سردية الأرض والذاكرة في مواجهة ديزني


« فِي بَيْتِنَا
جِذْعٌ حَنَى أَيَّامَهُ وَمَا انْحَنَى..
فِيهِ أَناَ!»
«أحمد مطر»
لماذا تهرب فتاة من «ديزني»؛ المكان الذي صُمّم في المخيال الحديث ليكون مرادفاً للحلم والسعادة؟
تضع رواية «هاربة من ديزني – سيرة الخزف والمهراس « للروائية زينب السعود، الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» قارئها أمام هذه المفارقة الوجودية: هل يمكن للإنسان أن يحظى بالحرية والوفرة في المدن الكبرى، ثم يكتشف أن شيئاً جوهرياً ينقصه لا تمنحه البهرجة الزائفة؟ وما الذي يجعل شجرة زيتون معمرة في قرية أردنية قادرة على هزم عالم كامل من الصور اللامعة؟
تتأمل الرواية هذا الفقد من خلال سيرة «كاي لين»، الشابة المولودة لأب أردني وأم صينية، والموزعة بين اغتراب نيويورك بقسوته ووطأة التمييز فيه، وجذور قرية « المَيْسَرِ» في عجلون. تفرّ «لين» من صخب العوالم الاستهلاكية المعلبة إلى دفء البيت الأول؛ من معراج المنفى البارد إلى حنان الجدات، ومواسم القطاف والربيع والدحنون، وعبق الحشائش المثقلة بقطرات المطر، حيث تقف شجرة «المهراس» العتيقة شاهدة على الانتماء.
إنها سردية تُحيي «النقصان» الذي لا يهدأ إلا بملاحظة التمام؛ تعود فيها «لين» لتخوض معركة إثبات النسب وتثبيت الجذور والهوية، ولتكتشف بمعية الجدة حبيبة والعمة ميسون والطبيب غيث، أن الخزف الذي يغلف ملامحها يخفي تحته لحاءً صلباً. ومن هنا، تتأسس هذه القراءة لتستكشف كيف تحول «المهراس» من أداة إلى رمز للصلابة والوجود في مواجهة عالم «ديزني» الهش، ولتجيب عن السؤال السردي المركز: من يرث المهراس حين تصبح الذاكرة هي السلاح الأخير للبقاء؟
يذهب كثيرون في تفسير الهيمنة الثقافية، إلى أنها تدوم لأنها تصنع الرضا والاقتناع بخطابها. لكن عالم الاجتماع فيفيك تشيبر يفكك هذا الوهم بحجة بسيطة وقاسية في آن: الرأسمالية لا تستمر لأن الخاضعين لها مقتنعون بها، بل لأنهم عاجزون فعليا عن الإفلات منها. الهيمنة، في تحليله، ليست مسألة قبول وإيمان، بل مسألة عجز واستسلام مادي محض.
من هذا التفكيك بالذات، وإن لم تُسمِّه الروائية صراحة، ينفتح النص. فـ»عالم ديزني» في الرواية ليس مجرد رمز لصناعة الوهم والحلم الأمريكي كما اعتدنا أن نقرأه في نصوص أخرى، بل هو – إذا استعرنا لغة تشيبر – تجسيد لهيمنة تُكره لين ووالدها على الاستسلام لشروطها، لا على الإيمان بها. لم يكن ماجد مقتنعا بفردوس نيويورك؛ كان محتاجا لتمويل أبحاثه الكيميائية، ولم تكن ابنته أكثر من ذلك اقتناعا؛ كانت معلّقة في جغرافيا تفتقر إلى أدوات الفكاك منها، بهذا المعنى تسقط الرواية قناع «الرضا المغشوش» عن ديزني، وتكشف ما تحته من إكراهات بنيوية وعنصرية تُمارَس على من يعيشون على الهامش.
تبدأ لين حياتها مغلّفة بسردية ديزني البراقة، تلك التي تستقبل الزائر بعبارة «هنا تتركون اليوم وتدخلون عالم الغد والأمس والخيال». غير أن هذا «القبول» الأولي ينكسر بسرعة عند أول اصطدام حقيقي بالبنية الصلبة للنظام الأمريكي. ففي مركز التوقيف في نيويورك، لا تحميها جنسيتها الأمريكية ولا اندماجها الظاهري؛ ملامحها الآسيوية تجعلها هدفا للهراوات والصفعات، هي وصديقتها الصومالية إلهان، تحت وطأة ما تسميه الرواية «لعنات الحادي عشر من سبتمبر».

ويظهر عجز المهاجر – لا اقتناعه – بوضوح شديد في موقف الأب نفسه. ماجد كيميائي أردني مرموق، يعرف تماما أن البقاء في أمريكا يتطلب ثمنا باهظا، لا لأنه انسلخ عن عروبته، بل لأنه، ببساطة، لا يملك قدرة واقعية على الانفلات من هذا الثمن إن أراد لأبحاثه أن ترى النور. هرب من ضيق القرية إلى سجن كوينز الفسيح، وصار يمارس استسلاما ماديا لخوفه، حتى إنه يصرخ في وجه ابنته المذعورة: «نحن هنا مهاجران غريبان مهما أخذنا من امتيازات.. تذكري دائما أننا لا ننتمي إلى هنا». صفعته للين، حين وقعت، لم تكن تعبيرا عن قناعته بالنظام؛ كانت صرخة رجل خائف من أن يبتلعه هذا النظام كليا لو ارتكبت ابنته أدنى خطأ. وعلى الجانب الآخر من المحيط، يمثّل العم ناصر شكلا مختلفا من الهيمنة، لكنه لا يقل قسوة: هيمنة ذكورية ومادية تسكن القرية نفسها. يرتدي ناصر مسوح «حامي الفضيلة»، لكنه يفحص ملامح لين تحت ما يشبه مجهرا قديما، لا لينفي نسبها أخلاقيا فحسب، بل ليمنعها من مزاحمته في الميراث: «غدا ستزاحمنا في الميراث وهي ليست من مواريثنا». وهو نموذج نعرفه جيدا في أدبنا وحياتنا معا: من يمارس الإكراه باسم الدين والقيم، بينما يمارس في خلواته ما يناقضها تماما.

هذا الإكراه العائلي، مع ذلك، يتحطم عند صخرة لا يتوقعها ناصر: مقاومة النساء أنفسهن. العمة ميسون هي أول من يكسر الحصار، لا بالمواجهة المباشرة، بل بشيء أهدأ وأعمق: تغرس في لين اللغة العربية، فتمنحها ما تصفه الرواية بـ»روح الإسفنجة» – قدرة على أن تتشرّب الألم، من دون أن تتفتت به. أما الجدة حبيبة فتذهب أبعد: لا تقيم وزنا لملامح لين «التي تشبه عاملات المصنع»، كما يصفها البعض بقسوة، بل تمنحها النسب والنبض معا، وتُعلن حقها في الأرض بجملة تختصر موقفها كله: «الشجرة لك يا جدة، سميتها شجرة لين.. وهي رومية بس أصيلة وجذورها عميقة يا ميمتي».
لسنوات طويلة، ظنت لين نفسها لا أكثر من «قشرة خزف» سريعة العطب، واستسلمت لدور الضحية الذي فرضته عليها ظروف ولادتها، لكن العودة إلى جبال عجلون وسهول حوران الذهبية والتل في إربد أخرجتها من حالة العجز والتوثب الدائم إلى حالة أخرى مختلفة تماما: الفاعلية. حين تقف أمام شجرة المهراس بلحائها القاسي المتقشر وجذعها الذي لا ينحني، تدرك لين أن الذات لا تُقاس بنظرة المرآة الظالمة، بل بما تحمله من عمق ولحاء صلب لا تراه العين مباشرة. وثمة خط آخر لا يقل دلالة: الطبيب غيث، الذي كان – بمفارقة قاسية – سببا في إصابة عين لين وهي طفلة، يتحول في الرواية من شريك في جرح قديم إلى شريك في شفاء جديد. لا يعالجها بالمشرط وحده، بل بوعد يبدو بسيطا، لكنه يحمل ثقل الرواية كلها: أن يزرع لها أشجار مهراس جديدة، وينصب بينها أراجيح، وأن يتعبا معا ثم يتعافيا معا، في تلك اللحظة تحديدا تتجاوز لين حالة التشتت، وتكتشف أن لحاءها الداخلي – ذلك الذي ظنته يوما هشا كالخزف – قادر فعلا على حماية ما تبقى من روحها.

وتصل الرواية إلى ختامها حين تتحول «كاي لين» من غصن هارب مغترب، إلى أصل ثابت يضرب جذوره في أعمق طبقات التاريخ والتراب. في المشهد الأخير نجدها، وقد تحررت من أوهام ديزني وقسوة كوينز معا، تصغي لبكاء ابنتها الصغيرة «حبيبة» – وهي تسمية لا تحتاج شرحا كثيرا – بينما يزفّ لها زوجها غيث خبر قبولها لدراسة الماجستير في الآثار والأنثروبولوجيا. وفي هذا التفصيل تحديدا تكمن، في رأيي، أذكى لمسة في بناء الرواية: أن تختار لين تخصصا يجعلها هي من تفحص التاريخ وتنبش عن الآثار، بعد أن أمضت سنوات طويلة موضوعا يُفحص هو، تحت مجهر عمها أولا وعنصرية الشرطة ثانيا.
فمن يرث المهراس، في نهاية هذه الرحلة، ليس من يخضع لزيف القشور أو يهرب من مواجهتها، بل من يملك الشجاعة الكافية للعودة إلى اللحاء الصلب والجذور العميقة – حتى لو تطلّبت هذه العودة أن يمر المرء أولا بكل ما مرت به لين: بالخزف قبل أن يصل إلى اللحاء، وبالعجز قبل أن يكتشف قدرته الحقيقية على الفعل. وهذا، ربما، هو أصدق معنى يمكن أن نقرأ فيه بيت أحمد مطر الذي افتتحنا به: الجذع الذي انحنى من دون أن ينكسر ليس مجرد شجرة معمّرة في عجلون، بل صورة لكل من يحمل إرثا ثقيلا ويظل واقفا رغما عنه – وقد وجدت لين كاي، أخيرا، أنها فيه.

كاتب أردني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *