ربما أعرفه لأني قرأته كثيرا، أو لأني أتحسس شعريته التي تنفر عن التوصيف، وعن الزمن «الشعري» الذي صنعه بعضٌ من النقاد، لتمرير سردية «الأجيال الشعرية»، التي تحولت إلى «معيار أرسطي»، وإلى سرير «بروكست» في تقييم الجسد الشعري، لكن هذه التوصيفات لن تمنع من التعرّف على فرادته، وعلى حساسيته الشعرية، وعلى رائحة قلقه إزاء هواجسه بالتجاوز، وبجرأة خرق المألوف، والذهاب بالتجريب إلى أقصى «اللعبة الشعرية» حيث المغامرة والحلم، وحيث الوعي بالمفارقة، والتمرد على سياسة «جمعية الشعراء الموتى» كما سمّاها المخرج بيتر وير..
قد تكون استعادة الشاعر الراحل رفعت سلّام جزءا من تمثيل المفارقة في الزمن الشعري، لكنها ستكون أكثر اثارة عبر قراءة مشروعه الشعري، وعبر الكشف عن علاقة هذا المشروع بأسئلة قصيدة النثر الجديدة، وبمدى فاعليتها بـ»تمثيل المعرفة الشعرية» التي تمور بالصخب والمفارقات، وبالأسئلة التي تجسُّ المخفي من الأجناسي الشعري، ومن جدّة تحولاته، وقصديته في تمثيل «ماهية الشعر» بوصفه وجودا، أو بوصفه نزوعا إلى استغواء ذاكرة العابر بتوصيف بودلير، أو استدعاء الشاعر الذي يفكر وهو يكتب القصيدة، أو يتمرد تاريخ «القياس» والغلظة والفحولة..
ما بين هذا وذاك تُحرضني تلك الاستعادة على مقاربة تجربته، عبر الحفر في أبنيتها، وعبر مقاربة أسئلتها، وجدّتها في تمثيل تحولات الشعرية المصرية، على مستوى الريادة، أو على مستوى قطيعتها مع الأحكام المقفلة في التجييل الشعري، وكذلك على مستوى علاقتها بالتجريب والاغتراب داخل مشهد شعري صارم، من الصعب على الشاعر أن يخرقه، دون حيازة حساسية، أو حدوس ونبوءات، تجعله حاملا شغفه التجريبي بوصفه وعيا بالمغامرة، أو انشدادا إلى الحرية الفائقة، أو إلى تمثيل السؤال الأنطولوجي، أو بوصفه سؤالا صاخبا، مسكونا بهاجس الرؤيا التي تدفعه إلى ربط القصيدة بالكشف والمفارقة والموت والإحياء..
منذ كتابه الشعري الأول «وردة الفوضى الجميلة» 1987 وهو يثير أسئلة عن المختلِف في الكتابة الشعرية الجديدة، رغم أنه من «زمن شعري» صاخب في الثمانينات، حمل مغامروه «حلمي سالم، جمال القصاص، حسن طلب، شعبان يوسف، محمد آدم وغيرهم»، إلا أنه ظل هو الأقرب إلى سعدي يوسف في «نبرته الخافتة» كما أطلقته عليه فاطمة المحسن، إذ بدت هذه النبرة وكأنها تكبتُ صراخا عميقا، وشغفا بالتعبير عن أسئلة لا حدود لها، وعن رؤى بالمغامرة، وبتشهي التجاوز، بوصفه تمثيلا لوعي صاخب، أو بوصفه تماهيا مع فكرة البيان الشعري»، أو ما سماه البعض بـ»التيار الشعري».
تلك الحساسية الشعرية لم تكن عابرة، أو جزءا عابرا في تاريخ «التحول» بقدر ما كانت تمثيلا لوعيٍ شكاك، ينظر لفكرة التجاوز، بوصفها خرقا «للعصاب الشعري» بتوصيف ابن خلدون، حيث شكّل الانفلات من سلطة البلاغة إلى اليومي، ومن سلطة النمط إلى التشظي، مفارقة خطيرة في ترسيم رهانات المواجهة مع ذاكرة الاحتشاد في الذاكرة العربية، ومع حواضنها المتعددة، عبر أجيال وجماعات شعرية، وتحت مسميات متعددة، بعضها تاريخي، وبعضها تقليدي، وبعضها أيديولوجي.
نزعة التجريب قد تكون مبكرة، لكنها كانت بالنسبة له صاخبة، ومُهيَجة، ومفتوحة على هواجس شعرية، تتوزع بين التمرد والخفوت، أو بين الحضور والغياب، أو بين الاحتواء والنفور، وكلها ثنائيات تكشف عن وعي قلق، وعن سؤال مُستفِز، وعن لغةٍ لجوجة، لا تنحاز كثيرا إلى قاموس أو المخزن الشعري، بل استغرقتها استعارات أكثر تمردا على المألوف، وأكثر تجريبا، وهوسا بالكشف عن حمولات «نثرية الشعر»، وعن النظر إلى تمثيل «الذات المتمردة» على الأيديولوجيا، وعلى الهزيمة..
ما نجده في قصائد رفعت، بدا نازعا إلى مخيلة شعرية تتسع فيها استعارات الشعري، ليس بالمعنى البلاغي، بل في تلمس ما هو تصويري، ورؤيوي من خلال شعرية «النثر» ذاته، بوصفها فضاء، اتسعت معه لعبة الشعر، عبر التشكيل والتوتر، وعبر الحساسية الشعرية إزاء اليومي والهامشي والذاتي، فضلا عن نزوعها لتمثيل «الاشراقات» ليس بوصفها «الصوفي» بل بغواية استدعاء «الغائب الشعري» الغائب المتخيل، الذي يشده إلى حضور رمزي، تؤكده نبرة «ياء النداء» حيث يتحول الاستدعاء برمزيته، وبهوية إحالاته عبر الأسماء، إلى طقس للتطهير أو الخلاص، أو لمواجهة زمن الرداءة..
« أين أنت يا طرفة، يا نيرودا، يا بوشكين، يا سعدي يوسف، يا بتهوفن، يا اصلان، يا ريتسوس، يا دوستوفسكي، يا تشايكوفسكي، يا ما كوفسكي، يا رامبو، يا منيف، يا جويا، يا سميح، يا سيد درويش، يا طه حسين، وبيكاسو، يا تل الزعتر، يا يارا، يا يارا، يا حيدر، يا جيفارا، يا مايكل أنجلو».
هذا الاستدعاء لا يعني «استعادة الأب» بقدر ما يعني البحث عن «القوة» وسط عالمٍ تتسع فيه هزائم الشاعر وجيله، هزائم المدينة والحلم والثورة والسيرة، قبالة ما يمكن أن يصنعه الشاعر الوحيد، وهو يواجه «نسيان الكينونة» وهو النسيان الوجودي، الذي يدفعه إلى جحيم الفقد/ الغياب، وإلى عالم يمور بالنقائض، والتضاد، حيث الحساسية التي تأخذه إلى غياب الألفة، وإلى مغادرة لعبة الشاعر المغني، إلى حيث الهروب من التاريخ إلى اللغة، ومن الجماعة إلى الذات، ومن الرومانسية إلى الوجودية، حيث شعرية التأمل، وحيث شعرية الجسد، وحيث استنطاق الغائب، الغائر في ذاكرة الهزائم العربية، والانكسارات الأيديولوجية.
التجربة والامتداد
هذه التجربة التي عاش تحولاتها الشاعر مع جيل مصري صاخب مثل، فتحي سالم وجمال القصاص ومحمد عيد إبراهيم وغيرهم لها امتدادها مع تجربة السبعينيات العراقية واللبنانية، تلك التي استغرقتها يوميات الانكسار، والهروب من الوضوح إلى المخفي، ومن الواقع إلى الأسطورة، ومن الحزب والأيديولوجيا إلى «الذات القلقة» التي تعيش سأم المكان والنمط والمعنى، كما عند بودلير ورامبو، وعند شعرية ريتسوس يانيس، وحتى شعرية سان جون بيرس، التى تحولت في ما بعد إلى مشروعات للترجمة، شارك فيه رفعت سلّام مع أدونيس وكاظم جهاد وعلي اللواتي وشاكر لعيبي، حيث اندفع من خلالها إلى عالم شعري يجمع بين النثرية المكثفة، والتجريب بوصفه خيارا على مواجهة التاريخ، وعلى استغواء القصيدة بالرغبة، وبأن الشاعر القلِق الذي يسكنه سيظل محكوما بشهوات التمرد والنفور والشك، وكتابة قصيدة «المزاج» وقصيدة الإحساس بأن العالم يشبه المقهى، وأن اليومي لا يعني هروبا من العمومي والفلسفي والإنساني، وحتى من السياسي.. التأثر المبكر بالآخر لم يصنع له صدمة شعرية، بقدر ما وضعه إزاء سؤال شعري مغاير، سؤال لا يخص التاريخ، بل يخص القصيدة ذاتها، ويخص تمثيلها لرغبته، ولإحساسه بأن العالم ليس مباحا، وليس بريئا، لذا ظل ينحاز إلى التجريب، بوصفه وعيا قلقا، وبحثا عن التطهير، وهروبا من إثم التاريخ، ومعطف الأب الشعري، وتمثيلا ساخرا لفكرة المعنى، ولثنائية الخير والشعر، والحب والكراهية..
شعرية الماء.. استدعاء الغائب
في كتابه الشعري «وجه يطفو على الماء» 2007 تأخذه «النبرة الخافتة» إلى مواجهة وجوده المُهدد بالمحو، حيث يستدعي الرؤيا لاستكشاف الغائب، باحثا عن الوجود كنظير للبحث عن الذات، وحيث يستدعي المعنى الراحل مع القوافل كنظير للبحث عن الخلاص، وعلى نحوٍ تتسع معه الإحالات الرمزية، حيث الانقضاض، والاختفاء، وحيث ما سيأتي، وهي شيفرات يتبدى من خلالها قلق الشاعر في اغترابه، أو متاهته، أو في أزمة علاقته بالزمن السياسي، الزمن الواقف دائما عند «ساعة الصفر»، بوصفه زمن البوار والغياب، فلا يملك الشاعر إلا أن يستدعي «لحظة وعيه الماكرة» تلك اللحظة المستفزة، المتوهجة، التي يراقب من خلالها الشاعر المخفي من عالمه..
أيتها اللحظة الماكرة
قوافلُ تمضي إلى أفقٍ غائر أم هاوية؟ وتنساني وحيدا في براري الله.
شيءٌ ما يروغ، طائر ينقض بغتة ويختفي، منتصف الليل أم النهار؟
ساعة الصفر أم لحظة البوار؟
مات ما فات، وما سيأتي آت بلا انتظار..
اشراقات المعنى.. إشراقات الذات
قد تبدو «إشراقات» رفعت سلام، قريبة من المغامرات كما سماها إدوار الخراط، حيث التشهي بالبحث عن الاكتمال والوضوح واللذة بمعناها الرمزي، لكنها ستكون أكثر فاعلية في تمثيلها الشعري، إذ تُساكن وعي الشاعر وهو يستكنه ما يمور في اللغة إشراقات موازية، تتلبسها استعارات ومجازات ولغة بصرية، تدفعه إلى استغواء ما يخفيه الجسد من ألم وفقد، وما تستثيره الاستعارات من إفاضات في المعنى، وفي التورية على ما هو أيديولوجي أو نفسي..
وحتى في كتابه «ارعى الشياه على المياه» 2018 ظل مسكونا بهواجس شعرية غارقة بتجريب بصري مراوغ، لكنه مثير، وقريب من قلق الشاعر الوجودي، إذ عمد إلى البحث عن الشعري في السري، وفي المناجاة، حيث الكتب المقدسة وما حفلت به من إغواءات، ومن تواز دلالي، ومن رؤى عميقة، ومن استيهامات تتمثل انهماكاته باللغة وما تستبطنه من إحالات نفسية ورمزية، ومن تشكلات بصرية يجعل منها تمثيلا لوعيه التجريبي، وللرغبة في أن تكون القصيدة نشيده الشخصي/ خلاصه الشخصي، أو تمثيلا لاغترابه الذاتي، حيث عمد إلى اختيار «سفر الجامعة» من الكتاب المقدس، بوصفه سفر الحكمة والخلاص، قبالة ما يعيشه الشاعر من إحساس طاعن بالاغتراب، والفقد والضياع، والإحساس بـ»السأم» والملل، وأن لا خيار له سوى أن يذهب مع القصيدة الطقس، والقصيدة الصوت/ البوح/ الاعتراف، فيكتب مراثيه الشخصية، مراثي الوجود والجسد، لا يستخلص منها درسا اعترافيا بالمعنى المسيحي، بل يسعى إلى إعطاء الكتابة لأن تكون طقسا في «إنقاذ» ذاته عبر اللغة، وعبر مناكفة الواقع، والتلذذ بمواجهة الخطيئة، والإصغاء إلى صوت قرينه الشعري الخطّاء، الذي يتجاوز السقوط الميتافيزيقي إلى السمو الغاطس بمتعة الكلمات، وسحر الرؤيا، حيث تتسع شعرية النثر إلى ما يمنحها التشهي في أن تكون جزءا من سرِّ التشكل، ومن غواية الحضور عبر المراودة والتلمس، وعبر ما يتوتر فيها من إيقاعات داخلية، خارقة، سرانية، تظل باعثة على التحفيز والاستفزاز، وإلى دفع القارئ إلى سحر المختلف من القراءة، حيث التقاط العابر واليومي والهامشي، وحيث تقشير اللغة من غلظة المألوف، ومن إيقاع الرتابة في القصيدة الموزونة، ليجد القارئ نفسه إزاء فضاء شعري، ينفتح على ما يشبه «فائض المعنى» الذي تحدث عنه ريكور، حيث التأويل، وحيث البحث عن الضائع والمخبوء في الاستعارات..
كاتب عراقي