ثمة مفارقة تستحق التأمل في تاريخ العراق الحديث: الجماعة التي ستصبح بعد عقود من أكثر الجماعات حضورا في الجامعات والمدارس ومؤسسات الدولة، بدأت علاقتها بالتعليم الحكومي الحديث بقدر غير قليل من الريبة، بل وصل الأمر في السنوات الأولى من تأسيس المملكة العراقية إلى تحريم بعض رجال الدين دخول المدارس الحكومية. لم تكن المسألة مجرد خلاف على المناهج، بل كانت جزءا من سؤال أكبر: كيف يتعامل مجتمع شيعي خرج من الحكم العثماني، ثم قاوم الاحتلال البريطاني، مع دولة جديدة قامت تحت الانتداب وكانت المدرسة واحدة من أهم مؤسساتها؟
يلخص علي الوردي، عالم الاجتماع العراقي، تلك اللحظة في الجزء السادس من كتابه المهم «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث»، حين يذكر أنه عندما شرعت الحكومة العراقية في فتح المدارس «أعلن بعض رجال الدين تحريم الدخول فيها»، وأن التحريم وجد استجابة بين العامة، فكان الإقبال عليها ضعيفا. ولم يكن الشيعة ضد المعرفة في ذاتها، ومدنهم الدينية مثل النجف، وكربلاء، والكاظمية، تضم واحدة من أعرق منظومات التعليم التقليدي في العراق، وإنما كان السؤال: أي تعليم؟ ومن يديره؟ وأية دولة تقف وراءه؟ وكانت للريبة جذور عثمانية، ثم جاء الاحتلال البريطاني ليضيف إلى الشك المذهبي القديم شكا سياسيا جديدا.
لكن الموقف الشيعي لم يكن واحدا، فمن قلب المؤسسة الدينية خرج رجال رأوا أن الانكفاء عن التعليم الحديث سيقود في النهاية إلى الانكفاء عن الدولة والمجتمع. وكان السيد هبة الدين الشهرستاني من أبرزهم؛ وهو رجل دين ومجتهد وإصلاحي أصدر مجلة «العلم» في النجف، ثم أصبح وزيرا للمعارف في الدولة العراقية الناشئة. كما مثّل السيد محمد سعيد الحبوبي نموذجا لعالم الدين المنفتح على متغيرات عصره، وكان تأييده للتعليم الحديث حاسما حين لجأ إليه مؤسسو المدرسة الجعفرية لاستفتائه في مشروعية التعليم العصري وتعليم اللغات الأجنبية.
كانت معركة التعليم، منذ البدايات، معركة على شكل المجتمع العراقي وعلاقة الدين بالدولة، وعلى من يدخل مؤسساتها ومن يبقى خارج أبوابها
لكن الحكاية الأكثر طرافة بدأت قبل قيام المملكة العراقية، بعد ثورة المشروطة وإعلان الدستور العثماني سنة 1908، عندما انخرط علي آل بازركان، وهو سني تلقى تعليما عثمانيا، في تأسيس مدرسة حديثة لأبناء الشيعة في بغداد، هي المدرسة الجعفرية. ولم يكن عليه إقناع السلطات العثمانية وحدها، بل كان عليه أيضا إقناع أصدقائه من تجار وأعيان الشيعة بأن المدرسة الحديثة ليست طريقا إلى إفساد أبنائهم. ومن المفارقات أن إحدى الحجج التي استعان بها لم تبدأ بكتاب أو فتوى، وإنما بجهاز تحضير الشاي الروسي: «السماور». يروي آل بازركان أن صديقه داود جلبي أبو التمن، أحد كبار تجار الشيعة في بغداد في نهاية القرن التاسع عشر، استورد وجبة من السماورات الروسية نفدت سريعا من السوق لجودتها وجمالها. وحين أراد آل بازركان شراء واحد منها، أبلغه أبو التمن إنها نفدت، وطلب من كاتبه اليهودي شوميل سوميخ أن يبرق إلى المصدر الروسي لاستيراد وجبة جديدة. وبعد مدة رأى آل بازركان السماورات معروضة لدى تاجر آخر، فعاد معاتبا أبا التمن. وعندما تحقق الأخير من الأمر اكتشف أن كاتبه طلب الوجبة الجديدة لمصلحة تاجر يهودي. التقط آل بازركان من الحادثة معنى يتجاوز الخلاف التجاري، وحوّل الحديث إلى سؤال التعليم: لماذا نلوم اليهود على تفوقهم في التجارة والحسابات، بينما يتعلم أبناؤهم الحساب واللغات والعلوم الحديثة ويبقى أبناؤنا محرومين من أدوات المنافسة نفسها؟ ومن هنا استخدم الواقعة لإقناع أصدقائه من التجار والأعيان الشيعة بدعم إنشاء مدرسة يتعلم فيها أبناؤهم، إلى جانب العلوم الأساسية، اللغات الأجنبية الضرورية للتجارة والعالم الجديد. وهكذا أصبح السماور الروسي، على نحو غير متوقع، جزءا من حكاية التعليم الحديث في العراق.
نجح مشروع المدرسة الجعفرية، التي شارك في إدارتها الشيخ شكر، أحد رجال الدين الشيعة في بغداد، إلى جانب علي آل بازركان الأفندي البغدادي، الذي اضطلع بدور أساسي في تأسيسها. لكنها لم توفر تعليما ثانويا لأسباب كثيرة، واقتصرت الدراسة فيها على المرحلتين الابتدائية والمتوسطة. لكن المعضلة لم تنته بقيام المملكة سنة 1921، بل أصبحت أكثر وضوحا، فالدولة الجديدة تحتاج إلى الموظف والمعلم والقاضي والطبيب والضابط، ومن بقي خارج المدرسة بقي عمليا بعيدا عن الوظيفة الحكومية وعن جانب متزايد من المجال العام.
ويبدو أن الملك المؤسس فيصل بن الحسين أدرك مبكرا خطورة هذه الفجوة. فالدولة التي كان يحاول بناءها لا تستطيع الاستقرار، إذا بقي الشيعة، وهم الكتلة السكانية الاكبر في العراق، على هامش جهازها الإداري. ومن هنا لم يكن نشر التعليم في المناطق الشيعية مسألة تربوية فقط، بل إحدى وسائل إدماج الشيعة في الدولة، لذلك أصبحت وزارة المعارف من الوزارات التي تولتها شخصيات شيعية بصورة متكررة، وأصبح ذلك الأمر عرفا في تشكيل الوزارات المتعاقبة، وأن أول وزير للمعارف في أول وزارة في عهد الملك فيصل الاول في 27 سبتمبر 1921، كان السيد هبة الدين الشهرستاني. ويجسد عبد الحسين الجلبي، جد السياسي العراقي أحمد الجلبي، هذه المرحلة بوضوح. إذ كان من كبار وجهاء الكاظمية وتجارها، لكنه اختار الانخراط في مشروع الدولة ودعم التعليم، وتولى وزارة المعارف ثماني مرات خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. وكان لذلك ثمن داخل بيئته الاجتماعية. وتروي حفيدته تمارا الجلبي، ابنة أحمد الجلبي، في كتابها «وصول متأخر لحفل شاي في قصر الأيل»، أن الصدام بلغ حد تحريم بعض مراجع الكاظمية على عبد الحسين الجلبي، دخول المرقد الشريف، ما اضطره للانتقال من الكاظمية والسكن في قصر الأيل على الطريق بين الكاظمية وبغداد. إنها شهادة عائلية، لكنها تكشف حجم التوتر الذي كان يمكن أن يثيره اختيار الانخراط في مؤسسات الدولة في بدايات تكوينها. ولم تكن معركة الجلبي مع الوسط المحافظ وحده. ففي الجهة الأخرى وقف ساطع الحصري، مدير عام التعليم، وصاحب النفوذ الواسع في رسم سياسات التعليم العراقي، حاملا تصورا مختلفا لوظيفة المدرسة، إذ أراد الحصري لها أن تكون أداة لبناء الهوية القومية العربية، بينما كان هاجس رجال مثل الجلبي أكثر اتصالا بمشكلة المشاركة في الدولة وتوسيع قاعدة التعليم. وتكشف مذكرات الحصري عن علاقة مضطربة بالجلبي واختلافات في إدارة المعارف، لكن العلاقة لم تكن خصومة شخصية خالصة؛ بل تشير وثيقة صادرة من مجلس الوزراء العراقي سنة 1931 إلى أن الجلبي نفسه اقترح منح الحصري وسام الرافدين من الدرجة الثانية، تقديرا لخدماته في إصلاح التعليم، وتلك مفارقة كاشفة: رجال يختلفون حول معنى التعليم واتجاهه، لكنهم يدركون أن بناء الدولة أصبح مستحيلا من دونه. لهذا لا تبدو المدرسة الجعفرية مجرد فصل صغير في تاريخ التعليم، ولا تبدو قصة السماور طرفة بغدادية. فكلاهما يقود إلى السؤال الذي واجه الشيعة في بداية القرن العشرين: هل تحمي الجماعة نفسها بالابتعاد عن مؤسسات الدولة الحديثة، أم أن هذا الابتعاد سيجعلها أضعف داخلها؟
اختار جانب من المحافظين الحذر والمقاطعة، فيما اختار الإصلاحيون طريقا آخر، ودفع بعضهم ثمنا اجتماعيا لذلك، وأثبتت العقود التالية أن المدرسة لم تكن مكانا لتعلم القراءة والحساب فحسب، بل الممر إلى الإدارة والقضاء والجيش والمهن الحديثة، وبالتالي إلى المشاركة في إنتاج السلطة نفسها. ولهذا كانت معركة التعليم، منذ البدايات، معركة على شكل المجتمع العراقي وعلاقة الدين بالدولة، وعلى من يدخل مؤسساتها ومن يبقى خارج أبوابها. وفي عشرينيات القرن الماضي كان ذلك الباب يحمل لافتة صغيرة كتب عليها «مدرسة»، لكن خلفه كانت تقف الدولة العراقية كلها.
كاتب عراقي