احتجاجات «التوطين» تتصاعد في طرابلس… اقتحام مقر أممي والخارجية تحيل الوقائع إلى النائب العام


طرابلس ـ «القدس العربي»: دخل الجدل المتصاعد في ليبيا بشأن ملف الهجرة واللاجئين مرحلة أكثر توترا، بعدما انتقلت احتجاجات رافضة لما يصفه ناشطون بـ»توطين المهاجرين» من التظاهر أمام مقار المنظمات الدولية إلى اقتحام أحد مراكز الخدمات التابعة لوكالة أممية في العاصمة طرابلس، وسط تحذيرات رسمية من المساس بمقار المنظمات الدولية وموظفيها، وتأكيد على إحالة الوقائع إلى مكتب النائب العام للتحقيق فيها.
وأدان مكتب منظمة الأمم المتحدة في ليبيا، الثلاثاء، ما وصفه بـ»الحوادث المتكررة» التي وقعت صباح الإثنين داخل مقر مركز للخدمات تديره إحدى وكالات المنظمة في العاصمة طرابلس، في أحدث تطور للأزمة التي تحيط بعمل المنظمات الدولية المعنية بالهجرة واللاجئين في البلاد.
وقال المكتب الأممي إن السلطات الليبية المعنية فتحت تحقيقا بشأن ملابسات الحوادث، مشيرا إلى أن ما جرى تضمن «سلوكيات عدوانية» استهدفت موظفي المركز والأشخاص الذين يترددون عليه للحصول على مساعدات إنسانية.
وشدد على ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الوقائع وضمان سلامة الموظفين والمستفيدين من الخدمات الإنسانية، مجددا في الوقت ذاته دعوته إلى الاعتماد على المعلومات الموثوقة والتحقق منها قبل تداولها في الفضاء العام.
وأكد مكتب الأمم المتحدة التزامه بمواصلة التعاون والعمل مع السلطات الليبية والمجتمعات المحلية، في وقت يشهد فيه ملف الهجرة واللجوء حساسية متزايدة داخل الشارع الليبي، على خلفية مخاوف يطرحها محتجون وناشطون بشأن ما يعتبرونه محاولات لإبقاء المهاجرين داخل ليبيا أو توطينهم فيها.
وتداولت صفحات محلية خلال الساعات الماضية مشاهد وأنباء بشأن دخول محتجين إلى مقر تابع للمنظمة الدولية للهجرة في طرابلس، بالتزامن مع محاولة استئناف العمل فيه بعد توقفه لفترة، حيث أظهرت المعلومات المتداولة قيام محتجين بخلع أبواب وطرد عدد من الموجودين داخل المقر، تعبيرا عن رفضهم لعودة نشاط المنظمة.
وجاء التحرك الأممي بالتزامن مع موقف أكثر تشددا من وزارة الخارجية والتعاون الدولي في حكومة الوحدة الوطنية، التي أعلنت متابعتها لما وصفته بأي أعمال أو محاولات اعتداء تستهدف مقار ومكاتب وممتلكات المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة، إلى جانب البعثات الدبلوماسية والقنصلية المعتمدة لدى ليبيا.
وأكدت الوزارة أن هذه المقار والعاملين فيها يتمتعون بحماية قانونية بموجب التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية النافذة، معتبرة أن أي اقتحام أو إتلاف أو تهديد أو اعتداء عليها يمثل «مخالفة جسيمة تستوجب المساءلة القانونية».
واستندت الخارجية في موقفها إلى جملة من الأطر القانونية المحلية والدولية، من بينها ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، إضافة إلى مواد في قانون العقوبات الليبي وقانون مكافحة الإرهاب.
وفي خطوة تشير إلى انتقال القضية من دائرة السجال السياسي والشعبي إلى المسار القضائي، قالت الوزارة إنها تحيل ما يصل إليها من وقائع وبلاغات متعلقة بهذه الممارسات إلى مكتب النائب العام لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وفتح التحقيقات وتحديد المسؤوليات.
وأضافت أن المساءلة ستشمل كل من يثبت تورطه في تلك الأعمال أو التحريض عليها أو المساعدة في ارتكابها، مؤكدة أن الإجراءات ستتم وفقا للتشريعات الليبية ودون الإخلال بالتزامات البلاد الدولية.
وفي الوقت الذي أقرت فيه الوزارة بحق المواطنين في التعبير والاحتجاج السلمي، شددت على أن هذا الحق لا يبرر اقتحام المقار أو تخريب الممتلكات أو تهديد العاملين فيها وتعريض سلامة الأشخاص للخطر، داعية المعترضين على عمل المنظمات الدولية إلى اللجوء للجهات المختصة.
كما جددت حكومة الوحدة الوطنية، عبر وزارة الخارجية، التزامها بحماية مقار وممتلكات البعثات والمنظمات المعتمدة في ليبيا، والعمل مع الجهات الأمنية والقضائية لضمان أمنها، معتبرة أن ذلك مرتبط باحترام ليبيا لالتزاماتها الدولية والحفاظ على علاقاتها ومصالحها الخارجية.
ويعيد التصعيد الأخير إلى الواجهة أزمة عمل المنظمات الدولية المختصة بالهجرة واللاجئين في ليبيا، التي تحولت خلال الأشهر الماضية إلى واحدة من القضايا المثيرة للجدل في البلاد، مع تنظيم احتجاجات أمام عدد من مقار الجهات الأممية والدولية في طرابلس.
ويرفع المحتجون شعارات ترفض ما يسمونه «التوطين»، مطالبين بوقف أي إجراءات يرون أنها قد تفضي إلى استقرار المهاجرين داخل ليبيا بصورة دائمة، في بلد يمثل منذ سنوات إحدى أبرز نقاط العبور للمهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء باتجاه السواحل الأوروبية.
وفي المقابل، تسعى السلطات إلى احتواء الاعتراضات ومنع تحولها إلى اعتداءات على المقار الدولية، خصوصا مع حساسية علاقة ليبيا بالمؤسسات الأممية والمنظمات الإنسانية العاملة في ملف الهجرة، في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه تحديات واسعة مرتبطة بالهجرة غير النظامية وتأمين الحدود وإدارة مراكز الإيواء وترحيل المهاجرين إلى بلدانهم.
ويكشف التصعيد الحالي عن اتساع الفجوة بين المخاوف الشعبية المرتبطة بملف الهجرة وبين عمل المؤسسات الدولية داخل البلاد، بينما باتت الحكومة مطالبة بالتعامل مع مسارين متوازيين: الاستجابة للمخاوف التي يعبر عنها الشارع بشأن مستقبل المهاجرين في ليبيا، وفي الوقت نفسه حماية المقار الدولية ومنع الاعتداء عليها، بعد أن وصلت الأزمة هذه المرة إلى أبواب التحقيقات القضائية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *