تحت العنوان الفرعي «أصل الحكاية»، مستهلّ روايته «العائش في الحقيقة»، 1985، وعلى لسان مري مون، الشاب المصري الذي به مسّ للبحث في تاريخ أمنحوتب الرابع/ أخناتون وديانة توحيد الآلهة؛ يكتب نجيب محفوظ (1911 ـ 2006)، في وصف مقام نفرتيتي، مدينة أخت آتون المهجورة: «وذات أصيل مررنا بمدينة غريبة، مدينة تطلّ من أركانها عظمة غابرة، ويزحف الفناء بنهَم على جنباتها وأشيائها، مُترامية بين النيل غرباً ومحراب الجبل شرقاً، متعرية الأشجار، خالية الطرقات، مُغلَقة الأبواب والنوافذ كالجفون المُسدَلة، لا تنبض بها حياة ولا تندُّ عنها حركة، يجثم فوقها الصمت، وتخيّم عليها الكآبة، وتلوح في قسَماتها أمارات الموت».
الرواية، كما هو معروف، تستأنف انقطاع محفوظ طيلة 41 سنة عن الرواية التاريخية، أو الموضوع الفرعوني إذا جاز التوصيف هكذا؛ أي بعد «عبث الأقدار»، روايته الأولى، 1939؛ و»رادوبيس»، 1943؛ و»كفاح طيبة»، 1944. ولعلّ دارس محفوظ ملزَم، في جانب أوّل، بمراعاة ما يقوله الروائي الكبير نفسه عن ذلك الخيار، الذي عكف عليه في البدايات، وانقطع عنه إلى (ما يُستسهل، عادة، وصفه تحت مسمى) الرواية الواقعية مع «القاهرة الجديدة»، 1945؛ قبل أن يعود إليه في الرواية المشار إليها هنا، والتي تسبق آخر ثلاث روايات كتبها قبل رحيله.
ففي سلسلة حوارات أجراها الناقد المصري الراحل رجاء النقاش، وكانت نوعية وذات طابع استذكاري وحمّالة دلالات شتى، صدرت لاحقاً في كتاب بعنوان «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»؛ يشير محفوظ إلى أن عودته إلى أخناتون، وبالتالي الموضوع الفرعوني، جاءت بتأثير قراءة كتاب بالفرنسية أحيا اهتمامه القديم بشخصية أخناتون، وكانت وراء ولادة «العائش في الحقيقة». ويقول إنّ الرواية «لا تتضمن رؤية درامية بقدر ما هي عرض لوجهات النظر المختلفة في هذه الشخصية التاريخية المثيرة». كما يضيف محفوظ أنّ أخناتون كما تصوّره «شخصية سابقة لعصرها، مثيرة للتعاطف معها، مضحية في سبيل فكرتها وما تؤمن به من مبادئ، فهو رجل يدعو إلى السلام والتوحيد في عصر كان يرفض مثل هذه الأفكار».
ولكن، من جانب آخر، قد يُلقى على عاتق الدارس نفسه واجب المضيّ أبعد من احتمالية مغالطة القصد، التي استكشف طبائعها الناقدان الأمريكيان وليام ويمزات ومونرو بيردسلي، حول إشكالية الاعتماد على أقوال المؤلف، وخطأ جعلها مقياساً معيارياً لقراءة أعماله. مرجّح، استطراداً، أنّ عودة محفوظ إلى أخناتون والموضوع الفرعوني كانت غير بعيدة عن مبدأ الأسلوب المتأخر، كما طوّره إدوارد سعيد على نحو ثاقب وريادي؛ حيث لا تُستجمع أساليب الماضي لدى كاتب كبير (ومحفوظ في عداد مَن بلغوا هذا الشأو) في أعمال أواخر العمر فقط، بل تتقاطع وتتصارع وتتكامل وتتفاعل ضمن ما يشبه المطاحن الأسلوبية، على نحو يستولد صياغات رفيعة من طراز شديد الخصوصية وبالغ الثراء.
فإذا صحّ هذا الافتراض، وهو من حيث المبدأ غير غريب البتة عن الأوجه المتعددة والمتنوعة والمتغايرة والمتكاملة، التي تبدت عليها فنون محفوظ السردية ومهاراته الفريدة وتمرّسه المشهود في حشد العناصر الروائية وتسخيرها وتسييرها؛ فإنّ الاقتباس من «العائش في الحقيقة»، في مستهلّ هذه السطور، يعكس الكثير من سطوة الأسلوب المتأخر، خاصة لجهة الشحنات التصويرية والشعرية والشعورية التي سوف ينهمك محفوظ في تطوير نماذجها، على الدوام تقريباً. كأنّ إطلالة الشاب مري مون الوصفية على مقام نفرتيتي، تعيد الدائرة الشعورية إلى أحمد عاكف وهو يبدّل النقلات البصرية من السكاكيني إلى الأزهر، في «خان الخليلي»، 1946؛ أو عيسى الدباغ في «السمان والخريف»، 1962، يجيل بصره في القاهرة حيث «انفجر مكنون اللاوعي كالبركان. صراخ جنوني كالعواء»…
وهذا سياق يحيل إلى خلاصة موقف سعيد من محفوظ، إذ رأى فيه غوستاف فلوبير العرب (وليس أونوريه دو بلزاك المدينة العربية، كما ذهب ويذهب الكثير من النقّاد في الغرب)؛ بسبب ما التقطته عوالمُه الروائية من ميادين طبيعية فسيحة، ولأنّ المدينة عنده ليست محض مشهد مدني عمراني فحسب، بل تجلت مراراً في إهاب مجاز كوني، ظلّ واقعياً وطبيعيّاً في معظم طبقاته. وفي مقالته «ما بعد محفوظ»، 1988، لم يتردد سعيد في وضع الراحل على مصافّ كبار روائيي الغرب، أمثال فكتور هيغو، إميل زولا، شارلز دكنز، جون غالزورذي، توماس مان، وجول رومان.
وتلك مقارنات أقامها سعيد على خلفيتين: الأولى لغوية ـ سوسيولوجية تخصّ المكانة الروحية الخاصة للغة العربية (بوصفها لغة القرآن الكريم) ولغة مقاومة إزاء الاستعمار والإمبريالية (كما في مثال الجزائر والمغرب العربي عموماً). والثانية أدبية، ذات صلة بحقيقة أنّ الرواية شكل حديث العهد في الأدب العربي، وبالتالي فإنّ أعمال محفوظ قامت بما يشبه حرق المراحل في تطوير هذا النوع الكتابي.
ويبقى أنّ هذا العمود توسّل تحية الكبيرين معاً: محفوظ، في الذكرى الـ20 لرحيله، وسعيد إذ يقترب غيابه من 23 سنة. وليس بلا مغزى عظيم أنّ مصر، الشعب والتاريخ والذاكرة والثقافة والأمكنة، لم تكن لدى الاثنين أقلّ من مجاز واسع شاسع، وحاضنة رعت ابن الجمالية القاهرية أسوة بابن الطالبية المقدسية، بتكافل حانٍ وسخي وخلاق.