بيروت ـ «القدس العربي»: شهد الجنوب اللبناني وتحديداً مرتفعات علي الطاهر وعربصاليم والنبطية الفوقا تصعيداً عسكرياً ملحوظاً بعد مزاعم الجيش الإسرائيلي بأن «حزب الله» «أطلق خلال الساعات الماضية مسيّرتَين مفخختَين في اتجاه قواتنا العاملة في منطقة مرتفعات علي الطاهر»، حيث استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي صباحاً على دفعتين، حرج علي الطاهر عند الأطراف الشرقية للنبطية الفوقا، ملقياً عدداً من الصواريخ الارتجاجية التي أحدثت تفجيراً كبيراً تردد صداه في أرجاء المنطقة، وتعالت جراءه سحب الدخان الكثيف.
وتمددت الغارات ليلاً إلى بلدتي زوطر الشرقية وميفدون وكذلك المنصوري مستهدفة عدداً من المباني في البلدة، وسمع صوت الانفجارات في مدينة صور والقرى المحيطة، ما تسبب بتحطم زجاج عدد من النوافذ في قرى المحيط. وعاود الطيران الحربي غاراته اعتباراً من الثانية والنصف بعد ظهر أمس رداً على ما سمّاه خرق «حزب الله». وأفيد عن غارتين على عربصاليم استهدفت إحداهما محيط المجمع ما أدى إلى استشهاد المواطنة سجى موسى شرارة التي تزوجت منذ يومين فقط وجرح آخرين بعدما أغارت الطائرات على منزلهم وسط البلدة ودمّرته.
تدمير منازل
كما شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارة على منزل مميز للمغترب راني صباح في حي الثكنة في بلدة النبطية الفوقا ودمّرته، فيما استهدفت مسيرة بلدة النبطية الفوقا وأخرى دوحة كفررمان. وأعلن الجيش الإسرائيلي الخميس «مهاجمة بنى تحتية تابعة لتنظيم حزب الله» في منطقة النبطية جنوب لبنان».
وقالت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، إيلا واوية، في بيان نشرته على صفحتها بمنصة إكس أمس، إن «ذلك جاء رداً على إطلاق مسيّرات مفخخة نحو قواتنا في المنطقة الأمنية».
استشهاد عروس في عربصاليم بعد 48 ساعة من زفافها وتدمير منازل بصواريخ الطائرات
وأضافت: «هاجم جيش الدفاع مستودعات خُزنت فيها وسائل قتالية تابعة لتنظيم حزب الله» الإرهابي، كانت مخصصة لاستهداف قوات جيش الدفاع ومواطني دولة إسرائيل». وأشارت إلى أن «الغارات نفذت ردًا على محاولة تنظيم حزب الله» الإرهابي العمل خلال الليلة الماضية ضد قوات جيش الدفاع العاملة في منطقة مرتفعات علي الطاهر في المنطقة الأمنية، حيث أُطلقت مسيّرتان مفخختان نحو القوات. لم تقع إصابات في صفوف قواتنا». وأكدت أن جيشها لن يسمح للحزب بالمساس بمواطني إسرائيل وقواته، و«سيواصل العمل لإزالة التهديدات».
5 محلقات
وقد لفتت إذاعة جيش الاحتلال إلى «أن حزب الله» أطلق خلال هذا الشهر 5 محلقات مفخخة في اتجاه قوات الجيش الإسرائيلي التي حاولت العمل في منطقة علي الطاهر». وكانت قوة إسرائيلية ترافقها دبابات وجرافات عسكرية، توغلت في الأطراف الغربية لمدينة ميس الجبل، منطقة الدبش، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف عددًا من المنازل في المنطقة، إضافةً إلى إقدامها على حرق منازل وجرف خيم زراعية موجودة في المكان.
وتزامن التوغل مع وصول شاحنة محملة بالمواد المتفجرة استخدمت لتنفيذ تفجير في حي الدبش. كما توغّلت دبابتان إسرائيليتان من طراز «ميركافا»، ترافقهما عدد من الآليات العسكرية، في الأطراف الشرقية لبلدة كفرشوبا، وتحديدًا في منطقة الشميس، حيث عمدت إلى رفع علمها في المنطقة. وتزامن التوغّل مع تنفيذ عمليات تمشيط مكثفة بالأسلحة الرشاشة في اتجاه محيط المنطقة، في ظل استمرار التوتر الأمني على طول الخط الحدودي.
وطالت عملية التمشيط المنطقة الواقعة بين مشاع المنصوري ومجدل زون في وادي حسن جنوب شرق صور، وأطراف بلدة حاريص لجهة بلدة حداثا مستهدفة المنازل وقاطنيها. وتعرضت بلدة المنصوري لقصف مدفعي طال أطراف بلدتي ميفدون وزوطر الشرقية.
عيسى: يجب تسليم السلاح
في هذه الاثناء، واظب السفير الأمريكي ميشال عيسى إطلاق المواقف حول ضرورة تسليم «حزب الله» سلاحه. وأشار بعد زيارته شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى إلى أنه أوضح له بعض الاستفسارات.
وسئل حول مدى التقارب في وجهات النظر فيما يتعلق بالجنوب ومنطقة علي الطاهر، فأجاب «اللبنانيون كلهم متفقون على وضع واحد وهو تسليم سلاح «حزب الله»، وكل شخص لديه فكرة معينة حول كيفية إتمام هذه المسألة، لكن الرسالة الوحيدة هي بأن «حزب الله» يجب أن يسلم سلاحه وتكون الدولة وحدها تملك السلطة.
أما بخصوص الضمانات فهي أن تكون السيادة محصورة في الدولة وكذلك الدفاع مهتمة به، وبما أنها تملك السلطة والكيان والعلاقات مع الدول فليس من مشكلة وتستطيع الاتصال بالدول لمساعدتها».
وعن كيف سيتم ذلك في ظل انقطاع التواصل بين رئيس الجمهورية و«حزب الله»، وطرح الرئيس نبيه بري؟ قال «لا أدري من أين أتيت بهذه الأخبار بأنه لا يوجد كلام بين رئيس الجمهورية و«حزب الله»، أعتقد بأن الكلام دائماً موجود بشكل مباشر أو غير مباشر، مسألة علي الطاهر تحدثنا عنها بالأمس، كما تعلمون بأن المسألة ليست محصورة بلبنان فهناك إيران والولايات المتحدة الأمريكية، والمشاكل التي تحصل تؤثّر كثيراً على المحادثات هنا، ولا نستطيع «تمشيتها» إلى حين معرفة ماذا سيحصل في المنطقة هناك أيضاً. والموضوع ليس مرتبطاً مباشرة بين لبنان وإيران وإنما الموضوع هناك يؤثر على حالة لبنان، طالما «حزب الله» لا يزال معلقاً بالقرارات الإيرانية، علما اننا حاولنا أخذ الدولة اللبنانية وإسرائيل كي تتعاطا سوياً وتقرران مصيرهما».
وحول كلامه عن المفاوضات مع «حزب الله» التي قد تتنافى مع دور الدولة اللبنانية، أجاب السفير عيسى «ربما فهمتم خطأ، قلت بالأمس: إذا كان لدى «حزب الله» شيء ممكن أن يقدمه فنحن مستعدون لمناقشته مثلاً، ولا نريد منه أكثر من تسليم سلاحه ولا نطلب منه زيادة عن ذلك. ما قصدته إذا قرر الحزب الحديث معنا فليتحدث مع الدولة اللبنانية التي نحن نتحدث معها ويقولون لها إننا على استعداد لتسليم سلاحنا، ساعتئذ وفي هكذا حال نساهم بتقريب الآراء ونتحدث مع «حزب الله» من خلال الدول اللبنانية عبر المفاوضات. «حزب الله» حتى الآن لا يريد التحدث لا مع الدولة ولا معنا ولا مع إسرائيل، لأنه فقط يتلقى الأوامر من إيران».
ولدى القول له إذا رفض «حزب الله» بالمطلق تسليم سلاحه فما هو الحل؟ أجاب: «نحنا ناطرين، شو بدي قلك يعني؟!».
السفير الأمريكي يصوّب من مشيخة عقل الدروز على سلاح «الحزب»… ويتساجل مع جنبلاط
وعن المفاوضات في روما، قال «المحادثات مع إسرائيل أكان «حزب الله» موجوداً أم لا هي محادثات بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، بالنسبة لنا نعمل على التقريب بين إسرائيل والدولة اللبنانية، وإذا حُلّت الأمور بين الدولتين تبقى مسألة «حزب الله»، ونرى واقع وجوده وإذا كانت إيران لا تزال موجودة وتدافع عن «حزب الله»، وإذا كانت إيران «تحلحلت» أيضاً. المحادثات بين لبنان وإسرائيل بوجود «حزب الله» وعدم وجوده».
وحول التفجيرات الحاصلة يومياً في الجنوب، لفت إلى «أننا نتحدث مع إسرائيل حول هذه الضربات وإنها غير مقبولة ونضغط لتخفيفها أيضاً، إنما هناك مسألة نتحدث بها وهي انه تطلبون كل شيء من إسرائيل ولا تطلبون شيئاً من «حزب الله»، لنا أكثر من سنة ونصف وسنتين نطلب من «حزب الله» اتخاذ قرار بأنه على استعداد لتسليم سلاحه كي نقول لإسرائيل انهم على استعداد لتسليم سلاحهم وأنتم قدّموا أيضاً، لكن الحزب – وقالها القماطي لا الدولة ولا إسرائيل لا نريد تسليم سلاحنا – فكيف يمكن ان تتعاطى معه! وعلى أي أساس تجبر إسرائيل بالانسحاب، ويقول: حتى لو انسحب لا نسلم السلاح». وسئل هل الحزب اذاً يعطي الذريعة لإسرائيل؟ فأجاب «ذريعة أو غيرها، توجد حرب هنا لا يريدون ذريعة لاستكمال الحرب».
سجال مع جنبلاط
وحول اللقاء مع شيخ العقل، وموقف وليد جنبلاط من الاتفاق؟ قال: «الحديث مع شيخ العقل كان فيه تجاوب كبير وما تحدثنا به كان لصالح لبنان، وكيف عودته مستقلاً ومزدهراً. أما قصة جنبلاط…نهار بدو نهار ما بدو، وسأتحدث معه قريباً، لم أره منذ زمن لنرى، وهناك جولة».
وعلّق الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عبر حسابه على «أكس» على كلام السفير عيسى، قائلاً «يبدو أن السفير الأمريكي ميشال عيسى، وسط انشغالاته الثقافية والسياسية المتعددة، لم يتمكن من قراءة ملاحظاتي على الوثيقة المسماة بـ«الإطار الثلاثي» التي أرفضها، والتي ينبغي استبدالها باتفاقية الهدنة التي نصّ عليها اتفاق الطائف والقرار 1701».
وفي المواقف، لفت رئيس الجمهورية العماد جوزف عون إلى «أن هناك فئة في لبنان ترفض سيادة الدولة وتعتاش على غيابها»، قائلاً «إن في لبنان صراعاً داخلياً بين من هو نقيض الدولة وبيننا نحن»، مؤكداً في عيد الأمن العام أنه «مهما عملتم، نحن مستمرون من أجل المواطن». واشار إلى «أن الظروف الصعبة لا تحول دون تحقيق الإنجازات»، مشدداً على «أن وجود الإرادة الصلبة يجعل الحواجز والتحديات تختفي». أما البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي فتطرق إلى وضع الجنوب، وقال «تبقى الأولوية حماية الأهالي ومنع الانزلاق إلى المزيد من التصعيد، حتى يعود الاستقرار إلى القرى والبيوت، ويبقى الناس في أرضهم بأمان وكرامة». وأكد «أن المفاوضات يجب أن تثمر نتائج واضحة، وأن تقترن بجدية في التنفيذ والتزام ما يتم الاتفاق عليه. فالناس لم تعد تقيس الأمور بكثرة الاجتماعات، بل بما يتحقق فعلياً على الأرض. وتأتي مسألة السيادة وهيبة المؤسسات»، لافتاً إلى «أن المطلوب حضور كامل على مساحة الوطن، وقرار شرعي واضح، ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق وتنفيذ القانون. فالهيبة لا تصنعها الشعارات، بل الحضور الفعلي والقرار المسؤول. وهذا يقود مباشرة إلى تحمل المسؤولية».
أضاف الراعي «لقد آن الأوان للانتقال من تبادل الاتهامات إلى قرارات فعلية تخدم المصلحة الوطنية. فاللبناني لا يحتاج إلى معرفة من يلوم من، بل إلى أن يرى من يتحمل مسؤوليته ويبدأ بالحل. أما الإصلاح فلم يعد يحتمل مزيداً من الوعود. المطلوب خطوات جدية تعيد ثقة الناس بالمؤسسات، وتثبت أن الإصلاح ليس عنواناً يرفع، بل ممارسة ترى في القانون والإدارة والمحاسبة».
وتابع «تبقى إعادة الإعمار وعودة الأهالي في صلب الأولويات. فالمناطق المتضررة ليست مجرد ملف، والبيوت ليست أرقاماً؛ بل وراءها عائلات وذكريات وحياة كاملة. إعادة البناء هي إعادة الإنسان إلى أرضه ومستقبله. أما الوحدة الوطنية، فهي الأساس الذي يجمع كل ذلك. لا يجوز أن يتحول الخلاف إلى خطاب طائفي أو إلى انقسام جديد. لبنان يحتاج إلى لغة وطنية جامعة، وإلى التقاء اللبنانيين حول ما يحمي وطنهم لا حول ما يفرقهم».