25 سنة على 11/9: «الصَوْمَلة» أبكر المستنقعات


ليست الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، بل العالم بأسره، على أعتاب الذكرى الـ25 للهجمات الإرهابية على برجَيْ مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقرّ البنتاغون قرب واشنطن، التي أوقعت قرابة 3,000 ضحية بمَن فيهم مجموعة المهاجمين المنتمية إلى تنظيم «القاعدة»، تحت قيامة أسامة بن لادن. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختار إحياء ذكرى ربع القرن هذه من البنتاغون، كأنما تنقصه البرهنة مجدداً على شخصيته العسكرية «الحربجية»؛ بينما أوكل إلى نائبه ج. د. فانس الذهاب إلى موقع الـ»غراند زيرو»، حيث سوف يتسنى للأخير إهراق المزيد من التفلسف الغثّ والتنظير الركيك.
الحرب الأمريكية الراهنة ضدّ إيران، التي تواصل الولايات المتحدة شنّها منذ أواخر شباط (فبراير) الماضي على الشعب والبلد والتاريخ والجغرافيا قبل أيّ من آيات الله وجنرالات «الحرس الثوري»؛ تتسيّد المشهد بالطبع، وتغطي استطراداً على حروب أخرى لم تتوقف عن خوضها الإدارات الأمريكية المتعاقبة عموماً، ديمقراطية كانت أم جمهورية، وقد تنفرد بالكثير من عواقبها الوخيمة إدارة ترامب في ولايتيه الرئاسيتين خصوصاً. وهذه الحروب، المغطاة أو المهمشة أو المسكوت عنها عمداً، ليست سوى المستنقعات التي خاضت فيها واشنطن لأسباب قيل إنها تتصل بوقائع 11/9، قبلها وبعدها على حدّ سواء.
الصومال، ضمن مسمى «القرن الأفريقيّ، هو أحد أبكر المستنقعات التي غرقت فيها الإدارات الأمريكية، وإذا صحّ أنّ واشنطن انتهجت العدوان المنظم، والمنتظم، ضدّ ذلك البلد منذ 20 سنة ونيف، وسبق أن ساند إثيوبيا في غزو البلد ومحاولة تغيير منظومات الحكم فيه بالقوّة؛ فالأصحّ، الأوضح والمسكوت عنه في آن معاً، أنّ إدارة ترامب تحديداً كانت وتظلّ حتى الساعة الأشدّ استشراساً في تنفيذ عمليات القصف، بالقاذفات أو الطائرات المسيّرة أو الغارات الأرضية أو الاغتيالات الفردية. وهذه خلاصة لا يتوجب أن تحجب حقيقة أولى مركزية، مفادها أنّ إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما كانت السباقة، منذ صيف 2011، إلى إقرار استخدام المسيرات في سائر أراضي الصومال؛ ثمّ اتكأت الذرائع اللاحقة على استهداف قيادات وكوادر «حركة الشباب» ثمّ «تنظيم الدولة»، وذلك بصرف النظر عن التناقضات التناحرية التي أسفرت مراراً عن مواجهات دامية بين الجهاديين أنفسهم.

هذه الحروب، المغطاة أو المهمشة أو المسكوت عنها عمداً، ليست سوى المستنقعات التي خاضت فيها واشنطن لأسباب قيل إنها تتصل بوقائع 11/9، قبلها وبعدها

وليس ضمن أغراض هذه السطور، كما لا يسمح المقام كذلك، الخوض في الفوارق السياسية والإيديولوجية والعسكرية والجهادية التي تميّز «المحاكم الشرعية» عن «حركة الشباب» و»تنظيم الدولة»، أو سواها من القوى والفصائل والميليشيات التي حكمت أو سيطرت أو تدخلت في حياة أهل الصومال؛ وربما، على نحو أو آخر، شكلت تهديداً لما تعتبره واشنطن أمناً قومياً أو مصالح عليا. الثابت، في المقابل وحسب عشرات من مراقبي شؤون وشجون القرن الأفريقي الأمريكيين أنفسهم، لا تتوفر أسباب وجيهة أو كافية لأن تبلغ الضربات الأمريكية ضدّ الصومال أربعة أضعاف مثلاً، خلال رئاستَيْ ترامب. وموقع New America، الذي يرصد التورط العسكري الأمريكي في الصومال، سجّل أنّ الهجمات منذ كانون الثاني (يناير) 2025، حين تولى ترامب ولايته الرئاسية الثانية، بلغت 203 ضربات مقابل 51 على امتداد كامل سنوات رئاسة جو بايدن.
والحال أنّ المعادلة الأمريكية هنا، كما في بلدان ومواقع أخرى في العالم، ليست خرقاء حمقاء فحسب؛ بل ذات نتائج مدمّرة بعيدة الأثر، حتى في إطار معظم العناصر الأعلى التي منها تتشكّل فلسفة ما تصرّ الولايات المتحدة على تسميته بـ»الحملة ضدّ الإرهاب». وهذه المعادلة ظلت تدور حول، وتدير الميزان التالي: أغلقوا هنا ثغراً (أي: حاضنة!) للتشدد الإسلامي الذي يصنع ويصنّع موضوعياً ظواهر التطرّف والإرهاب؛ ولكن لا بأس أن تفتحوا هناك ثغراً جديداً لتشدّد مماثل، أو أدهى، بهوية مختلفة وأجندات ملتهبة. وفي صياغة عملية، راهنة: أغلقوا ثغور الطالبان في أفغانستان، وافتحوا ثغور «المحاكم الشرعية» في الصومال… أو في «صومال ــ ستان»، كما يجدر القول!
وعلى منوال مشابه، كانت ميليشيات «المحاكم الشرعية» قد أحكمت السيطرة على مدينة جوهر (دون قتال، عملياً)، ثمّ مدينة مهداي، وقبلهما العاصمة مقديشو ذاتها، حيث طُرد منها أمراء الحرب للمرّة الأولى منذ العام 1990. الترجمة الموازية لتلك الانتصارات كانت هزيمة القوّات التابعة لأمراء الحرب، أولئك الذين ضمّهم «التحالف من أجل السلم ومكافحة الإرهاب»، المدعوم مباشرة ــ وكما ينبغي أن يوحي الاسم! ــ من واشنطن… رائدة السلم وقائدة مكافحة الإرهاب! في الآن ذاته كان البرلمان الصومالي، وبعد انهيار المفاوضات مع الإسلاميين، يصوّت على مبدأ استقدام قوّات أجنبية لحفظ الأمن في البلاد.
والحال أنّ ذلك الاعتبار الأساسي بالذات، أي حفظ الأمن وتسيير شؤون المواطنين في الجانب القضائي والأمن والحياة اليومية تحديداً، كان البذرة الأولى التي أنبتت «المحاكم الشرعية» في الصومال، بعد انهيار الحكومة العسكرية سنة 1991 وشيوع الفوضى وأعمال الشغب والنهب المنظم والعنف المسلح والجريمة والخطف. وكان ذلك الغياب للدولة، وبمعنى الغياب التامّ لأية جهة قضائية شرعية في المقام الأوّل، هو الذي جعل الشيخ الأزهري محمد معلم حسن يؤسس أوّل محكمة شرعية محلية في أحد أحياء مقديشو الفقيرة. وغنيّ عن القول إنّ هدفه لم يكن يتجاوز الفصل في شكاوى الناس والتحكيم بينهم، اعتماداً ــ بالطبع، وفي ظلّ غياب أيّ قانون ــ على أحكام الشريعة الإسلامية. كذلك كان طبيعياً أن تنقلب هذه المحاكم إلى ما يشبه وزارة الظلّ، ثمّ فيما بعد وزارة الأمر الواقع، لشؤون العدل والداخلية.
بذلك فإنّ «المحاكم الشرعية» لم تبدأ كدعوة إسلامية تبشيرية، أصولية أو وسطية أو معتدلة؛ ولم تتكئ على منطلقات دينية أو مذهبية أو سياسية/ حزبية، أياً كانت تقاطعاتها مع مختلف أنساق الإرهاب المنظّم؛ ولم يكن لها برنامج عمل تنظيمي أو جماهيري، ولا سياسة تحالفات محلية أو إقليمية. لقد بدأت من الحاجة، الماسة الصرفة، لتصريف أمور العباد في ظلّ سيادة الفوضى وغياب الدولة وحاجة المواطنين إلى جهة مرجعية متماسكة نسبياً، ذات غطاء شرعي وقوام إداري وسلطة تنفيذية، ليس أكثر. وليس أقلّ أيضاً، في الواقع، لأنّ ذلك الموقع الوظيفي الحيوي أتاح لرجال «المحاكم الشرعية» أن يلعبوا الدور الوظيفيّ الآخر التالي، الذي لا يمكن إلا أن يكون طبيعياً وتلقائياً وتحصيل حاصل: الهيمنة السياسية.
وإذ ولد نحت «الصَوْمَلة»، سريعاً متسارعاً مبتسراً، من رحم معادلات التخبط تلك، فإنّ الصومال البلد، من حيث التاريخ والعقيدة والوقائع، لم يكن أفقر من أفغانستان في معطيات تشكيل حاضنة التطرّف الإسلامي الذي ينتهي بعضه إلى أنساق الإرهاب ذاتها التي قوّضت برجَي نيويورك في 9/11. الأمريكيون، خصوصاً، لم يكونوا بحاجة إلى مَنْ يذكّرهم بأنّ تلك الصومال، التي كانت توشك على الولادة قد تصبح أفغانستان ثانية، أو ربما المستنقع الأبكر؛ خاصة وأنّ واشنطن لا تفتقر إلى تاريخ هناك، ودروس وعِبَر! ففي أواخر العام 1992، حين رست أولى قطع الأسطول الحربي الأمريكي على شواطئ الصومال، تردد أنّ السفير الأمريكي في كينيا استقبل وحدات بلاده بهذه العبارة الصقيعية القاتلة: «إذا كنتم قد أحببتم بيروت، فلسوف تعبدون مقديشو». أي، في ترجمة أوضح ربما: إذا كانت بيروت (خصوصاً بعد العمليات الانتحارية، وانسحاب المارينز المهين) هي النار، فإنّ مقديشو هي سقر!
ولسوف تتكاثر المستنقعات الامريكية، ضحلة تارة أو عميقة طوراً؛ عمياء وحمقاء ودامية، في كلّ حال.

 كاتب وباحث سوري مقيم في باريس



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *