انتخابات بدون أفق… وأحزاب بدون رؤية؟


لاشيء في الانتخابات التشريعية لهذه السنة يجذب الأنظار، ولا أحد من المتفائلين فضلا عن المتشائمين يرسم أفقا سياسيا لهذا الاستحقاق سوى ما كان من محاولة الأحزاب البحث عن موقع في نهج الاستمرارية الذي تحدد الدولة إطاره وعناوينه وأهدافه.
الأحزاب السياسية مختلفة بين ثلاث رؤى: الاستمرارية وفق نفس المنظور، حتى وبدون ملاحظة التداعيات الاجتماعية التي نتجت عن تغول الرأسمال ومركب المصالح الذي وظف الدولة وإمكاناتها المالية للاغتناء على حساب الطبقات الشعبية، ويتبنى حزب التجمع الوطني للأحرار هذه الرؤية، ويمني النفس بإمكان الفوز بولاية جديدة وقيادة حكومة المونديال. ورؤية الاستمرارية بمنطق التصحيح، وهي التي يحاول بها حزب الأصالة المعاصرة بوافده الجديد السيد فوزي لقجع وزير الميزانية ورئيس الجامعة المغربية لكرة القدم، أن يخلق نوعا من المواءمة بين المؤسسة الحكومية التي تقوم برسم السياسات وتنفيذها، وبين مؤسسات الدولة ذات الوظيفة التقييمية، والتي أصدرت عددا من التقارير التي توحدت خلاصاتها في كون المغرب يسير بسرعتين، سرعة فائقة بالمدن والحواضر الكبرى، وسرعة بطيئة بالقرى ومناطق الهامش، وأن ثمار النمو لا توزع بشكل عادل على كل الفئات والمجالات الترابية، بل تستفيد منها القلة المحظوظة. يحاول هذا الحزب، أن يخلق الجسر الذي يمكنه كحزب أغلبية في الحكومة أن يخاطب الفئات المتذمرة، من خلال توجيه الاتهام إلى الحزب القائد للحكومة، وانتقاد المعارضة بكونها لا تحمل جوابا عمليا مدعما بالأرقام على المعضلات الحقيقية التي يعيشها المغرب.
الرؤية الثالثة، تقوم على مبدأ الإصلاح الشامل، من خلال إعادة طرح معضلة زواج السلطة بالثروة، وما يستتبعها من مظاهر الاختلال متجلية في تضارب المصالح، وإغناء القلة المقربة من الحكومة، وتفقير المغاربة عبر التحكم في مصدر قوتهم وإرهاقهم برفع أسعار المواد الأساسية من الغذاء، لاسيما اللحوم والأسماك والخضار والفواكه. يحمل هذه الرؤية طيف من الإسلاميين وأحزاب من اليسار، تختلف أطروحتهم الإيديولوجية من جهة، وتتمايز حتى أطروحتهم السياسية والاقتصادية من جهة أخرى.

الغائب المنسي في خطاب الأحزاب، هو المعضلة الأساسية التي ينتجها اقتصاد ريعي تتحكم فيه القلة، وهو كيف يمكن رفع مستوى التشغيل؟

لم يعد هناك منطق في الانتخابات، لأن أحزاب التحالف الحكومي انقلبت على بعضها، وتخلت عن واجب التضامن الحكومي وكل المواثيق الأخلاقية والسياسية التي تجمعها، وركب بعضها خطاب المعارضة، حتى صار المواطن لا يدري على وجه التحديد من كان يحكم، ومن كان يعارض.
أما أحزاب المعارضة وفي مقدمتهم حزب العدالة والتنمية، فرغم مرور أكثر من 15 سنة على فوزه الانتخابي في انتخابات 2011، لم يتغير شيء في خطابه السياسي، فلا يزال يحمل التشخيص نفسه، ويكرر المقولات نفسها، ويجعل من تجربته الحكومية الأولى 2012-2017 مرجعية للجواب عن كل الإشكالات، فالحزب، أسابيع قبل انطلاق الحملة الانتخابية، بلور لغة متقاربة للتي كان يحملها سنة 2010 و 2011، حيث توقف كثيرا عند أحداث سبتة الأخيرة، وطلب من الملك إصدار أوامره بفتح تحقيق لمعرفة ما حدث، محاولا تكريس فكرة أن وقوع الحدث تزامنا مع عيد العرش يمثل خطرا على الدولة، وأن الدولة تواجه أخطارا، وأنه في اللحظة التي تواجه فيه الدولة هذه التحديات، فالخيار أمامها، واضح، هو تماما ما اختارته بذكاء وحكمة في التاسع من يوليو 2011 حين دعا الملك إلى تعديل الدستور واعتماد المقاربة السياسية مدخلا للإصلاح، وتجسدت بذلك شراكة المؤسسة الملكية بالقوى الإصلاحية.
تأخر كثيرا برنامج الحزب، الذي كان في العادة ما يسبق لطرحه، وطرح الأهداف التي يريد تحقيقها بإجراءاتها ومؤشراتها، وأرقامها، والظاهر، أن هذا التأخير له دلالة مهمة، أن رهان الحزب لن يكون على البرنامج وتدابيره، بقدر ما سيكون على مخاطبة الدولة ونخبها العليا، واستثمار الظرفية الاجتماعية المأزومة لبعث الرسائل إلى الدولة، بأن أي احتقان اجتماعي محتمل، لن تكون نخب المال والأعمال قادرة على مواجهته، وأن النخب المؤهلة، هي التي أثبتت في 2011 وفاءها للدولة والمؤسسة الملكية، وجسرت انتقال المغرب من لحظة الثورات إلى الهدوء عبر صيغة الإصلاح في ظل الاستقرار.
الظاهر أن خطاب العدالة والتنمية المتكرر لم يجد من يسمعه من النخب العليا، وأن حركية الأعيان وترحالهم من كل الأحزاب، وبشكل خاص من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الأصالة والمعاصرة، يعطي مؤشرا أن المزاج متجه إلى الاستمرارية، وأن مواجهة الاحتقان الاجتماعي المحتمل، والتذمر الحاصل، سيكون بركوب لغة التصحيح، وإعادة «نقد الملك للسياسات الحكومية» إلى الواجهة، فمن الظاهر أننا سنسمع كثيرا أسئلة من قبيل: أين الثروة؟ والمغرب يحقق نتائج مهمة من النمو لكن المغاربة لا يستفيدون منها، فأين توجه عائدات النمو، وهناك فرق شاسع بين التنمية في الحواضر ومناطق الهامش، وقد آن الأوان لتوحيد السرعة بالالتفات إلى العالم القروي.
الغائب المنسي في خطاب الأحزاب، هو المعضلة الأساسية التي ينتجها اقتصاد ريعي تتحكم فيه القلة، وهو كيف يمكن رفع مستوى التشغيل؟ وتأمين الشروط القانونية والضمانات الاجتماعية للمُشَغل؟ وكيف يمكن تأمين فرص للدراسة في الجامعة لأبناء الشعب في الوقت الذي قلصت الجامعات العمومية المقاعد، وتسلط القطاع الخاص على التعليم العالي وفرض فيه رسوما خيالية، وكيف يمكن تـأمين أسعار مناسبة للغذاء بمختلف مكوناته في ظل سيطرة القلة على جميع سلاسل الإنتاج والصناعة الغذائية؟ وكيف يمكن فك الارتباط بين السياسة والثروة، فالبرلمان أضحى منصة إما للأثرياء المتحكمين في الإنتاج، أو لمرتزقة يلجأون إلى السياسة لأنها تضمن الولوج السريع للثروة، أو لقلة من المناضلين الذين يخلقون التوازن في الصورة الإعلامية فقط، حتى يشعر المواطن أن في المغرب سياسة، وأن للحكومة معارضين.
تقديري أن هذه هي الأسئلة الحقيقية التي ينشغل بها المواطن، وهو يدرك أن قدرة الأحزاب على الجواب عنها محدودة، لأن النظام الانتخابي لا يمكن من صناعة أغلبية منسجمة، ولا حزب يستطيع أن يؤمن هذه الأغلبية، وأنه يحتاج إلى ثلاثة أحزاب على الأقل لتشكيل الحكومة في حال تصدره الانتخابي، وأن قواعد اللعبة الكبيرة، يصعب تغييرها، ما لم يحدث تحول في الواقع الدولي والإقليمي، بحيث تساعد الأزمة في جر الدولة إلى الاحتماء بالضعفاء الأكثر ولاء لها في لحظة الأزمات، وهو السيناريو الذي تبدو مؤشراته مستبعدة على الأقل فيما نرى من تطورات.

 كاتب وباحث مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *