نواكشوط –«القدس العربي»: لم يعد السؤال في موريتانيا هو متى تصبح البلاد دولة منتجة للغاز، فقد حُسم ذلك بخروج أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال من مشروع «السلحفاة الكبرى آحميم» المشترك مع السنغال في أبريل/نيسان 2025، السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ما الأثر الذي سيبقى من الغاز في صلب الاقتصاد الموريتاني بعد مغادرة ناقلات التصدير؟
هذا السؤال يمنح الأرقام الجديدة التي كشفت عنها شركة «بي. بي» بشأن الأثر الاجتماعي والاقتصادي للمرحلة الأولى من المشروع أهمية خاصة، إذ يدخل مشروع «آحميم» المشترك بين موريتانيا والسنغال، مرحلة ينتقل فيها معيار النجاح من تشييد المنشآت وتصدير الغاز إلى القدرة على تحويل المورد الطبيعي إلى إيرادات دائمة، وشركات وطنية قائمة، ومهارات ووظائف، وطاقة أكثر استقراراً للاقتصاد المحلي.
وتزداد أهمية ذلك بعدما أظهرت تقديرات البنك الدولي أن بدء إنتاج الغاز في 2025 لم يؤد تلقائياً إلى طفرة في النمو، إذ عوّض تراجع الاستثمار الخاص، المرتبط بانتهاء جانب من أعمال البناء الكبرى، جزءاً من الأثر الإيجابي للإنتاج، في وقت ساهمت فيه صادرات الغاز في دعم الصادرات والمالية العامة والاحتياطيات الخارجية.
ووفق أول تقرير اجتماعي واقتصادي نشرته «بي. بي» عن المشروع، وفر مشروع «آحميم» بين 2018 ونهاية 2025 أكثر من 7400 فرصة عمل محلية مباشرة عبر سلسلة التوريد، وتعامل مع 775 مورداً محلياً في موريتانيا والسنغال، فيما اقترب الإنفاق مع الشركات المحلية من ملياري دولار، إضافة إلى نحو 840 مليون دولار من الإنفاق المحلي غير المباشر نفذه مقاولون من المستوى الأول.
وتعتبر هذه الأرقام أرقاماً كبيرة بالنسبة لاقتصادي البلدين، لكنها تطرح في الحالة الموريتانية سؤالاً لا يقل أهمية عن حجمها: كم كانت حصة موريتانيا تحديداً؟
فالأرقام المعلنة تجمع موريتانيا والسنغال، ولذلك لا يمكن اعتبار ملياري دولار إنفاقاً داخل الاقتصاد الموريتاني وحده، ولا الوظائف الـ 7400 وظائف موريتانية حصراً، ومن هنا تبرز الحاجة إلى نشر بيانات أكثر تفصيلاً تسمح بقياس نصيب كل بلد من الوظائف والعقود والمشتريات والتكوين والاستثمارات الاجتماعية.
ومع ذلك، تكشف هذه المؤشرات اتساع مفهوم العائد الاقتصادي للغاز، فالدولة لا تستفيد فقط من الضرائب وحصتها من الغاز المباع، وإنما كذلك من الأجور والعقود والنقل والصيانة والخدمات والمشتريات والتكوين، وهي المجالات التي تشكل جوهر سياسة «المحتوى المحلي».
وقد بدأت موريتانيا تحويل هذا المفهوم إلى إطار قانوني ومؤسسي يمنح أفضلية وطنية للتشغيل واقتناء السلع والخدمات، ويلزم المشغلين والمقاولين بخطط للمحتوى المحلي.
وفي تقديمه للأرقام الجديدة، لخص مدير مكتب «بي. بي» في موريتانيا، محمد ولد الإمام، هذا التحول بالتأكيد على أن قيمة المشروع لا ينبغي قياسها فقط بكميات الغاز والمنشآت والكيلومترات، وإنما بما يتركه لدى الأشخاص والمجتمعات المحلية.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في بلد اعتمد اقتصاده لعقود على تصدير المواد الأولية، خصوصاً الحديد والذهب والأسماك، بينما ظل التحدي يتمثل في ضعف الروابط بين القطاعات الاستخراجية وبقية الاقتصاد الوطني.
وتكشف الأرقام الجديدة وجهاً آخر للمرحلة الأولى؛ إذ وظف المشروع مباشرة 101 من مواطني البلدين، ورعى 86 خريجاً وحامل شهادة دراسات عليا، بينما بلغت مساهمة «بي. بي» في بناء القدرات نحو 17 مليون دولار.
كما بلغت الاستثمارات الاجتماعية نحو 21 مليون دولار، استفاد منها، بحسب الشركة، قرابة 254 ألف شخص، إضافة إلى 800 ألف دولار لبرامج التمويل متناهي الصغر استفاد منها 940 شخصاً.
وتظل معرفة نصيب موريتانيا من هذه المؤشرات ضرورية، خصوصاً مع انتقال المشروع من مرحلة البناء، الكثيفة في العمالة والإنفاق، إلى التشغيل الذي يحتاج أعداداً أقل من العمال، لكنه يتطلب كفاءات أكثر تخصصاً.
وهنا يصبح التحدي هو تحويل العمالة المؤقتة إلى خبرة وطنية مستدامة، بحيث ينتقل الموريتانيون من العمل حول صناعة الغاز إلى امتلاك المعرفة الفنية والهندسية التي تشغلها.
أما الأثر المباشر الثاني فيتعلق بالمالية العامة؛ فموريتانيا أصبحت تتلقى إيرادات المشروع عبر الضرائب، وحصة الدولة من الغاز الربحي، وأرباح الشركة الموريتانية للمحروقات، ومكافآت الإنتاج ورسوم المساحة.
وكان وزير الطاقة والنفط الموريتاني محمد ولد خالد، قد أوضح أمام البرلمان أن حصة الدولة من الغاز الربحي تتغير تبعاً لمعامل الربحية وتتراوح بين 31 و42 في المئة، مؤكداً أن الإيرادات المرتبطة بالمحروقات تحول إلى الصندوق الوطني لعائدات المحروقات وتخضع للتدقيق.
لكن الأرقام تفرض الحذر من النظر إلى الغاز بوصفه ثروة مالية فورية قادرة وحدها على تغيير أوضاع الموازنة.
فتقديرات صندوق النقد الدولي تضع إيرادات النفط والغاز الموريتانية عند نحو 3.6 مليارات أوقية جديدة في 2026، لترتفع إلى 4.8 مليارات في 2028 ونحو ستة مليارات سنوياً قرب نهاية أفق التوقعات الحالي؛ وهذا يعني أن المرحلة الأولى من مشروع «آحميم» للغاز مرحلة استراتيجية لموريتانيا، لكنها لا تحولها تلقائياً إلى اقتصاد ريعي كبير.
الرهان الأكبر: الغاز إلى الكهرباء
وقد يكون الأثر الأكثر التصاقاً بحياة الموريتانيين خارج سوق التصدير نفسه هو الكهرباء، فموريتانيا تدخل عصر الغاز بينما لا تزال منظومتها الكهربائية تعاني اختلالات في الإنتاج والنقل والتوزيع، وتتحمل المالية العامة أعباء كبيرة مرتبطة بالطاقة ودعم الكهرباء.
ولهذا تعمل الحكومة على إنشاء محطة كهربائية تعمل بالغاز بقدرة 230 ميغاواط ضمن توجه لاستغلال الحصة الموريتانية من «آحميم» محلياً.
وإذا تحقق ذلك بكفاءة، فقد يصبح تحول الغاز إلى كهرباء أهم اقتصادياً من جزء من عائدات التصدير، لأن الطاقة المستقرة والتنافسية يمكن أن تخفض تكاليف الإنتاج، وتعزز جاذبية البلاد للاستثمارات، وتدعم التعدين والصناعات التحويلية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وبذلك يتحول السؤال من «كم صدرت موريتانيا من الغاز؟» إلى «كم خفض الغاز كلفة ممارسة النشاط الاقتصادي داخل موريتانيا؟».
شراكة مع السنغال ومنافسة على القيمة
ويحمل مشروع «آحميم» بعداً إقليمياً إضافياً، فهو تجربة نادرة لإدارة مورد طبيعي عابر للحدود بين موريتانيا والسنغال، فرضت تقاسم الموارد والتكاليف والمصالح.
لكن الشراكة لا تلغي المنافسة؛ فالبلدان يتنافسان أيضاً على الوظائف والعقود والخدمات والاستثمارات المرتبطة بصناعة الغاز، ولذلك ستتحدد حصة موريتانيا الفعلية من المنافع بمدى قدرة شركاتها وعمالها ومؤسساتها التعليمية والتكوينية على الاندماج في سلسلة القيمة.
وحتى نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، كان المشروع قد صدر 18 شحنة من الغاز الطبيعي المسال وشحنة من المكثفات، فيما تضع «بي. بي» استمرار الإنتاج وتعزيز المحتوى المحلي والاستثمار الاجتماعي ضمن أولويات المرحلة المقبلة.
ما بعد الشحنة الثامنة عشرة
تكشف الأرقام الجديدة أن المرحلة الأولى من مشروع «آحميم» لم تكن مجرد عملية هندسية انتهت ببدء التصدير؛ فقد خلفت آلاف فرص العمل، ومئات الموردين المحليين، ومليارات الدولارات من الإنفاق المباشر وغير المباشر، واستثمارات في التدريب والمجتمعات المحلية، لكن هذه الحصيلة تكشف، في الوقت نفسه، التحدي الذي يبدأ مع انتهاء مرحلة البناء.
فالمعيار الحقيقي لنجاح الغاز بالنسبة لموريتانيا لن يكون عدد الناقلات التي تغادر مياهها الإقليمية، بل مقدار القيمة التي تبقى داخل البلاد بعد رحيلها، مثل وجود شركات موريتانية تدخل سلاسل التوريد، ومهندسين وفنيين يمتلكون المعرفة، وإيرادات تدار بكفاءة وشفافية، وغاز يتحول إلى كهرباء وصناعة وفرص عمل.
وتتجاوز المسألة مشروع «آحميم» نفسه؛ فمع وجود موارد غازية أخرى، وفي مقدمتها حقل «بير الله»، تمتلك موريتانيا فرصة للانتقال من مشروع غازي منفرد إلى بناء قطب للطاقة يمكن أن يعيد رسم جزء من اقتصادها.
لكن الفارق بين امتلاك الغاز وامتلاك اقتصاد غازي ناجح سيصنعه ما يحدث على اليابسة؛ لا في عرض المحيط، بل في قدرة الدولة على تحويل ثروة محدودة زمنياً إلى رأس مال بشري، وبنية تحتية، وقطاع خاص قادر على المنافسة، واقتصاد أكثر تنوعاً. عندها فقط يمكن القول إن الثروة الحقيقية التي تركها الغاز لم تكن في الشحنات التي غادرت موريتانيا، بل في القيمة التي بقيت بعدها.