المتنمرون ضد القانون الدولي والمؤسسات الدولية سيظلون وحيدين في النهاية


الأمم المتحدة- «القدس العربي»: أكدت أنالينا بيربوك في مؤتمرها الصحافي الأخير بصفتها رئيسة الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، الخميس، أن ما تتعرض له المؤسسات الدولية من هجمات لا يقتصر على المؤسسة الأممية ككل، بل يشمل أجزاءً من منظومة العمل الدولي، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية.

جاء ذلك ردّا على سؤال «القدس العربي» حول الهجمات المتزايدة التي تطال منظومة الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المرتبطة بها، من الأمم المتحدة ووكالاتها، مثل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومنظومة حقوق الإنسان، وصولاً إلى مسؤولين أمميين تعرّضوا بدورهم لانتقادات وهجمات، فضلاً عن حالات منع بعض الوفود من الوصول إلى مقر المنظمة الدولية.

وسألت «القدس العربي» بيربوك، في ضوء هذه التطورات، عما إذا كانت ترى أن على ألمانيا والدول المؤمنة بالتعددية أن تتحرك بصورة أكبر لحماية الأمم المتحدة، ليس فقط باعتبارها مؤسسة شفافة في خدمة البشرية، وإنما أيضاً من الهجمات التي وُصفت بأنها غير عادلة.

وقالت بيربوك إن السؤال يمسها بصورة شخصية، مستعيدة نقاشاً سابقاً أجرته مع «القدس العربي»، ومتسائلة: «كم من الضربات يمكن لهذا البيت أن يتحمل؟».

وفي ردّها، نقلت بيربوك النقاش من مسألة الهجمات ذاتها إلى مسؤولية الدول التي تؤمن بالنظام متعدد الأطراف. وقالت إن الأمم المتحدة، وكذلك القانون الدولي والعدالة، «لا يمكن أن تكون أقوى من أقوى المدافعين عنها»، مؤكدة أن الهجمات على هذه المؤسسات ليست ظاهرة جديدة، وأن المسألة الأساسية هي ما إذا كان أولئك الذين يؤمنون بالتعددية سيدافعون عنها عندما تتعرّض للضغط.

وقالت إن الدول التي ترى في القانون الدولي «بوليصة تأمين لها» يجب أن تكون مستعدة «للوقوف والتحدث»، مشيرة إلى أنها لم تكن تتحدث فقط عن تقديم توصيات للحكومات، بل عن تجربتها الشخصية خلال عام من رئاسة الجمعية العامة، حيث قالت إنها شعرت بما وصفته بـ«الرياح المعاكسة» طوال العام.

وضربت بيربوك مثالاً بالمحكمة الجنائية الدولية، مشيرة إلى أنها توجهت إلى المحكمة في لاهاي بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى الثمانين لإنشاء محكمة العدل الدولية، للتأكيد على أن المحكمة الجنائية الدولية جزء من المنظومة الدولية التي ينبغي الدفاع عنها. وقالت إن عدم انضمام عدد كبير من الأشخاص إلى هذه المبادرة لا يلغي أهمية «الأشياء البسيطة والصغيرة»، مثل إظهار الدعم والقول للمؤسسة: «نحن نقف إلى جانبكم».

وحذّرت في هذا السياق من إعادة كتابة تاريخ إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، موضحة أنها لم تُبنَ أصلاً على أساس توافق جميع الدول، وأن عدداً من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن ليست أطرافاً فيها. واستعادت أيضاً النقاشات التي جرت عندما كانت وزيرة لخارجية ألمانيا بشأن تعزيز المساءلة عن جريمة العدوان، مشيرة إلى أن بعض الدول الأوروبية لم تكن متفقة على جميع المسائل المتعلقة بالمحكمة.

لكنها شددت على أن المحكمة تأسست في النهاية على يد غالبية من الدول الأعضاء التي آمنت بأن «من دون العدالة، لن يكون هناك سلام دائم». ومن هنا، قالت، تقع مسؤولية حماية هذه المؤسسة الآن على الدول التي أسهمت في بنائها، خصوصاً في ظل الضغوط التي يتعرّض لها المدعي العام ورئيس المحكمة.

كما ربطت بيربوك ذلك بدور الإعلام، قائلة إن غياب التغطية الإعلامية لهذه القضايا يمكن أن يزيد من هشاشة المؤسسات الدولية، لأن عدم القدرة على حماية الأشخاص الذين يعملون داخل هذه المنظومة ينعكس على قدرة المؤسسة نفسها على أداء وظيفتها.

أكدت رئيسة الجمعية العامة على اتخاذها “موقفًا واضحًا” من ضرورة دعم وكالة «الأونروا»، مشيرة إلى أن قرارات أممية عديدة تناولت دورها. وأوضحت أنها دعت الدول الأعضاء ليس فقط إلى التأكيد على حماية مقار الأمم المتحدة، وإنما أيضاً إلى تمويل الأونروا، لأن عدم القيام بذلك ينعكس على قدرتها على تقديم خدماتها في قطاع غزة والدول المجاورة، ومن بينها سوريا ولبنان.

واختتمت بيربوك هذا الجزء من حديثها بدعوة الدول التي تعتبر القانون الدولي أساساً لحمايتها إلى الدفاع عنه في هذه المرحلة، قائلة إن «الشيء الجيد في الشجاعة هو أن الشجاعة معدية»؛ فإذا بادر طرف إلى الوقوف والدفاع عن هذه المبادئ، فإن آخرين قد ينضمون إليه. وأضافت أن تجربتها خلال الدورة الثمانين أظهرت لها أن تشكيل تحالفات عابرة للأقاليم داخل الجمعية العامة يمكن أن يدفع الأمور إلى الأمام، حتى في ظل الانقسامات الدولية، معتبرة أن «المتنمرين في العالم يكونون في النهاية وحيدين جداً».

وجاء هذا الطرح الذي قدّمته بيربوك رداً على سؤال «القدس العربي» يتقاطع بصورة مباشرة مع الرسالة التي حملتها في كلمتها الافتتاحية أمام الصحافيين، حين قدمت حصيلة عامها في رئاسة الجمعية العامة تحت شعار «معاً نحو الأفضل». وقالت إن ما يبدو داخل الأمم المتحدة أحياناً كقضايا تقنية أو إجرائية — من الإصلاحات والقرارات والمفاوضات — يمكن أن تكون له آثار مباشرة على حياة الناس، لأن ما يجري داخل المنظمة قد يعني الفرق بين استمرار حرب أو التوصل إلى حلّ سلمي، وبين وصول المساعدات الإنسانية إلى أشخاص يواجهون المجاعة أو تركهم للجوع، وبين احتواء أزمة صحية عالمية أو السماح لها بالانتشار.

وأكدت أن الصحافيين الذين ينقلون عمل الأمم المتحدة إلى الجمهور حول العالم يؤدون دوراً أساسياً في إبقاء المنظمة خاضعة للمساءلة، مشيرة إلى أنها تلقت خلال عامها في المنصب أسئلة كثيرة من داخل ألمانيا وخارجها حول ما إذا كانت هذه «الدار الدبلوماسية» لا تزال قادرة على أداء وظيفتها في عالم شديد الانقسام.

وبينما تستعد لتسليم رئاسة الجمعية العامة يوم الثلاثاء القادم لخليفتها خليل الرحمن من بنغلاديش، قالت بيربوك إنها حاولت أن تترك الأمم المتحدة «أقوى مما وجدتها»، وأن تضمن استمرار قدرتها على خدمة الناس وحماية ميثاقها. وفي رسالتها الأوسع، بدت إجابة سؤال «القدس العربي» امتداداً مباشراً لهذه الخلاصة: بالنسبة إلى بيربوك، مستقبل النظام متعدد الأطراف لا يتوقف فقط على قوة مؤسساته، بل على استعداد الدول التي تؤمن بها للدفاع عنها عندما تتعرّض لأقسى الضغوط.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *