يهوشع براينر
لم يشهد على ما حدث في الزنزانة رقم 6 في القسم 24 في سجن كتسيعوت [النقب] في تشرين الثاني 2023 إلا الدماء التي سفكت. وقد ساد الصمت المعتاد في السجن بين المتورطين في تلك الليلة. ولكن محادثات “الواتساب” التي جرت في الوقت الفعلي بين حراس السجن، والتي ضبطها المحققون كشفت جزءاً من ذلك الرعب. كتبت سجانة لزوجها السجان: “ستكون فخوراً بي، في نوبتي. بعد أن استغرق العد ساعتين و23 دقيقة، استنتج من ذلك ما تشاء”. وأضافت: “في هذه اللحظة يتم إجراء إنعاش في العيادة، يا أمي! بعون الله، سيموت”.
وقالت سجانة أخرى بحماسة: “يا أمي، يا له من عد، لقد جعلناهم يرون الويل”. وكتبت ثالثة لصديقة لها: “يا له من عد، لم أشاهد مثله من قبل. لقد ألقينا عليهم الجبنة وكسرنا عليهم البيض. كم من دماء موجودة في الأقسام. إنهم الآن يجرون الإنعاش للسجين الذي تعرض للضرب. لقد مات. أسمع، من المثير للسخرية كيف حدث كل شيء في لحظة، بوم، عد. بوم، سجين ميت”.
السجين ثائر أبو عصب، العضو في حركة فتح المحكوم عليه 25 سنة بتهمة شن هجمات ضد إسرائيل. أعلن عن موته في مستشفى “سوروكا” حيث نقل إليه في ذلك المساء. وحسب لائحة الاتهام، فإن سبب وفاته هو العنف الشديد الذي تعرض له، والذي تسبب بإصابته بنوبة قلبية.
في الأسبوع الماضي، بعد مرور ثلاث سنوات تقريباً على وفاته، وجهت النيابة العامة لائحة اتهام غير مألوفة ضد 12 سجاناً. يزعم أنهم ضربوا أبو عصب و8 سجناء فلسطينيين آخرين كانوا في الزنزانة انتقاماً على قتل جنود دروز في الحرب. وتبين بعد ذلك أن نبأ قتل الجنود لم يكن إلا شائعة.
منذ 7 أكتوبر، وجهت اتهامات خطيرة لمصلحة السجون بارتكاب العنف وسوء معاملة السجناء الفلسطينيين. ولكن صعوبة تقديم السجناء للشكاوى، وخاصة الصمت والتستر المتعمد من قبل السجانين، يصعّب على سلطات التحقيق محاكمتهم. ولكن في هذه المرة، كشفت مراسلات السجانين، إلى جانب شهادات في التحقيقات واتهامات متبادلة أدلة حاسمة، حطمت ستار الصمت.
أدت مواد التحقيق التي يجري الكشف عنها الآن إلى لائحة اتهام غير مألوفة، لا تلقي نظرة نادرة على أعمال العنف الشديدة التي يمارسها السجانون ضد السجناء الفلسطينيين فقط، بل تقدم أيضاً أدلة على التغاضي والتستر، ناهيك عن التواطؤ، من قبل مسؤولين كبار. وجاء في شهادة واحدة على الأقل تورط قائد السجن المقدم يوسف نيبس في الأحداث، ولكنه نفى ذلك.
كان ذنب أبو عصب الوحيد هو التجرؤ على سؤال أحد السجانين إذا كان هناك وقف لإطلاق النار بين إسرائيل والفلسطينيين. أبلغ السجان قائده، الضابط في جهاز الاستخبارات والمتهم الرئيسي في القضية الذي سيشار إليه بـ “القائد” (صدر أمر منع نشر لأسماء كل المتهمين)، فقرر القائد أن يظهر للسجين ورفاقه في الزنزانة أن الجواب “لا”.
سأل ثائر السجان عن وقف إطلاق النار. فأجابه: “من الأفضل ألا تسأل”، قال أحد السجناء للمحققين. “انتظرنا العد. في “العد” [إجراء للتحقق من عدد الأسرى]، نجلس على الركب وأيدينا فوق رؤوسنا ووجوهنا إلى الأسفل. وصل 15 سجاناً و15 من قوة “كيتر” (قوة السيطرة في مصلحة السجون)، نادوا اسم ثائر، ودخلت قوة “كيتر” إلى الزنزانة، ضربونا بالعصي لخمس دقائق، وقالوا لنا في الغرفة: لا يوجد وقف لإطلاق النار. بعد ذلك، أطلقوا علينا كلباً وبدأوا بشتمنا وقالوا: هدنة، أنتم تريدون هدنة”. ثم خرجوا. كنا متعبين ومستلقين على الأرض. لم ينهض ثائر، كان فاقد الوعي، فقد حصل على أكبر قدر من الضرب، كان ينزف ولون وجهه أزرق، ويداه ملطخة بالدماء”.
قال سجين آخر: “لم أكن أعرف شيئاً عن “كيتر” ومن الضابط ومن السجان”. بعد ذلك، قال سجين آخر: “من سأل عن وقف إطلاق النار، هل تريد وقف إطلاق نار؟ عندها عرفت أن هذا يتعلق بثائر بسبب سؤاله في الظهيرة. كل ما سمعته كان صراخاً وضرباً، الجميع ضُربوا، وثائر أكثرهم تعرضاً للضرب، ضربوه على رأسه وكان وجهه أزرق وفاقداً للوعي”.
حسب السجانة ديانا ترويتسكي، في إحاطة قبل “العد المسائي” قال لهم القائد إنه عرف بسقوط اثنين من أصدقائه في غزة، وأنه “محطم”. وقالت في التحقيق معها: “عرفنا أن علينا ضربهم ليفهموا أن لا وقف لإطلاق النار. قال القائد إن كل ما سيحدث في هذه الليلة سيتحمل المسؤولية عنه، وإنه هناك موافقة من قائد النوبة وقائد السجن، وإن الجميع يعرفون ما سيحدث، وإنه لا يجب أن نخاف وأن علينا تنفيذ ما يقوله. قال الضابط: إذا كنت تربيت في البيت على شيء ما فهو العنف ضد هؤلاء الأوغاد، هذه هي القيم التي تلقيتها وسألتزم بها حتى النهاية. لا يهمني أن أقدم استقالتي. وقال أيضاً بأنه أبلغ قائد السجن بأنه سيدخل إلى الغرف التي اختارها، وأنه منح حرية التصرف الكاملة”.
وأضافت ترويتسكي إن “القائد لم يحدد ما يجب فعله، بل طلب عدم استخدام الهراوات”. وقالت: “السجناء فقدوا أعصابهم وانهالوا على السجناء ركلاً وضرباً، وكل السجانين ومقاتلي “كيتر” الموجودين في الزنزانة شاركوا في الهجوم. وشاهد القائد أن السجانين استلوا الهراوات، ولكنه بقي مكتوف الأيدي. بعد لحظة، صرخ: توقفوا. ولكن بعد تقديره أن ضربهم وصل حد الاكتفاء”.
يتمتع أعضاء وحدة “كيتر” بعدم كشف هويتهم. ويعود الفضل في ذلك جزئياً إلى الخوذات السود التي يرتدونها، ما يصعب التعرف عليهم أمام كاميرات المراقبة. تم التحقيق مع أكثر من عشرين سجاناً في القضية، ولم يبلغ أي منهم عن أي شيء غير طبيعي في حينه، رغم أن ملف التحقيق مليء بصور السجناء في زنزانة أبو عصب، وتظهر عليهم علامات الضرب والكدمات. في يوم الحادثة، سئل الممرض في مصلحة السجون كفير لافي: هل شاهدت أي علامات عنف مشبوهة؟ فأجاب باقتضاب: لا.
أحد السجناء قال في التحقيق معه: “لم يكن هناك شيء غير عادي. لا أعتقد أن أياً منا استخدم القوة أو الهراوات. أنا شخصياً لم أشاهد شيئاً”. وفي رسالة إلى صديق له، كتب: “سيصدر بيان صحفي تلقائي حول موت سجين، مات عند مدخلنا. كانت هناك انفجارات، لكن هذا ليس موضوعاً للواتساب الآن”.
بسبب عدم إمكانية إثبات من هو السجان الذي ضرب أبو عصب ضرباً أدى إلى وفاته، فقد تقرر محاكمة السجانين الـ 12 الذين دخلوا إلى زنزانته بتهمة التسبب بالوفاة بالإهمال، وهذه تهمة بسيطة نسبياً. وتم التحقيق مع السجانين الذين كانوا يقفون على مدخل الزنزانة ووجه لهم إنذار. ولكن لم يتم توجيه أي لوائح اتهام إليهم.
بعض المتهمين كذب أثناء التحقيق، بالادعاء أحياناً أنها عملية “سيطرة” روتينية. وأحد السجانين في وحدة “كيتر”، الذين وجه إليهم الاتهام بعد ذلك، قال: “لم يكن هناك شيء غير عادي. لا أعتقد أن أياً منا استخدم القوة، لأننا كنا نسيطر على الوضع ونخرج”. وواصل المحقق التحقيق: “في حين كان السجانون يضربون السجناء، سُمعت صرخات مثل من قال هدنة؟ لا توجد هدنة، يا بن الزانية. ما ردك؟”. صمم السجان على القول: “لا أعرف”. وأضاف “هراوات؟، أنا شخصياً لم أشاهد”. ولكن رسالة “واتساب” تم اعتراضها أظهرت رسالة مختلفة: “سيتم إرسال بيان صحفي تلقائي حول موت سجين مات عند مدخلنا”.
وأكدت السجانة أوشريت أليغا، التي نسبت استخدام الهراوات لقوة “كيتر”، وقالت في التحقيق معها: “لقد بالغ كل السجانون في استخدام القوة، وأعضاء “كيتر” هم الذين استخدموا الهراوات. التعليمات كانت الضرب، ولكن ليس بالهراوات. وقال القائد: يا رفاق، ادخلوا إلى الزنزانة رقم 6 وستدخل إلى هناك قوة “كيتر”. كلمة ستدخل تعني بأنهم سيقومون بالضرب”.
شاركت أليغا قبل سنتين كمقدمة لإعلان توظيف في مصلحة السجون، قالت فيه: “إذا كنتم تبحثون عن وظيفة مثيرة ومختلفة مليئة بالحركة والإثارة، مع إمكانية التقدم في الوظيفة، تعالوا”. “أحب أيضاً الأدرينالين والحركة والشعور بأنني أنجزت شيئاً له قيمة”، هكذا وصفت نفسها أثناء التقاط صور لها وهي تتدرب على الملاكمة.
إلى جانب تفاصيل وفاة أبو عصب، كشفت التحقيقات نمط العنف الذي تعرفه القيادة العليا. “كان الأمر عادياً. لذلك، لم نبلغ أي أحد عن الحادثة”، وصف سجان في وحدة “كيتر” ما حدث في الزنزانة رقم 6. “كانت سياسة القادة الكبار أن هذا الأمر مقبول عليهم”.
في البداية، نفى القائد الأحداث. صرخ على المحقق: “ربما السجناء فعلوا ذلك لأنفسهم”. وبعد ذلك، عرضت عليه أدلة دامغة، وحدثت مواجهات مع السجانين. وعندما عرضت عليه الأدلة الدامغة، قال القائد: “لقد قلت ما عندي”.
لقد أثارت المراسلات بين السجانة أوشريت أليغا وزوجها السجان تامر ترودي، من قسم السجناء الأمنيين في سجن الدامون، حيرة القائد أيضاً. حيث كتبت لزوجها رسالة نصية بعد وفاة أبو عصب بفترة قصيرة، قالت فيها: “لقد مات الآن. أنا مسرورة جداً ومرتاحة، لكن الوضع في حالة فوضى الآن. كان هناك الكثير من الدماء، وقد كسروهم”. ثم أوضحت: “كل شيء سيكون على ما يرام. أنا مسرورة من حدوث ذلك ومستعدة للمخاطرة بمسيرتي المهنية من أجله. أنا راضية عن ذلك، وجميعنا. كان القائد يعرف أن هذا سيحدث. وقال لنا عن ذلك في الإحاطة. وطلب من أي شخص يشعر بالعجز أن يتحدث عن ذلك، لأنه كان يريد وبحق كسر إرادتهم. أنا بخير حقاً، لكنكم تعرفون ما معنى التحقيق والفوضى”.
مع تقدم التحقيقات، بدأ القائد يتحدث عن سلوك جهاز الاستخبارات تجاه السجناء الأمنيين، وحتى إنه زج باسم قائد السجن العميد في الشرطة، كنيفس. وقال إن القيادة العليا بارعة في إصدار تقارير عن الأمور الجيدة وإظهار الإنجازات. لقد فعلنا شيئاً جيداً، ولا أحد يعرف عن الأمور السيئة. منذ وصولي إلى هناك، وجدت نفسي متورطاً في هذا الوضع وهذه الثقافة. هل تعرف كم مرة اقتحموا الزنازين عندما كنت المسؤول عن النوبة ولم يخبروني؟ قالوا لي بأنه لا حاجة لأعرف ذلك.
المحقق: من؟
القائد: الجميع، بدءاً من قائد السجن الذي يبدل زيه الرسمي بزي وحدة “كيتر” (كما قلت خوذة تغطي الوجه).
المحقق: ومن غير قائد السجن؟
القائد: لا أعرف شيئاً عن هويتهم، كل الرتب، مسؤولون كبار.
المحقق: إذاً، كنت تعرف أن هذا خطأ، ومع ذلك تتصرف مثلهم؟
القائد: لا أتصرف مثلهم، هذا لب الموضوع. لا أغير ملابسي ولا أتخفى بشخصية أخرى كي لا يعرفوني، ولست الذي يغلق الكاميرات قبل دخول أي عملية أو مهمة. ولكن بالنسبة لسؤالك، لا أعرف هؤلاء الأشخاص، ولكني لست غبياً. أعرف ما هي غرفة الاتصالات (غرفة التحكم بالكاميرات)، وبعد عشر دقائق دخلت قوة. ماذا تفعل في غرفة الاتصالات؟
المحقق: أقوالك هذه خطيرة جداً.
القائد: ما يحدث هناك فوضى كبيرة. ربما تعودوا على هذا الأسلوب، لا سيما قوة “كيتر”، لأنها هي التي تسيطر دائماً. لكن الأمر عندي ليس هكذا.
المحقق: لكن الأمر كان هكذا.
القائد: لم أر الأمر هكذا.
بسبب خطورة الأمر، استدعى المحققون قائد السجن كنيفس، الذي قال في شهادته إن القائد يختلق الأعذار ولا يشارك في الاجتماعات، وإن أوامر صدرت منذ بداية الحرب بتوخي الحذر الشديد في التقارير. وقال كنيفس عن القائد بأنه “ضابط جديد بشكل عام، وقد وصل محملاً بالقيم. كل شيء يسير حسب الإجراءات، ولا توجد فوضى. الوضع الذي يصفه بعيد جداً عن الواقع. كانت هناك حالات ارتديت فيها زي قوة “كيتر” في بداية الحرب. ولا أتذكر أنني ارتديته ودخلت وأنا أرتديه إلى الزنازين، هذه الأمور بعيدة جداً عن الواقع، وهي من خياله. الجهاز لن يغفر لأي شخص يرتكب خطأ.
إن عدم التسامح الذي تم الحديث عنه لا يتناسب مع الواقع الذي تعكسه تقارير السجانين والتحقيقات معهم. مثلاً، قال رقيب المناوبة في شهادته في التحقيق معه بأنه بعد فترة قصيرة من الحادثة، التفت إلى صديقه الذي كان قلقاً مما سيحدث. وبحسبه، فإن صديقه طمأنه، وهو ضابط في سجن عوفر، وقال له: “مات أربعة سجناء خلال الحرب، لا تقلق، لن يفعلوا شيئاً. ولكن علينا تشكيل لجنة تحقيق من أجل توثيق الأمر”.
وقالت إدارة مصلحة السجون: “هذه حادثة وقعت خلال فترة ولاية المفوض السابق. ورغم ذلك، بالتماشي مع قيم المصلحة. قرر المفوض في بداية ولايته إنهاء خدمة بعض المتورطين في هذه القضية. ووجه رسالة واضحة لا لبس فيها، تفيد بأنه لا يوجد ولن يكون أي تسامح مع أي انحراف عن القانون والانضباط المؤسسي”.
هآرتس 7/9/2026