب تعترف بذلك، أمر يبعث على الأمل، وخطوة أخلاقية، تحية لبريطانيا من دون سخرية. ولكن بريطانيا قررت معاقبة المستوطنين فقط، وهذا قرار خطير يرسخ سابقة خطيرة.
وهكذا، تعلن بريطانيا أن هناك إسرائيل وهناك مستوطنات، هناك دولة وهناك احتلالاً، هناك إسرائيليين وهناك مستوطنين.
يسهل التمييز بينهم، كما يتم التمييز بين نتنياهو من عالم الحروب، والمعارضة من عالم السلام. بهذه الطريقة ربما لن يتهم أحد في بريطانيا باللاسامية، باستثناء جدعون ساعر الذي يحسن لوم العالم ومعاقبته.
لكن لا وجود للمستوطنات ككيان سياسي مستقل. عندما فرضت أوروبا عقوبات على شبه جزيرة القرم المحتلة، فرضت أيضاً عقوبات على الدولة المحتلة، روسيا.كيف يمكن معاقبة المستوطنين فقط دون معاقبة من يقومون بتمويلهم وحمايتهم ودعمهم وإرسالهم، مثل حكومات إسرائيل؟
المستوطنات هي إسرائيل، وإسرائيل هي المستوطنات. لم يعد هناك خط أخضر منذ زمن، ولم يعد خط أخضر يفصل الضفة الغربية عن إسرائيل، باستثناء خط الفصل العنصري. جميعنا إسرائيليون ومستوطنون، وجميعنا نتحمل المسؤولية عما يتم ارتكابه باسمنا.
إذا كانت بريطانيا ترى أن التطهير العرقي يحدث في الضفة الغربية، وأن بعض عناصره تعدّ من أخطر جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فما الفائدة من معاقبة المستوطنين؟ فهم مجرد شركاء في هذه الفظائع ومسؤوليتهم مخففة، ليسوا سوى منفذين، هم جنود الجريمة.
إن مشروع الاستيطان مشروع إسرائيلي شامل، حكومي ومنهجي. لا توجد جهة رسمية واحدة في إسرائيل غير متورطة فيه، بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء بفعل أو تقصير، بفرح أو لامبالاة.
كان على الدولة، لو كانت دولة قانون، معاقبة المستوطنين العنيفين؛ لكن هذا ليس دور العالم. يجب معاقبة المسؤولين عن هذا المشروع العالمي، لأن حكومة إسرائيل، أي حكومة، لا يمكنها معاقبة نفسها.
أوروبا الكلاسيكية في مواجهة دانييلا فايس، مستحيل ألا تضحك، يا جدعون ليفي. لذلك، قرار بريطانيا فرض عقوبات على المستوطنين هو تهرب من المسؤولية من جانب المجتمع الدولي. يجب على العالم الذي يتوهم على الأغلب أن نتنياهو مصدر كل شر، التذكر أيضاً أن نتنياهو لم يؤسس هذا المشروع، فالمشروع الصهيوني برمته يقف من وراء المستوطنات، ومعه المؤسسة الصهيونية في أرجاء العالم.
حتى من حيث الفعالية، فليس للعقوبات المفروضة على المستوطنين أي معنى. فبالنسبة للأوغاد المقطوعين عن ثقافة العالم، والقوميين المتطرفين الذين يعتقدون أن دولة إسرائيل يمكن أن تقوم بدونها، لن تمنعهم أي عقوبات من الزحف على الأراضي المسروقة.
والعقوبات المفروضة على استيراد منتجات المستوطنات خطوة أهميتها ضئيلة. فـ 2.3 في المئة من صادرات إسرائيل إلى أوروبا هي من المستوطنات. في مستوطنة “ايش كوديش” ما يتم إنتاجه من الكراهية أكثر مما يتم إنتاجه من التكنولوجيا المتقدمة. وفي مستوطنة “عيدي عاد” ما يتم إنتاجه من العنف أكثر مما يتم إنتاجه من بندورة “الشيري”. إن نبيذ المستوطنات هو نبيذ الأوغاد، وعنبهم عناقيد الغضب الذي يزرع على أراض مسروقة.
إسرائيل تظهر اللامبالاة تجاه العقوبات المفروضة على المستوطنات، والمستوطنون بدورهم لا يكترثون كثيراً، وهم محقون في ذلك؛ فبعد أقل من يوم على إعلان العقوبات، ناقشت الإدارة المدنية أمس إضافة 747 وحدة سكنية جديدة في الضفة الغربية. والأهم من ذلك كله، هو أن الحكومة في “ويست منستر” تشعر بالسرور والتفاخر.
هآرتس 10/9/2026