كيف ينظرون إلى قرار ترامب الأخير؟


تسفي برئيل

“جائحة” جديدة تصيب ملايين السائقين في إيران. فقد تبين أن نقص البنزين يدفع أصحاب محطات الوقود إلى خلط الوقود بالماء، وأحياناً ملء خزانات السيارات بالمياه فقط. النتيجة، تعطل آلاف السيارات بعد بضع مئات أو عشرات الكيلومترات وتوقف المحركات عن العمل. وعند وصولهم إلى ورشة الصيانة، يتم تبليغ أصحابها بضرورة إصلاح المحرك أو استبداله بمئات الدولارات، وذلك في أفضل الحالات إذا توفرت قطع الغيار.

قد تبدو قصة المحركات هامشية مقارنة مع النقص الحاد في الأدوية والسلع الأساسية وتوقف الخدمات العامة، لكنها مؤشر على انهيار عمل الآليات العامة التي كانت تعتبر قبل الحرب فعالة، أو على الأقل بمثابة ملجأ للمواطنين لتقديم شكواهم. ولا يسع المرء إلا أن يحسب أسعار تصليح السيارة في إيران. فحسب شهادة مالك سيارة “بي.ام.دبليو” تعطل محركها بسبب تسرب المياه، اضطر إلى دفع 450 دولاراً لإصلاحها، وكشف بحث في الإنترنت أن تكلفة تصليحاً مشابهاً في إسرائيل قد تتجاوز 7 آلاف دولار.

مع ذلك، لا تدفع السيارات المحطمة المواطنين إلى الخروج إلى الشوارع، ويبدو أن نية رفع سعر البنزين وخفض حصص الوقود المدعومة لن تشعل الاحتجاج المنتظر. في عراق صدام حسين كان الوضع أصعب، لكن المواطنين وجدوا طرقاً لتجميع سياراتهم بأنفسهم من قطع غيار من مختلف المصنعين، وتوصيل المحركات بأسلاك من الحديد وتقطير الوقود في البيوت أو تشغيلها باستخدام زيت الطعام. السؤال: إلى متى يمكن لهذا الضغط الاقتصادي أن يحفز النظام على التفكير في خطة لكسر الجمود والعودة إلى طاولة المفاوضات؟

تكمن الصعوبة في أنه حتى لو كان هناك من يدرك ذلك في القيادة، فإن النظام الإيراني غارق في صراعات داخلية على السلطة، ويجد صعوبة في اتخاذ قرارات حاسمة. فهو يجيد التصعيد التدريجي وإدارة الوكلاء واستخدام القوة بحذر وإرسال الإشارات واستنزاف الموارد وكسب الوقت. ولكن من غير الواضح كيف سينهي الحرب بطريقة منظمة، خاصة إذا كان يمكن اعتبار هذه النهاية اعترافاً بأن الحملة لم تحقق ما وعد به. بسبب ذلك، لا تستعجل طهران الحديث عن “نهاية”، بل عن العودة إلى “فترة التفاهم” و”الالتزامات المتبادلة” و”الحقوق السيادية” في مضيق هرمز، والتعويض عن الأضرار. بكلمات أخرى، إيران تبحث عن طريقة للتوقف دون الإعلان عن ذلك، والتراجع عن موقفها دون الاعتراف بأنها صعدت إلى علو مرتفع جداً.

حسب تقرير نشرته “وول ستريت جورنال”، تشاور ترامب مع مساعديه حول إمكانية إعلان إنهاء الحرب من جانب واحد مع استمرار الحصار الاقتصادي، على افتراض أن هذا الحصار سيجبر إيران على تفكيك برنامجها النووي أو التسبب بانهياره. قد يختلف المرء مع تقييمات ترامب ويتخلى عن توقعاته، لكن ميزته تكمن في سيطرته المطلقة على عملية صنع القرار. أما في إيران فالوضع أعقد، حيث لا يعرف حتى من هو الشخص المخول باتخاذ قرار وقف الحرب وتحت أي شروط.

يستطيع ترامب أن يعلن عبر تغريدة أو أمام الكاميرا أنه “انتصر” ويوقف إطلاق النار، في حين ليس في إيران أي شخصية ذات سلطة مخولة لاتخاذ خطوة مشابهة. نظرياً، يعتبر المرشد الأعلى “المختفي” مجتبى خامنئي السلطة العليا، لكن الخلاف العلني حتى بين مؤيدي العودة إلى المفاوضات – على سبيل المثال، بين الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، يظهر أن الواقع السابق الذي كان فيه المرشد الأعلى يملي السياسة ويجبر حتى معارضيه على تبنيها، قد أصبح “مخصخصاً”. إن المناوشات الكلامية بين القوى السياسية والعسكرية المتنافسة هي التي ستصوغ القرار الذي سيطلب من خامنئي تبنيه ونشره كما لو أنه قراره.

يمكن إيجاد تعبير يسلط الضوء على نمط هذه الخلافات في مقابلة مطولة أجراها منصور حقيقت – بور مع موقع “هاف صبح” الإيراني المستقل قبل أسبوع ونصف. بور (67 سنة) والذي ينتمي للتيار المحافظ غير المتشدد، كان قائداً في الحرس الثوري وشغل مناصب رفيعة في قوة القدس، وانتخب بعد ذلك لعضوية البرلمان وأصبح نائب رئيس لجنة الأمن والسياسة الخارجية. في مقابلة طلب منه الصحافي الليبرالي أفشين أمير شاهي التحدث عن أوجه القصور في إدارة السياسة الخارجية وتساءل: هل يمتلك المسؤولون في الجمهورية الإسلامية القدرة على الاعتراف بالخطأ الاستراتيجي والاعتذار عنه سياسياً؟ كيف يمكن لمسؤولين تدارك بعض الأخطاء على الأقل؟

أجاب حقيقت – بور على هذا السؤال بإجابة مطولة ومفصلة وواضحة. “هذا سؤال حساس جداً. يكمن الخلل الأساسي في الجمهورية الاسمية في عدم اعترافنا بأخطائنا الاستراتيجية وعدم استعدادنا لدفع الثمن. أقول هذا بوضوح تام، لقد خسرنا في سوريا. بعد إنفاق مليارات الدولارات والتضحية بالشهداء ودعم حكومة بشار الأسد، خسرنا. من المسؤول عن هذا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ ألا يجب محاسبة المسؤول في محكمة عسكرية؟ بل يجب فعل ذلك قطعاً. من المسؤول عن عنصر المفاجأة في الحرب؟ ماذا أهملنا ولم نفهم؟ من هم المذنبون؟ في مجال السياسة الخارجية نحن بحاجة إلى تغيير النموذج السائد في سياسة البلاد الخارجية. السياسة الخارجية ليست مجالاً للأخلاق والمجاملة وتقديم النصيحة، بل لحماية المصالح الوطنية”. وتابع بور: “أين كان وزير خارجيتنا ووزير خارجية روسيا ووزير خارجية تركيا ليلة سقوط دمشق؟”. حسناً، لقد كانوا في قطر وتحدثوا. ولكن ألم يدرك وزير خارجيتنا أن تركيا تخوننا؟ ألم يدرك أن روسيا تعقد صفقة؟ قلنا لهم كل ما نعرفه واعتقدنا أنهم أصدقاء، لكن كل منهم طعننا في ظهرنا. تحدثنا معهم عن طرق إبقاء بشار الأسد في الحكم. في الواقع، قدمنا كل المعلومات لخصمنا. حققت أنقرة غايتها. أرادت أن تكون سوريا الفناء الخلفي لها، وهذا ما كان. جاء الروس أيضاً واحتلوا أوكرانيا. تم تركنا دون سند. هذا هو الخطأ الاستراتيجي. الخطأ الاستراتيجي يعني أننا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم نعرف أن السيد بشار الأسد كان يسقط. خطأنا الاستراتيجي في سوريا أننا كنا موجودين في هذه البلاد، لكن لم يكن لنا أي نفوذ. لو كان لنا نفوذ لتمكنا من السيطرة على سوريا”.

هذا ليس الفشل الوحيد. فعندما سئل عما إذا كانوا قد أخطأوا في المبالغة في تقدير دعم روسيا والصين لإيران أجاب: “بذلت روسيا والصين كل الجهود في الأمم المتحدة. ولكن الساحة الدولية هي ساحة لتأمين المصالح الوطنية، وتسعى روسيا والصين إلى تأمين مصالحهما الوطنية”، أي أنهما لم تعملا على تأمين مصالح إيران.

إن انتقاد السياسة الخارجية أمر غير جديد، لكن عندما يتحدث بور الآن عن الفشل والخسارة في سوريا، تفسر أقواله أيضاً بأنها انتقاد ضمني لعدم تعلم الدروس من طريقة إدارة الحرب في الخليج. ورغم أنه لم يسأل مباشرة إذا ما كان النظام قد أخطأ في هذه الحرب وأين، لكنه هاجم التيار الراديكالي – الذي يعمل على إفشال المفاوضات، ويعتبر وجوده تراجعاً عن المفهوم الأيديولوجي الذي يجب أن يوجه إيران، ويطالب بوقف كل الاتصالات. “هؤلاء المتطرفون، الذين أعرف أسماءهم، لا يكفي عددهم لملء حافلتين صغيرتين. لو تم حبس هؤلاء في بيوتهم في الغد، لتكلمت بلادنا بصوت واحد. ولكن لا توجد إرادة للتعامل مع هؤلاء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لقد تسللوا إلى كل الأجهزة في البلاد وهم يعرقلون تنفيذ أمور كثيرة”، اتهمهم.

لكنه يقر بعد ذلك بأن هؤلاء المعارضين يتمتعون بنفوذ كبير من خلال السيطرة على وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، وبالتالي، يخلقون حسب رأيه، الشعور بالقوة الذي يضاهي قوة الذين يدعمون تعزيز التحركات الدبلوماسية. ويختم قوله: “لا توجد صراعات على السلطة في إيران، بل إهمال”.

النتيجة العملية هي أنه عندما يتحدث بزشكيان عن استعداد الإيرانيين للعودة إلى مذكرة التفاهم، إذا فعلت الولايات المتحدة نفس الشيء، يطالب رئيس تحرير صحيفة “كيهان”، حسين شريعت مداري، المعين من قبل علي خامنئي، باستمرار الحرب. وأيضاً يطالب بقطع خطوط الإنترنت الممتدة في قاع الخليج بهدف إضعاف قدرة العدو.

ثمة مشكلة أخرى تتفاقم في إيران لا تقتصر على قدرتها على الصمود الاقتصادي فقط، بل تمتد لتشمل قدراتها على استغلال سيطرتها على مضيق هرمز لفترة طويلة. هذه الميزة ما زالت تعطيها نفوذاً كبيراً. ورغم الزيادة الواضحة في وتيرة وكمية إخراج النفط من دول الخليج، حتى أصبحت تقترب من مستوى ما قبل الحرب، إلا أن النقل البحري يحتاج إلى حماية القوات الأمريكية. وما زالت ناقلات النفط تتعرض للهجوم، كما أن جزءاً من الممر البحري ملغم، الأمر الذي يضطر الولايات المتحدة إلى اللجوء إلى “أساليب إيران” كعمليات النقل من سفينة إلى أخرى – لنقل النفط إلى المنطقة الآمنة. مع ذلك، في ظل غياب أي تحرك سياسي، ليس أمام التهديد الإيراني إلا مواصلة حرب الاستنزاف دون حصولها على المكاسب الاقتصادية المرجوة، التي تتمثل أساساً برفع العقوبات الاقتصادية، وفتح قنوات الاستثمار، وإعادة إعمار البلاد. يبدو أن الإدراك في إيران بدأ يتشكل على حالة جمود، ليس اتفاقاً أو حرباً، في حين يتدفق النفط عبر هرمز في كل الحالات، وفي الوقت نفسه بدأت دول الخليج وعملاؤها في بناء بدائل، وهذا سيجبر الجمهورية الإسلامية على صياغة قرار سياسي في المستقبل القريب.

هآرتس 4/9/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *