من الزعم الكولونيالي إلى فضح المؤامرة


مما يحسب للكاتب الفرنسي أندريه جيد الفائز بجائزة نوبل للآداب عام 1947، فضحه للسياسة الكولونيالية لبلده، رغم تكوينه الباستورالي المحافظ والمتشبع بالمبادئ الأوروبية المهيمنة والمتعالية والمعادية لغير المسيحيين. حدث هذا الانقلاب الملحوظ في المواقف بعد تعلق الكاتب بالاستشراق وسفره للقارة الافريقية عدة مرات. تحولت مهمته الإثنوغرافية الاجتماعية والتبشيرية في افريقيا جنوب الصحراء رفقة عدد من المهتمين والمستكشفين – منهم السينمائي الصاعد آنذاك مارك أليفري- في عام 1925، ‏من مجرد آراء شخصية واِنطباعات معارضة إلى معطيات وثائقية تحمل أرقاما وشهادات على التجاوزات والانتهاكات؛ كان أكبرها بلا منازع امتيازات الشركات الخاصة في استغلال المطاط والخشب والمعادن والعاج في الكونغو الوسطى وأوبنغي شاري (افريقيا الوسطى حاليا) والعمل القسري المفروض في مشروع بناء سكك الحديد «الكونغو المحيط» وما خلفه من ضحايا ومآسٍ، وكان أقلها نظام حمل الفرنسيين من الإدارة الاستعمارية والمستكشفين على أكتاف السكان المحليين فوق نقالة «التيبو» التي تشبه السرير ومن خلفه قافلة الدواب والأفراد محملة بالكتب والمؤونة والعتاد والسلاح، وهي نشاطات تتطلب مجهود عشرات المجندين المحليين بمن فيهم الأطفال لمسافات طويلة تشق الصحارى القاحلة وتقطع الجداول الضحلة وتمر عبر الأدغال المتشعبة في تشاد والسنغال وافريقيا جنوب الصحراء والكونغو والكاميرون وصولا للمحيط الأطلسي.
من خلال هذه الرحلة المموّلة بموارد افريقية أمنتها الإدارة الاستعمارية، تمكن أندريه جيد من معاينة حقيقة المجتمعات القبلية في افريقيا، وذلك بالاطلاع على نمط العيش والخصوصيات القبلية والثقافية، خاصة استنتاج عوامل الاضطهاد والتسلط المسلطة على غالبية السكان الافارقة، عبرالتحقيق والملاحظة بأدوات الباحث الميداني وعبر السرد بتفاصيل الكاتب والفنان الإنساني.

ظهر ولع جِيد بالحياة الافريقية وتعاطفه مع ساكنيها في عصر استعماري قلّ فيه اعتبار الفئات الضعيفة، واتّجهت فيه كل الجهود لمزيد السلب والهيمنة والإخضاع. وهي سياسة عنصرية متبعة عادة في المستعمرات التي هيمنت عليها الإمبراطوريات الأوروبية القديمة، منذ بداية الاكتشافات الكبرى (الممولة أصلا بثروات أندلسية مورية منذ القرن 15)، بالخصوص مع التجارة الثلاثية التي ربطت افريقيا (الرقيق) بأوروبا (الأسلحة، الكحول، المنسوج) وأمريكا (السكر، التبغ، القطن). وهو نشاط استعماري يعود فيه السبق لكلّ من إسبانيا والبرتغال وهولندا، حتى وصول الاستعمار الجديد من القرن الثامن عشر إلى حدود الشطر الثاني من القرن العشرين، الذي اقتسمت فيه كل من بريطانيا وفرنسا العالم تقريبا، دون اعتبارالجيوب الاستعمارية الضئيلة التابعة لإيطاليا وألمانيا وبلجيكا.
ورد هذا الاعتراف المبني على رحلات استكشافية ميدانية لعدد من دول جنوب الصحراء ووسط افريقيا (الكونغو، الكاميرون) في زمن تزايد فيه النفوذ الإمبريالي المباشر وتعددت تقسيمات الإدارة الاستعمارية من مجموعة افريقيا الاستوائية الفرنسية إلى مجموعة افريقيا الغربية الفرنسية، ثم الجزائر الفرنسية التي كانت مقسمة بدورها إلى ثلاثة أقاليم كبرى (قسنطينة، الجزائر العاصمة، وهران)، ناهيك من نظام الحماية في تونس والمغرب.

مثلت شخصية جِيد الحساسة باعتباره إنسانا وفنانا قبل كل شيء العنصرالرئيس الذي غذّى قناعاته بضرورة التخلي عن الممارسات الاستعمارية، كما ساهم تعاطفه الملحوظ والمحدود مع الموجة الاشتراكية واهتمامه بالسريالية التي مثلت أبرز رواد الطليعة في تنوير مسيرته وانفتاحه على حقائق كانت تعد لوقت قريب من عصره مخفية على العامة وعلى المثقفين على حد السواء. كان للإضافات الأنثروبولوجية المتميزة والمذكرات التي نقلت تفاصيله اليومية في مؤلَّفيْه «رحلة إلى الكونغو» ( 1927) و»عائد من تشاد»(1928) دور مهم في كشف الممارسات الإستعمارية البغيضة المُهينة والعادات الشخصية المرضية (تعلقه الجنسي بالصبيان من المرافقين والحمالين في رحلاته والأطفال الذين التقاهم خلال تجاربه وأبحاثه الإثنوغرافية وعاش بين عائلاتهم البسيطة لأيام متتالية داخل التجمعات والقرى الافريقية.
بهذه المعطيات بيّن جيد توجهين: أولهما مثلي، أعلنه باكرا في السيرة الذاتية «إن لم تمت الحبّة»، لكن ما لم يكن معلنا، هو معاشرة عدد من الأطفال في بعثته الغرائبية المشروعة فرنسيا واستعماريا، أما ثانيهما فهو ذو طابع استكشافي ميداني، اتجه للبحث والتحقيق في الظروف المعيشية للمستعمرات، من دون الوصول إلى التنديد بالسياسة الكولونيالية المهيمنة على الفرد والبلاد على حد السواء. من جهة أخرى عكس تعدد اهتماماته؛ من الإثنوغرافيا والسوسيولوجيا إلى الأدب والفن، فالطبيعة، ثراء وتنوع في تقديماته التي جمع فيها بين كتابة المقال واليوميات والرواية والرحلة والتصويروالملاحظة والشواهد، كما اهتمّ بتوثيق الثقافة الافريقية من خلال رحلاته، من دون حمل قبعة العالم الإثنوغرافي المختص بالسلوكيات والمظاهر القبلية. بعد ذلك قام بنشر يومياته في وقت شهدت فيه الإمبراطوريات الاِستعماريّة الفرنسية الحديثة أوجها، فتزايد نهمها في البحث عن مستعمرات جديدة داخل افريقيا حتى باتت في أزهى الفترات الاستعمارية تحتل سبعين في المئة من أراضيها.

كاتب تونسي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *