لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا لميريف سونجين، محللة إسرائيل بمجموعة الأزمات الدولية، قالت فيه إن العنف ليس ظاهرة مقتصرة على المستوطنين في الضفة، بل هي ظاهرة إسرائيلية عامة.
وأضافت أنه من بين جميع الجبهات التي تستعرض فيها إسرائيل قوتها، تعد الضفة الغربية المنطقة التي تستثمر فيها “الدولة اليهودية” بكثافة، وتفرض فيها أكبر قدر من السيطرة، وتواجه فيها أقل قدر من المعارضة الأمريكية.
وفيها يعيش نصف مليون مستوطن، إلى جانب نحو ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون تحت الاحتلال العسكري دون جنسية، ولم يقم الرئيس ترامب بأي إجراءات لوقف التوسع الاستيطاني الإسرائيلي أو منع الضم التدريجي أو الحد من الغارات العسكرية أو وقف هدم منازل الفلسطينيين أو هجمات المستوطنين، وكلها بلغت أرقاما قياسية في عهد حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
تعد الضفة الغربية الساحة الوحيدة التي تعمل فيها ميليشيات المستوطنين اليهود كقوة شبه عسكرية لتحقيق أهداف إسرائيل.
وأضافت أن الضفة الغربية تعتبر أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية والأيديولوجية لإسرائيل من أي حرب تخوضها، وهي المنطقة التي تمتلك فيها إسرائيل هدفا راسخا ومتماسكا واضحا: الاستحواذ على أكبر مساحة ممكنة لليهود بأقل عدد ممكن من الفلسطينيين. كما تعد الضفة الغربية الساحة الوحيدة التي تعمل فيها ميليشيات المستوطنين اليهود كقوة شبه عسكرية لتحقيق أهداف إسرائيل.
وأضافت أن هذه الميليشيات ليست كيانات مارقة، كما ادعى القادة الإسرائيليون، بل هي جماعات منظمة من المدنيين تتألف من مزيج من المستوطنين الإسرائيليين الذين أنشأوا بؤرا استيطانية جديدة في أنحاء الضفة الغربية، والمستوطنين الذين تم استدعاؤهم للخدمة الاحتياطية منذ هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، والذين يخدمون في وحدات الدفاع الإقليمية وفرق الاستجابة السريعة، وهي فرق طوارئ محلية متطوعة مكلفة بتقديم الاستجابة الأولية في مستوطناتهم.
وما عليك إلا أن تتخيل “دوريات مراقبة الأحياء”، إلا أنها في هذه الحالة تتم بأسلحة عسكرية متطورة واستخدام القوة المميتة. وخلص تقرير للأمم المتحدة في حزيران/يونيو إلى أن “الدعم المالي والعسكري” من السلطات الإسرائيلية “مكن هجمات المستوطنين”. وفي آب/أغسطس، بدأت إحدى هذه الميليشيات في ترهيب ثلاث عائلات فلسطينية في قرية قصرة ونصبت خيمة أمام منزلهم وقطعت عنهم الكهرباء والماء وقيدت حركتهم.
أحد المنازل مملوك للؤي أبو ريدة، وهو فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية من ولاية أوهايو. وعاد أبو ريدة إلى قصرة، ورفع العلم الأمريكي على سطح منزله. وكانت القوات الإسرائيلية قد أعلنت المنطقة “منطقة عسكرية مغلقة” وأزالت الخيام التي نصبها المستوطنون، لكنها لم تسمح للسكان الفلسطينيين بحرية التنقل، حيث استمر المستوطنون في التجول، في انتهاك للأمر، بينما حل الجيش الإسرائيلي محلهم فعليا في تطويق المنازل. وقال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، في بيان: “إن أفعال من نفذوا هذا العمل الإرهابي المروع، الذي يهدف إلى ترهيب هذه العائلة ومضايقتها، مقززة”. كما أدان نتنياهو والرئيس يتسحاق هرتزوغ هذه الهجمات. لكن ميليشيات المستوطنين التي ترهب قصرة وقرى أخرى في الضفة الغربية لم يكن بوسعها الاستمرار في العمل على هذا النحو دون غطاء من الدولة والجيش.
فهؤلاء ليسوا متطرفين أو مثيري شغب معزولين، كما زعم هاكابي ونتنياهو وقادة آخرون. ولا يقتصر الأمر على عنف المستوطنين فحسب.
ففي الضفة الغربية، يعيش الفلسطينيون في خوف دائم على حياتهم، وأبو ريدة ليس صاحب المنزل الوحيد المعرض للخطر. فبينما كان العلم الأمريكي يرفرف فوق منزله، وقع هجوم آخر من قبل مستوطنين على منزل فلسطيني آخر في قصرة في 29 آب/أغسطس. وصل مستوطنون إسرائيليون في شاحنات صغيرة بيضاء، ملثمون، ورشقوا الحجارة. ورغم بيان نتنياهو الذي أدان فيه العمل وأكد فيه أن السلطات ستتخذ إجراءات، لم يبلغ إلا عن اعتقال واحد فقط على صلة بهجمات قصرة، وعدد قليل من الاعتقالات على صلة بأعمال عنف أخرى يرتكبها المستوطنون في المنطقة. وقد لا تسفر هذه التحركات عن نتائج تذكر: فحتى عند إجراء الاعتقالات، لا يدان سوى 3% من المستوطنين.
وبمعنى آخر، ما حدث في قصرة هو سمة من سمات السياسة الإسرائيلية ولا جدال في هذا، حيث وسعت نطاق سيطرتها على الأراضي المحتلة وعمقتها على مدى السنوات الأربع الماضية. وقد تحقق ذلك من خلال تكثيف الخنق الاقتصادي وفرض قيود على حرية التنقل ونقل سلطات الحكم من الجيش إلى المدنيين، والأدهى من ذلك كله، تشجيع ميليشيات المستوطنين.
وقد كانت هذه الجماعات موجودة بالفعل عند تشكيل الحكومة الحالية في أواخر عام 2022. ولكن في السنوات الثلاث الماضية، منحت حرية واسعة في الترهيب والمضايقة وجعل الحياة الفلسطينية في الضفة الغربية لا تطاق. ومنذ عام 2023، نزح آلاف الفلسطينيين نتيجة لمزيج من هجمات المستوطنين والعمليات العسكرية والقيود المفروضة على الوصول والتنقل. في 2 أيلول/سبتمبر، هدمت القوات الإسرائيلية منازل ومنشآت في قرية خربة الطبان الفلسطينية جنوب الضفة الغربية، مما أدى إلى تشريد سكان القرية البالغ عددهم 70 نسمة.
سارع وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، إلى هدم منازل الفلسطينيين بينما سهّل بناء منازل المستوطنين، في حين قام وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، بتوزيع الأسلحة على الإسرائيليين عبر تخفيف شروط التراخيص
وزادت هجمات حماس في 2023 من وتيرة استخدام العنف عموما، وميليشيات المستوطنين بشكل خاص، في ظل حكومة يمينية متطرفة، تعد الأكثر تأييدا للمستوطنين في تاريخ إسرائيل. وفي ظل هذه الحكومة، سارع وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، إلى هدم منازل الفلسطينيين بينما سهّل بناء منازل المستوطنين، في حين قام وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، بتوزيع الأسلحة على الإسرائيليين عبر تخفيف شروط التراخيص، ما أضاف نحو 7,000 قطعة سلاح ناري إلى ما يملكه المستوطنون. وقد زاد هذا من طمس الخط الفاصل بين المدني والجندي ومكن المستوطنين المسلحين من التصرف بثقة مفرطة، سواء ارتدوا الزي العسكري أم لا، حيث يتصرف معظمهم دون أي هيكل قيادي وبشعور بالاستحقاق والإفلات من العقاب.
وترى أن عكس مسار الاستيطان هو السبيل الوحيد السليم سياسيا وأخلاقيا، إلا أنه أمر مستبعد، حتى لو سقطت حكومة نتنياهو في نهاية المطاف في تشرين الأول/أكتوبر.
وقالت إن المشهد السياسي الإسرائيلي يشهد بروز معسكرين رئيسين: معسكر الضم ومعسكر السيطرة. ويمثل معسكر الضم بشكل أساسي سياسيو اليمين المتطرف في ائتلاف نتنياهو، الذين سعوا جاهدين لسحق أي أمل في قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ويفضل معظمهم ضم الضفة الغربية بأكملها رسميا إلى إسرائيل، بينما يسعى المعتدلون بينهم، بمن فيهم بعض سياسيي المعارضة، إلى ضم رسمي، أو على الأقل فعلي، لما عرف بموجب اتفاقيات أوسلو بالمنطقة (ج) – وهي نسبة الـ 60% من الضفة الغربية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، حيث تتركز المستوطنات الإسرائيلية.
أما معسكر السيطرة، فيضم العديد من قادة المؤسسة الدفاعية وقادة الوسط. ويأمل هذا المعسكر في الحفاظ على السيطرة العسكرية الإسرائيلية على الفلسطينيين، والإبقاء على العديد من المستوطنات دون إنشاء مستوطنات جديدة استفزازية وتقليل الاحتكاك مع الفلسطينيين، وذلك أساسا عن طريق كبح جماح عنف المستوطنين، وهو شكل من أشكال الاحتلال الهادئ.
ومن المرجح تجنب بؤر التوتر، مثل الموافقة الأخيرة على بناء مشروع في منطقة تُعرف باسم إي1 شرق القدس، وهو مشروع مثير للانقسام من شأنه أن يزيد من تحويل مناطق الفلسطينيين إلى كانتونات وتقسيم الضفة الغربية إلى نصفين. مع ذلك، إذا تمكنت هذه الحكومة بالفعل من بدء البناء هناك، فمن غير الواضح ما إذا كانت حكومة جديدة ستتراجع عن هذه الخطوة.
ولم تبدأ ظاهرة التوسع الاستيطاني والإرهاب مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، ومن المرجح أنها لن تنتهي معها. من الواضح أن الميليشيات الاستيطانية تعمل بدعم من الدولة في خدمة مشروع قومي أوسع لا يعارضه أحد في إسرائيل: سيطرة إسرائيل الدائمة على جزء كبير من الضفة الغربية. وأظهر استطلاع رأي حديث أن 55% من اليهود الإسرائيليين يرغبون في الإبقاء على المستوطنات في أي اتفاق مستقبلي مع الفلسطينيين، بينما يؤيد 38% ضم الضفة الغربية.
وفي حين أن أي انخفاض في عنف المستوطنين يعد خطوة مرحبا بها وضرورية، إلا أن إنهاء التدمير الممنهج لحياة الفلسطينيين وتيسير حقهم في تقرير المصير يتطلب ضغطا خارجيا من دول العالم. أولا، يجب على المجتمع الدولي أن يصر على أن تضع الحكومة الإسرائيلية المقبلة حدا للميليشيات الاستيطانية. ثم عليه أن يجبر إسرائيل على تفكيك المشروع الاستيطاني برمته.