يوم إعلامي لمبادرة «أشقاء في المحنة» مخصص لتضامن الشعبين الموريتاني والجزائري


نواكشوط – «القدس العربي»: في لحظة تختبر فيها المحن معنى الجوار، اختار الموريتانيون ترجمة تضامنهم مع الجزائر في إطار مبادرة شعبية تتجاوز عبارات المواساة المعتادة، فمن نواكشوط، حيث لا تزال صورة الجزائر حاضرة في الذاكرة السياسية والشعبية الموريتانية، انطلقت مبادرة «أشقاء في المحنة» حاملة رسالة مفادها أن ما يصيب الجزائريين لا يُنظر إليه في موريتانيا بوصفه شأناً بعيداً، وأن روابط الأخوة بين الشعبين تظهر، قبل أي وقت آخر، حين تشتد الأزمات.
واختارت المبادرة التي حشدت منذ الإعلان عنها مئات الموقعين من أكاديميين وأطباء وقانونيين وإعلاميين وسياسيين ونقابيين ورجال أعمال وشباب ومواطنين عاديين، اختارت أن تجعل من حرائق الغابات التي ضربت الجزائر مناسبة لاستعادة البعد الشعبي في العلاقة بين البلدين، عبر منبر مفتوح لرسائل التضامن، وحملة رقمية، ورسالة ستُسلّم إلى السفير الجزائري في نواكشوط، وصولاً إلى التحضير لـ»قافلة الأخوة» الموريتانية الجزائرية.

التحول لفعل شعبي

وبينما تبدو المبادرة في ظاهرها استجابة شعبية لظرف إنساني طارئ، فإن حجم التفاعل معها يفتح الباب أمام قراءة أوسع لعلاقة ظل الخطاب الرسمي يصفها بالأخوية، بينما تسعى هذه المرة إلى اختبار قدرتها على التحول إلى فعل شعبي منظم، قد لا ينتهي بانتهاء المحنة التي أطلقته.
وأعلنت المبادرة الشعبية الموريتانية للتضامن مع الشعب الجزائري الشقيق رسمياً انطلاق أنشطتها التضامنية تحت شعار «أشقاء في المحنة»، في خطوة تسعى إلى التعبير عن عمق الروابط الأخوية التي تجمع الشعبين الموريتاني والجزائري، وذلك على خلفية ما خلفته حرائق الغابات في الجزائر من خسائر بشرية ومادية جسيمة.
وجاء الإعلان خلال يوم تضامني إعلامي مفتوح نظمته المبادرة، وشكل مناسبة لإطلاق برنامجها التضامني، وفتح نقاشاً حول العلاقات الموريتانية الجزائرية، إلى جانب إنشاء منبر مخصص لتسجيل رسائل التضامن والمحبة الموجهة من الموريتانيين إلى الشعب الجزائري.
ويأتي تحرك المبادرة، وفق القائمين عليها، باعتباره تعبيراً شعبياً عفوياً عن مشاعر التضامن مع الجزائر في ظرف استثنائي، واستحضاراً لما يعتبره المبادرون تاريخاً من المواقف المتبادلة بين الشعبين، خصوصاً في أوقات الأزمات والمحن.

الموريتاني يتألم لألم الجزائري

وفي كلمته الافتتاحية بمناسبة الإعلان الرسمي عن انطلاق الأنشطة، أكد منسق المبادرة، الكاتب والناشط في المجتمع المدني محمد الأمين الفاضل، أن الهدف الأساسي من التحرك يتمثل في إيصال رسالة واضحة إلى الشعب الجزائري مفادها أنه ليس وحيداً في مواجهة آثار الحرائق.
وقال ولد الفاضل إن الشعب الموريتاني «يتألم لألم الشعب الجزائري ويفرح لفرحه»، مضيفاً أن الجزائر، التي وقفت إلى جانب موريتانيا في مناسبات وأزمات مختلفة، لن تكون وحدها في هذه المحنة.
وشدد منسق المبادرة على أن العلاقة بين موريتانيا والجزائر تتجاوز، في نظر أصحاب المبادرة، الأطر الرسمية والسياسية، لتستند إلى روابط شعبية وأخوية راسخة. وأكد أن الشعبين سيظلان «أشقاء دائماً في أوقات الرخاء، وكذلك في أوقات المحن».
وأضاف أن المبادرة تريد من خلال أنشطتها أن تخلق فضاءً مفتوحاً يتيح لكل موريتاني التعبير عن تضامنه مع الشعب الجزائري، في ظل الظروف الصعبة التي خلفتها حرائق الغابات، مؤكداً أن الرسالة التي تسعى المبادرة إلى إيصالها تختصر في أن «الشعب الموريتاني في بلاد المليون شاعر» يقف إلى جانب «الشعب الجزائري في بلاد المليون شهيد».
وأشار ولد الفاضل إلى أن المبادرة، منذ الإعلان عن إطلاقها في 30 آب/ أغسطس، سجلت إقبالاً واسعاً على التوقيع على بيانها التأسيسي، معتبراً أن حجم المشاركة يعكس، حسب تعبيره، عمق المشاعر التي يكنها الموريتانيون للشعب الجزائري.
وأوضح أن قائمة الموقعين شملت شخصيات من قطاعات ومجالات مختلفة، من أساتذة جامعيين وأطباء وقانونيين وباحثين وإعلاميين وفاعلين في المجتمع المدني، إضافة إلى سياسيين ونقابيين ورجال أعمال وشباب ومواطنين عاديين.
ولفت منسق المبادرة إلى أن حجم الأسماء التي وصلت إلى القائمين عليها جعل عملية فرزها بالطرق التقليدية أمراً صعباً، ما دفعهم إلى الاستعانة بحلول تقنية وإطلاق منصة رقمية مخصصة لهذه المهمة.
ودعا جميع الذين سبق لهم التواصل مع المبادرة ولم تظهر أسماؤهم ضمن قائمة الموقعين إلى إعادة تسجيل بياناتهم عبر المنصة التي تم تصميمها، مشيراً إلى أن الهدف من ذلك هو ضمان توثيق جميع المشاركات وإتاحة المجال أمام الراغبين في الانضمام إلى المبادرة للتعبير عن موقفهم التضامني.

منبر مفتوح للتضامن

ولم تقتصر أنشطة المبادرة على الإعلان عن تأسيسها، بل شملت إطلاق منبر للتضامن يسمح للحاضرين بتسجيل رسائل موجهة إلى الشعب الجزائري بالصوت والصورة.
وتسعى المبادرة، من خلال هذا المنبر، إلى تحويل التضامن من مجرد بيانات مكتوبة إلى رسائل شخصية تحمل مشاعر المحبة والتآخي بين المواطنين في البلدين.
وقال منسق المبادرة إن هذه الرسائل ستصل إلى الشعب الجزائري، محملة، وفق تعبيره، بمشاعر «التضامن والأخوة والمحبة الصادقة» التي يكنها الموريتانيون لإخوانهم في الجزائر.
كما أعلنت المبادرة عن تنظيم حملة تدوينية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف توسيع نطاق النشاط التضامني وإشراك المدونين ونشطاء المنصات الرقمية في إيصال الرسالة الشعبية الموريتانية إلى الجزائر.
وتعكس هذه الخطوة توجهاً نحو الاستفادة من وسائل التواصل الحديثة لتوسيع دائرة المشاركة، وإتاحة المجال أمام فئات لا تستطيع حضور الفعاليات المباشرة للتعبير عن تضامنها.

رسالة لسفير الجزائر وقافلة أخوة

ومن بين الخطوات العملية التي أعلنت عنها المبادرة، تسليم رسالة تضامنية إلى السفير الجزائري في موريتانيا، تتضمن تعبيراً عن وقوف الشعب الموريتاني إلى جانب الشعب الجزائري في مواجهة تداعيات الحرائق.
وأوضح ولد الفاضل أن المبادرة ستنتقل، بعد هذه الخطوة، إلى مرحلة الإعداد لما وصفها بالخطوة الأهم، وهي إطلاق «قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية». ومن المنتظر أن تشكل القافلة، حسب تصور المبادرة، امتداداً ميدانياً للرسالة التضامنية، وتحولاً من التعبير الرمزي عن المساندة إلى حضور شعبي مباشر يجسد الروابط التي تجمع البلدين.
وتحمل فكرة القافلة دلالة تتجاوز الظرف الراهن، إذ تسعى إلى التأكيد على أن العلاقات بين موريتانيا والجزائر يمكن أن تستند إلى مبادرات شعبية ومجتمعية موازية للعلاقات الرسمية بين البلدين.

تحويل المبادرة لإطار دائم

وفي ختام كلمته، كشف منسق المبادرة عن تلقي القائمين عليها مقترحات من مشاركين ومتابعين تدعو إلى عدم إنهاء نشاطها بانتهاء الظرف الذي أطلقت من أجله.
وأوضح أن المبادرة تأسست في الأصل باعتبارها إطاراً مؤقتاً لمهمة محددة تتمثل في التضامن مع الشعب الجزائري جراء حرائق الغابات والخسائر التي خلفتها، لكنه أشار إلى أن عدداً من المتفاعلين اقترحوا تحويلها إلى إطار دائم لتعزيز العلاقات الشعبية بين موريتانيا والجزائر.
وأكد ولد الفاضل أن هذه المطالب ستؤخذ على محمل الجد بعد العودة من قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية، بما يفتح الباب أمام تحول المبادرة من حملة تضامنية مرتبطة بحدث طارئ إلى منصة مدنية مستمرة لتعزيز التقارب الشعبي بين البلدين.

حضور سياسي وأكاديمي ومدني

وشهد اليوم التضامني المفتوح مشاركة ومداخلات لشخصيات سياسية وبرلمانية وأكاديمية ومدنية، فضلاً عن حضور رجال أعمال وفاعلين من مجالات مختلفة.
ويعكس هذا التنوع في المشاركين طبيعة المبادرة التي تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها تحركاً شعبياً واسعاً، لا يقتصر على تيار سياسي أو قطاع مهني بعينه.
وتراهن المبادرة على هذا التنوع في بناء مساحة مشتركة تجمع مختلف الفئات حول فكرة التضامن مع الشعب الجزائري، بعيداً عن الاختلافات السياسية والفكرية والمهنية.

علاقات تتجاوز الحسابات الرسمية

وتحمل المبادرة في جوهرها رسالة يؤكد مؤسسوها من خلالها أنها تستمد قوتها من الروابط الشعبية والثقافية والتاريخية، فضلاً عن العلاقات الرسمية القائمة بين البلدين.
ومن خلال شعار «أشقاء في المحنة»، تسعى المبادرة إلى إبراز مفهوم التضامن المتبادل باعتباره أحد مكونات العلاقة بين الشعبين، والتذكير بالمواقف التي يعتبرها الموريتانيون تعبيراً عن وقوف الجزائر إلى جانبهم في فترات مختلفة.
وبذلك تدخل المبادرة الشعبية الموريتانية للتضامن مع الشعب الجزائري مرحلة جديدة من نشاطها، واضعة أمامها سلسلة من المحطات، تبدأ بتوسيع قاعدة المشاركين وتوثيق رسائل التضامن، مروراً بتسليم الرسالة إلى السفير الجزائري، وصولاً إلى التحضير لقافلة الأخوة. وبالنسبة لمنظمي المبادرة، فإن الهدف لا يقتصر على التعبير عن التعاطف مع الجزائر في مواجهة آثار حرائق الغابات، وإنما يتمثل أيضاً في تحويل لحظة التضامن هذه إلى مناسبة لتجديد التأكيد على عمق العلاقة بين الشعبين، وربما تأسيس مسار شعبي مستدام يسهم في تعزيز جسور التواصل والتآخي بين موريتانيا والجزائر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *