طهران- “القدس العربي”: أعاد التصريح الأخير لرئيس لجنة الإنترنت والبنية التحتية في جمعية التجارة الإلكترونية، حميدرضا أحمدي، بشأن أن “90% من الإيرانيين لديهم “في بي إن” على هواتفهم المحمولة”، النقاش مرة أخرى حول تداعيات الحجب واسع النطاق في إيران إلى صدارة أخبار التكنولوجيا والاتصالات.
تقريباً جميع شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة واسعة الاستخدام، ومنها إنستغرام وتويتر وفيسبوك وتلغرام وواتساب ويوتيوب، محجوبة في إيران. ولهذا السبب أصبح استخدام مختلف أدوات تجاوز الحجب، ومنها شبكات في بي إن، أمراً عادياً على الهواتف المحمولة، وتحول إلى جزء واسع من تجربة الإيرانيين اليومية مع الإنترنت.
وقال حميدرضا أحمدي، رئيس لجنة الإنترنت والبنية التحتية في جمعية التجارة الإلكترونية، في مقابلة مع “اقتصاد نيوز”، إن الحجب واسع النطاق أدى إلى تحول استخدام “في بي إن” في إيران إلى سلوك عام، وإن صانع القرار يواجه الآن مشكلة تتمثل في أن محاولة حجب عدد محدود من المنصات قد تؤدي إلى اضطرابات واسعة أو حتى انقطاع الإنترنت. ووصفت “اقتصاد نيوز” هذا الوضع بأنه وصول الإنترنت الإيراني إلى “الحد الأدنى من الجودة”.
وكانت قد نُشرت في السابق أرقام حول حجم استخدام أدوات تجاوز الحجب في إيران. ومن أحدث البيانات التي يمكن الاستناد إليها دراسة أجراها مركز “إيسبا” لاستطلاعات الرأي حول “الحياة الرقمية للإيرانيين”.
وحسب نتائج هذه الدراسة، التي نُشرت في تموز/ يوليو 2026، قال 74.4% من المشاركين إنهم يستخدمون أدوات تجاوز الحجب للوصول إلى الإنترنت. وفي التقرير نفسه، أكد نحو 75% من المستخدمين أنهم يستخدمون أدوات تجاوز الحجب، بينما قال نحو 25% إنهم لا يستخدمونها.
وحسب بيانات نشرتها، الجمعية، استناداً إلى “إيسبا”، ارتفع استخدام أدوات تجاوز الحجب عدة أضعاف بعد الحجب الواسع الذي حدث عام 2022. وفي أحد التقديرات المنشورة، كان المستخدمون الإيرانيون يقضون في المتوسط نحو أربع ساعات يوميًا باستخدام أدوات تجاوز الحجب.
ولا تقتصر المشكلة على الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي. فعندما يعتمد عدد كبير من المستخدمين على “في بي إن” للوصول إلى خدمات مختلفة، من تطبيقات المراسلة وشبكات التواصل الاجتماعي إلى المواقع الإلكترونية والخدمات عبر الإنترنت، يتحول “في بي إن” إلى طبقة دائمة في مسار اتصال المستخدم بالإنترنت.
ويرى بعض الخبراء أن هذا الأمر يمثل أحد أسباب تراجع جودة الإنترنت في إيران، لأن مسار اتصال المستخدم يصبح أكثر تعقيدًا، كما يمر جزء من حركة البيانات الدولية عبر خوادم وسيطة وشبكات “في بي إن”. وقد أدى هذا الوضع إلى زيادة الدعوات من جانب المسؤولين إلى رفع الحجب.
وقال محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، مؤخراً، في إشارة إلى أن “الإنترنت طريق سريع، ولا يمكن إغلاق الطريق السريع بأكمله بسبب بعض المخالفات”: “لقد قرر رئيس الجمهورية إغلاق ملف الحجب، لكن بسبب وجود مؤسسات ومجالس قانونية، فإن هذه العملية تستغرق بعض الوقت. إلا أن مشكلة الحجب ستُحل تدريجياً. وبالطبع، فإن تحسين جودة الإنترنت يحظى أيضًا بأهمية بالنسبة للحكومة.”
وأضاف عارف: “من الضروري التصدي للإجراءات التي تستهدف الأمن القومي، لكن الحجب واسع النطاق والإقصاء كانت لهما نتائج عكسية، وأديا إلى انتشار استخدام شبكات في بي إن”، معتبراً أن هذا الأمر، بحسب قوله، يمثل بحد ذاته تهديداً للأمن القومي. وقال أيضاً: “بصفتي أستاذاً جامعياً، لا أعرف ما هي فوائد الحجب بالنسبة إلى البلاد.”
ومن أبرز التصريحات الرسمية الأخيرة ما أدلى به ستار هاشمي، وزير الاتصالات الإيراني. وقال إن تقديرات وزارة الاتصالات تشير إلى أن نحو 60 إلى 70% من حركة البيانات الدولية في البلاد مرتبطة بشبكات “في بي إن”. كما حذر من نشوء “اقتصاد” كبير حول أدوات تجاوز الحجب، وطالب بإجراء دراسة دقيقة لهذا الموضوع.
وأشار وزير الاتصالات أيضاً إلى الاستخدام الواسع لأدوات تجاوز الحجب في إيران، قائلاً: “لقد أصبحت شبكتنا واحدة من أكثر شبكات العالم تلوثًا من حيث استخدام أدوات تجاوز الحجب، لأننا اعتقدنا أنه يمكن تحسين الحوكمة بالاعتماد على الأدوات التقنية، في حين أننا لم نحقق أي تحسن، بل جعلنا الوضع أسوأ بكثير.”
ووصف وزير الاتصالات الاستخدام الواسع لشبكات “في بي إن” بأنه أحد عوامل تلوث الشبكة وتراجع جودة الإنترنت، وقال: “أكثر من 80% من المستخدمين يستخدمون أدوات تجاوز الحجب، وهذا يدل على أن سياسة التقييد تحتاج إلى إعادة نظر.”
وأدى انتشار “في بي إن” في إيران إلى نتيجة اقتصادية أيضًا، وهي نشوء سوق كبيرة لبيع أدوات تجاوز الحجب.
وقال محمد جعفر قائم بناه، نائب الرئيس الإيراني للشؤون التنفيذية، إن حجم التداول المالي لأدوات تجاوز الحجب يصل إلى 12 ألف مليار تومان سنوياً (63 مليون دولار)، مضيفاً أنه من غير الواضح من الذي يحصل على هذه الإيرادات.
وحذر نائب الرئيس التنفيذي، في مقابلة مع وكالة “إيسنا”، من أن تقارير المسؤولين الأمنيين تشير إلى أن استخدام أدوات تجاوز الحجب يسهل عمليات اختراق الشبكات والتجسس من جانب الأعداء.
وأضاف: “بيع أدوات تجاوز الحجب يحقق إيرادات تتراوح بين 7 و12 ألف مليار تومان (36 إلى 63 مليون دولار)، ولا نعرف إلى جيوب من تذهب هذه الأموال، لكننا نعرف أنها لا تذهب إلى شركة الاتصالات أو مشغلي الهاتف المحمول. يدفع الناس مبالغ كبيرة مقابل استخدام أدوات تجاوز الحجب، ومن الضروري إيجاد حل لهذا الأمر.”
وقدّرت جمعية التجارة الإلكترونية الإيرانية أيضاً، في أحد تقاريرها، حجم التداول في سوق أدوات تجاوز الحجب بما لا يقل عن نحو 5 آلاف مليار تومان سنويًا (نحو 26 مليون دولار). واستند هذا التقدير إلى عدد المستخدمين، ونسبة مستخدمي “في بي إن” المدفوع، ومتوسط تكلفة الاشتراك.
وعادةً ما تبدأ الأسعار من نحو 300 ألف تومان (1.5 دولار)، وقد تصل إلى مليون أو عدة ملايين من التومانات (5 أو 10 دولارات أو أكثر).
ويبلغ سعر الدولار حاليًا نحو 200 ألف تومان، بينما يبلغ سعر زجاجة مياه معدنية سعة نصف لتر في إيران نحو 10 سنتات أمريكية. كما يبلغ الحد الأدنى للأجور في إيران نحو 90 دولاراً، ما يجعل تكلفة “في بي إن” مرتفعة بالنسبة إلى كثير من الناس.
وتباع شبكات “في بي إن” المخصصة للتثبيت على الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة بأسعار مختلفة. ويبيعها أفراد عاديون، ومواقع إلكترونية، وقنوات على تلغرام، ومكاتب خدمات الهاتف المحمول، ومحال صيانة أجهزة الكمبيوتر.
وكان محمد رهبري، الباحث في شبكات التواصل الاجتماعي ومستشار وزير الاتصالات، قد قال أيضاً إنه إذا اعتُبر عدد السكان الذين تزيد أعمارهم على 15 عاماً نحو 65 مليون شخص، وافترضنا أن المستخدمين ينفقون 500 ألف تومان (2.5 دولار) شهرياً على “في بي إن”، فإن إجمالي الإنفاق الشهري قد يصل إلى 11–15 ألف مليار تومان (نحو 58–79 مليون دولار).
وحسب أحدث الإحصاءات، يبلغ عدد سكان إيران نحو 87 مليون نسمة، فيما يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت نحو 73.8 مليون مستخدم. ويشير هذا الرقم إلى عدد الأشخاص، وليس إلى عدد شرائح الهاتف أو الاشتراكات.
كما تمتلك إيران نحو 151 مليون اتصال بالهاتف المحمول، أي ما يعادل 163% من عدد السكان. ويرجع تجاوز هذا الرقم لعدد السكان إلى إمكانية امتلاك الشخص الواحد أكثر من شريحة هاتف محمول.