«التجويع الصامت»… رقاب الغزيين تحت مقصلة الحصار


غزة – «القدس العربي»: لم يعد النقص الحاد في المساعدات والمواد الغذائية، الذي يشتكي منه سكان قطاع غزة بسبب القيود الإسرائيلية والحصار المشدد، هو ما يعزز بقاء حالات الجوع بين السكان، إذ تضاف إليه أسباب أخرى، في مقدمتها تدهور الأوضاع الاقتصادية بسبب الارتفاع الخطير في نسب البطالة، وعدم قدرة أرباب الأسر على شراء الكثير من الاحتياجات الأساسية، ما يجعل هذه الأزمة مرشحة للاستمرار والزيادة بوتيرة متصاعدة.

الفول والخبز

وفي داخل منزل متصدع الجدران، بسبب هجمات وغارات إسرائيلية دمرت المنطقة المحيطة به، توسط طبق من الفول وقليل من المخللات، وعدد من أرغفة الخبز، مائدة عائلة إسراء، وهي سيدة في منتصف الثلاثينيات وتكنى «أم كرم»، لديها أربعة من أبنائها، بينهم اثنان في سن الفتوة.
وبحسرة تقول هذه السيدة لـ»القدس العربي»: «هذا الطعام يتكرر لليوم الثالث على التوالي»، وتوضح أن الفول صنعته بيدها من معلبات حصلت عليها كمساعدة ضمن طرد غذائي صغير قبل فترة.
وتشتكي إسراء، التي تقطن في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، من سوء الحالة الاقتصادية لأسرتها، حيث لم يعد زوجها يعمل إلا أياما قليلة في الشهر، يساعد فيها تاجرا في أعمال تنزيل البضائع وتنظيف مخزن لأحد التجار.
وتقول إن فقدان الزوج لعمله مع بدء الحرب، وقد كان أحد العاملين في قطاع البناء الذي توقف كليا، حرم الأسرة من دخل كان «يلبي احتياجات الأسرة بالحد الأدنى»، قبل أن يسوء الحال، وتبدأ الأسرة بالاعتماد كليا على المساعدات العينية والنقدية من مؤسسات إغاثية ومن بعض الأقارب.
أسرة هذه السيدة، كحال أغلب الأسر في قطاع غزة، لا يمنعها الحصار الإسرائيلي وشح المساعدات فقط من الحصول على ما يلزمها من طعام، فسوء الوضع الاقتصادي وعدم توفر المال اللازم لشراء أغلب الاحتياجات يمنعان الأسرة من تنويع الطعام.
وتقول إسراء إن أسرتها لم تتذوق طعم اللحم منذ شهرين، وإن آخر مرة حضر فيها هذا الصنف إلى مائدتها، وكان قطعا من الدجاج، جاءت من أسرة شقيق زوجها، التي تكافح هي الأخرى مشقة الحياة في غزة.
ويعيش أحمد ظاهر، وهو رجل اضطر هو وأسرته إلى سكن خيمة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، بعد أن دمر منزله في الحرب، هذه المأساة.
ويقول لـ»القدس العربي» إن الكثير من مستلزمات الأسرة، وبينها عدة أصناف من الطعام، يمر عليها بعينيه خلال التسوق، دون أن تلمسها يداه.
ويضيف: «الوضع الاقتصادي سيئ جدا، والمال المتوفر لا يكفي لشراء هذه المستلزمات الضرورية لارتفاع أثمانها».

هكذا تمضي إسرائيل في قتل سكان غزة بسلاح آخر

ويعمل أحمد موظفا حكوميا، ومنذ أشهر طويلة يتلقى ما قيمته نصف الراتب، بسبب القيود الإسرائيلية على أموال الضرائب الخاصة بالسلطة الفلسطينية، ويضطر هذا الرجل، في نهاية العقد الخامس، إلى إعالة أسرة نجله البكر، المتزوج قبل أشهر قليلة من الحرب، ويقول: «يطلبون (الأسرة) فاكهة ولحوما واحتياجات أخرى، لكن المال المتوفر لا يكفي في أغلب الأحيان، رغم تقنين المشتريات إلى الثلث الأخير من الشهر».

طعام بلا فوائد

وكغيره من سكان غزة، يعتمد هذا الرجل على المساعدات الغذائية من مؤسسات إغاثية لتدبير أمور حياته، ويشير إلى أنه رغم إسعافها لأوضاع أسرته، إلا أن ما تحتويه من أطعمة ينجح أحيانا في ملء البطون وإسكات الجوع، دون توفير أي قيمة غذائية حقيقية يحتاجها الجسم، نظرا إلى كثرة المواد الحافظة التي يخشى أن تترك لهم أثرا غير محمود في الجسم، ولعدم توفر بروتينات اللحوم.
ويشير إلى أن أجسادهم لم تعد تقوى على تحمل أعباء الحياة الشاقة، التي تتطلب منهم أعمالا يدوية، في مقدمتها تعبئة وحمل جالونات المياه، مع عودة الحياة إلى ما كانت عليه قبل عشرات السنين.
وعن هذا الأمر، أكد تحليل صادر عن «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، التابع للأمم المتحدة، أن نحو 1.4 مليون شخص في غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وقدر التحليل أن نحو 1.4 مليون شخص، أي 67 في المائة من سكان غزة، يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد (المرحلة الثالثة أو أعلى)، فيما لا يزال نحو 212 ألف شخص يعيشون في ظروف طوارئ غذائية (المرحلة الرابعة).
ويقيم كثير منهم في مناطق قريبة من «الخط الأصفر»، حيث لا يزال الوصول إلى المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية بالغ الصعوبة.
وفي أوقات سابقة من الحرب، سجلت عشرات الوفيات، تركزت في صفوف الأطفال وكبار السن، بسبب المجاعة التي حولت أجساد ضحاياها إلى هياكل عظمية.

بطالة وغلاء

وفي هذه الأوقات، يشتكي سكان قطاع غزة من ارتفاع أثمان السلع بشكل جنوني، إلى مستويات تفوق بأضعاف ما كانت عليه قبل الحرب، وذلك بالرغم من حالة الفقر التي تعاني منها أغلب الأسر، بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية. كما يشتكي أغلب سكان القطاع من فقدانهم أعمالهم بسبب الحرب، إما بسبب تدمير المصانع التي كانوا يعملون فيها، أو بسبب توقف قطاعات اقتصادية مهمة، مثل قطاع البناء وأغلب قطاع الزراعة وقطاع الصيد أيضا، إلى جانب مهن أخرى مرتبطة بهذه القطاعات.
كما تتركز شكاوى السكان على عدم حصولهم على المساعدات الغذائية الكافية، بسبب القيود الإسرائيلية على المعابر، التي تمنع إسرائيل من خلالها، بشكل ممنهج، وصول الكميات اللازمة من الطعام والدواء إلى السكان المحاصرين، الذين يكابدون مشقة الحياة بسبب ظروف وتبعات الحرب المستمرة منذ أشهر طويلة.
وكان «الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني» قد قال إن الحرب على قطاع غزة أحدثت زلزالا غير مسبوق في سوق العمل الفلسطيني، ما أدى إلى ارتفاع البطالة في قطاع غزة، حيث بلغت نسبة الذين فقدوا أعمالهم بعد الحرب وأصبحوا عاطلين عن العمل أو خارج القوى العاملة خلال العدوان 7 4%، فيما أعلنت في وقت سابق «منظمة العمل الدولية» أن الحرب رفعت نسبة البطالة إلى ما يقارب 80 بالمائة، وقلصت الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 83.5 بالمائة.
وعن هذا الأمر، يقول المكتب الإعلامي الحكومي إن الاحتلال الإسرائيلي يمارس «التجويع الصامت» ويمنع إدخال 65 % من كمية الغذاء المطلوبة، فيما يعجز أكثر من 90 % من السكان عن شراء الغذاء.

هندسة التجويع

ويشير، في تقرير جديد له تناول الحالة الإنسانية الصعبة في قطاع غزة، إلى أن الاحتلال يطبق سياسة «هندسة التجويع»، حيث يمنع إدخال المساعدات الإنسانية إلا بنسب ضئيلة جدا لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات الناس المتفاقمة.
ويوضح أن أكثر من 95% من المواطنين في قطاع غزة باتوا يعتمدون بشكل كلي وحصري على المساعدات، في حين أن أكثر من 90% منهم فقدوا قدرتهم الشرائية تماما ولا يستطيعون شراء الغذاء، ما يجعلهم مرتهنين لما يدخل من إعانات لسد رمقهم والحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية. ويؤكد المكتب أن الاحتلال يتعمد منع إدخال مئات الآلاف من الشاحنات في أسلوب تجويعي واضح وممنهج، حيث إن ما يسمح بإدخاله لا يتجاوز 35% فقط مما تم الاتفاق عليه.
ويكشف المكتب في تقريره عن أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة الإنسانية والتعنت الذي يمارسه الاحتلال، فعلى مدار 330 يوما منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، لم يسمح الاحتلال سوى بمرور 69,387 شاحنة مساعدات وغذاء فقط، وذلك من أصل 198,000 شاحنة كان من المفترض أن تدخل إلى القطاع بموجب الاتفاق.
وكثيرا ما نادت مؤسسات الأمم المتحدة الإغاثية بضرورة قيام السلطات الإسرائيلية بتسهيل مرور المساعدات والبضائع إلى قطاع غزة، وتدعو كذلك إلى فتح معابر إضافية إلى غزة، بسبب تحديد السلطات الإسرائيلية معبر كرم أبو سالم وحده للعمل بشكل محدود، فيما تستمر في إغلاق معبري إيرز وزكيم شمال قطاع غزة، وكسوفيم في وسط القطاع.
غير أن مناشدات الأمم المتحدة لم تلق آذانا صاغية في إسرائيل، التي تتعمد بين الحين والآخر إغلاق المعبر التجاري الوحيد لأيام، وتمنع مرور أي أصناف غذائية أو طبية إلى السكان. وقبل أيام، رفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الجيش يسرائيل كاتس الاستجابة لطلب أوروبي بفتح معبر إيرز، وهو أمر يفاقم من حجم الأزمة الإنسانية.
وفي الوقت ذاته، تواصل سلطات الاحتلال منع «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين» «الأونروا»، وهي أكبر المنظمات الإغاثية الدولية التي تقدم مساعدات لسكان غزة، من العمل، ومنذ أشهر تفرض قيودا مشددة تمنع هذه المنظمة الأممية من إرسال شحنات المساعدات المتوفرة في مخازنها في دول مجاورة إلى قطاع غزة.

آمال تحت المقصلة

وفي غزة، يتكدس السكان الذين يفوق عددهم مليوني مواطن، وبينهم نسبة كبيرة من الأطفال وكبار السن والمرضى، في مساحة تقدر بنحو 30% فقط، بعد أن وسعت القوات الإسرائيلية سيطرتها لتصل إلى 70% من المساحة الإجمالية للقطاع الساحلي الضيق. وهذه المناطق المتوفرة للسكن لا تتوفر فيها أغلب الخدمات الأساسية، وباتت رقعة لانتشار الأمراض المعدية.
وقد أدان المكتب الإعلامي الحكومي بأشد العبارات سياسة التجويع، وحمل الاحتلال وكافة الدول والجهات الداعمة له المسؤولية الكاملة عن هذا التجويع الممنهج، وطالب المؤسسات والمنظمات الدولية بضرورة إيضاح حقيقة هذه الجريمة البشعة للرأي العام العالمي وكشف أبعاد الكارثة.
كما طالب بتدخل دولي عاجل، يتخلله ممارسة ضغط فوري وحقيقي على الاحتلال الإسرائيلي لإجباره على العدول عن سياسة التجويع، والالتزام بما تم التوقيع عليه لضمان تدفق شاحنات الغذاء والمساعدات.
وحذر الأطراف الدولية من تداعيات هذه الأزمة الإنسانية الكارثية في حال لم يستجب الاحتلال.
لكن، وفي ظل فقدان الأمل في قدرة المجتمع الدولي على إجبار إسرائيل على تغيير سياستها العدائية ضد قطاع غزة، واستمرارها في سياسة القتل والتجويع، فإن الأزمة الإنسانية مرشحة للزيادة بوتيرة متصاعدة، لتبقى رقاب السكان تحت مقصلة الصواريخ والحصار.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *