نتنياهو والمستوطنون: زعيم الإرهاب يدين الإرهابيين!


 استجاب رئيس وزراء إسرائيل، أخيرا، للضغوط الدولية عليه في خصوص الإجرام المنفلت للمستوطنين في الضفة الغربية، فندد بأعمال العنف التي ارتكبوها بعدما هاجم العشرات منهم بلدة قصرة الفلسطينية، أول أمس السبت، في نقلة ملحوظة من تكتيك الحصار، المتواصل منذ قرابة ثلاثة أسابيع، إلى الهجمات المباشرة على المدنيين في منازلهم.
تبدو كلمات نتنياهو، عن «العنف الإجرامي» الذي ارتكبته قطعان المستوطنين، قادمة من مخلوق فضائي غريب وليس عن الشخص الذي قامت مسيرته السياسية على تمجيد العنف الإجرامي ليس ضد الفلسطينيين فحسب، بل على من سعوا لتسوية معهم، كما حصل مع رئيس وزراء إسرائيل الأسبق اسحق رابين، الذي حمّلت عائلته نتنياهو مسؤولية في مصرعه على يد القاتل اليميني المتطرّف ايغال عامير.
«اكتشف» نتنياهو فجأة «عنف المستوطنين»، لكنه لم يتبرأ من مسؤوليته عن المشروع العنيف الذي يدير إجرامهم.
على مدى مسيرته السياسية الطويلة، عمل نتنياهو على إلغاء إمكانية وجود دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، وكان وما يزال أحد أعمدة الاستيطان، الذي أضاف إليه مسؤولياته عن الإبادة الجماعية للفلسطينيين، في غزة، والتطهير العرقي لهم في الضفة الغربية، فتبوأ مكانه الطبيعي ضمن أشرس تيارات الصهيونية الدينية تطرفا التي يمثلها تيارا ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وأضرابهما.
لا يمكن تفسير هذه «الإدانة» الكاريكاتورية، إلا ضمن سياق نزاع الأولويات والملفات بين إدارتي دونالد ترامب، ونتنياهو، فهي تأتي بعد مطالبة الولايات المتحدة رئيس حكومة إسرائيل علنا باتخاذ موقف من حصار المستوطنين لقصرة، وكذلك بعد أن وصف سفير أمريكا مايكل هاكابي محاصري قصرة بأنهم «إرهابيون»، وبعد أن طالب عشرات من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الحكومة الإسرائيلية بكبح موجة العنف، والتحقيق في اعتداءات طالت فلسطينيين، بينهم مواطنون أمريكيون.
جاء ذلك أيضا بعد أن ذهب الاتحاد الأوروبي مسافة أبعد من إدانة الاعتداءات، فحذر من مشروع E1 الاستيطاني الذي يخطط لفصل شمال الضفة عن جنوبها ويعزل القدس الشرقية، ويقضي عمليا على ما تبقى من إمكانيات إقامة دولة فلسطينية متصلة.
ما يريده نتنياهو عمليا هو فرض المستوطنات من دون صور تحرجه، وضم من دون الكشف عن إجرام المستوطنين، وتغيير جذري لجغرافية الضفة الغربية من دون فضح مشاهد المستوطنين الملثمين الذين يهاجمون بيوت الفلسطينيين أمام كاميرات العالم.
غير أن فلسطينيي الضفة لا يواجهون المستوطنين المسلحين الملثمين، بل يواجهون السياسات التي وضعتها وتحميها حكومة إسرائيل: البؤر الاستيطانية، والطرق الالتفافية، والحواجز والبوابات العسكرية، ومنع البناء ومصادرة الأراضي، وهي أدوات تراكمت لتحول المدن والقرى الفلسطينية إلى ما يشبه الجزر المنفصلة داخل بحر السيطرة الإسرائيلية.
تظهر أرقام الأمم المتحدة، بوضوح، أن هذا الأمر تجاوز منذ زمن طويل حدود الحوادث الفردية، فقد وثقت أكثر من 1380 حادثة مرتبطة بالمستوطنين حتى نهاية شهر تموز/ يوليو الماضي، ما أثّر على 250 تجمعا فلسطينيا، وأدى لنزوح أكثر من 2300 فلسطيني خلال العام بسبب الهجمات والرعاية الرسمية لها.
نصل هنا إلى غرابة أن يحذر الجيش الإسرائيلي حكومته من فقدان السيطرة، وهذا الخلاف بين القيادة العسكرية وحكومة نتنياهو لا يتعلق طبعا بتعاطف مع الفلسطينيين، بل بالقلق من أن يؤدي عنف المستوطنين المدعوم من حكومة نتنياهو، وشرطة بن غفير، إلى انفلات لا يمكن السيطرة عليه.
يجري هذا فيما تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، فيما تحاول واشنطن لملمة خطتها لإنهاء الحرب، وذلك على خلفية إقليمية متأرجحة أيضا مع دخول الصراع الأمريكي – الإيراني شهره السادس من دون حسم، بحيث أصبح عبئا سياسيا وعسكريا واقتصاديا على إدارة ترامب، وهو سبب إضافي لمنع فتح جبهة فلسطينية واسعة لا أحد يستطيع تقدير تداعيات آثارها الداخلية والإقليمية.
الموقف الأمريكي نابع إذن من الحاجة إلى ضبط حليف أصبحت سياساته قادرة على إشعال أكثر من أزمة في الفترة نفسها، وهو يقارب، إلى حدود، المواقف الأوروبية، التي تتجه إلى تعامل أكثر حدة مع نتنياهو وشركاه، أما نتنياهو نفسه، فهو يوازن بين رغبته في إشعال الضفة، للدفاع عن أجندته التاريخية، وعلى أمل تحقيق نتائج أفضل في الانتخابات، وبين غضب حلفائه التاريخيين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *