لم يفلح سكان مدن فلسطين، في سنوات ما بعد 1948، في تحقيق ما نجح أبناء الريف الفلسطيني في تحقيقه. لم يتمكّنوا من الحفاظ على ترابطهم الاجتماعي والعائلي بعد نزوحهم إلى حيث أقاموا في بلدان لجوئهم. عن مدينة حلب، حيث ولد ماجد كيالي ونشأ، يكتب: «لم يكن في محيطنا أقارب من الدرجة الأولى أو الثانية، باستثناء جدتي لوالدتي»، فيما الأولاد الآخرون من أبناء المدينة عاشوا في كنف أقارب.
يكثر كاتب مذكّراته من تعداد أنواعهم «أجدادا وجدّات وأخوالا وخالات وأعماما وعمّات وأولاد عم وأولاد خال وأولاد عمّة وأولاد خال وأولاد عمة وأولاد خالة»، كأنه يعدّد ما لدى الأولاد الآخرين وحُرم هو منه. كما أنه لم يجد في مّن عاش طفولته بينهم تعويضا عن ذلك الفقد، فكان زملاؤه هناك يعاملونه كغريب، أو كابن لشعب باع أرضه، حسب تنمّر كان شائعا آنذاك.
لكن حين صار في عمر التاسعة بدأ التعرّف على نفسه، وذلك بعد تأسيس حركة فتح ونشوء منظمة التحرير الفلسطينية، ذلك كان بداية لتعرّفه على من هو وعلى انتسابه إلى هويّة. وهذا ما بدّل من كلام زملائه ونظرتهم إليه. كان نشاط الحركة في التعريف بقضية فلسطين وجمع أبنائها كثيفا آنذاك ومتّصلا، ما أدى به، بعد قليل من السنوات، إلى أن ينضمّ إلى صفوف فلسطينيين جاؤوا من بلدان نزوحم المختلفة، فغادر حلب متجها مع رفيق له إلى الأردن. كان التدريب القتالي قاسيا، لكنه تمكن من تحمّله حتى نشوب المواجهة بين الفصائل الفلسطينية والجيش الأردني، فاضطر إلى العودة إلى حلب، ثم إلى دمشق. هناك انخرط في النشاط الاجتماعي والشبابي ، ثم في النشاط السياسي. الجزء الأول من كتابه خُصّص لما كان عليه العمل الفدائي الذي تنقّل فيه خلال سنوات عمله داخل منظمة فتح، حتى خروجه منها بعد أن عصفت بها المنازعات الداخلية، واتخاذ قادتها قراراتٍ لم يرَ أنها متوافقة مع ما قامت عليه أهدافها.
عمله في السياسة يشكّل العمود الفقري للكتاب ولحياته معا. لقد ظلّ خوض تلك التجربة الواسعة متابَعا منه حتى بعد انتقاله إلى سرد جوانب أخرى من حياته. ففي أحد الأجزاء الأخيرة من المدوّنة، وفيها تذكّره لشخصيّات زاملها أو التقاها، أو حاورها، كانت السياسة وأفكارها هي التي جمعته بهم. من هؤلاء ماجد أبو شرار ومرعي عبد الرحمن وسميح شبيب وميشال كيلو وصابر محيي الدين: جميع هؤلاء وغيرهم هم من الراحلين، حيث في النصوص التي خصّصها لهم تسود نبرة رثاء وعرفان.
ولم تكن حياة كاتبنا بعد استقالته من العمل السياسي بعيدة عن السياسة، كانت هذه مركز اهتمامه وعمله طيلة السنوات، بل العقود التي تلت. كانت حاضرة أكثر الحضور في كتاباته وندواته وأسفاره وعلاقاته السياسية المدوّنة، التي «ليست شخصية» كما يقول في العنوان، مهجوسة بالسياسة على الدوام، ما يجعل حياته الشخصية قائمة خارجها، لم يذكر عن تعرّفه بزوجته إلا القليل المقتصر على ارتباطه بها، وكذلك الحال مع أبنائه الذين لا يظهر ذكر لهم في الكتاب، إلا وهم شبّان كبار متفرّقون في أنحاء من العالم.. لكن هل آثر كاتبنا استبعاد ما هو شخصي التزاما بما كان قرّره وعنون به كتابه «ليست شخصية»، أو أن الحياة، حين نقدم على إيجاد وصف لها، نقتصر غالبا على وجهة واحدة منها؟
على أي حال لا يغيب الحضور الشخصي عن المدوّنة، خاصة حين يأتي كاتبها على ذكر ما عاشه، وما عاناه أو استخلصه من عيشه، لكن دائما كان متصلا بشخصيته الدالة على كونه فلسطينيا، أقصد أنه جمع بين كلامه عن طفولته كونه غريبا وفلسطينيا، وإذ يصف حياته كتلميذ يبدو كأنه يعني مجموع الصغار الذين عاشوا تجربته تلك. وإذ يكتب عن البلدان التي تنقّل بينها وأقام في كل منها، مثل الولايات المتحدة وألمانيا وتركيا، كان عمله مقتصرا على لقاء من كانت تربطه بهم علاقة سياسية، ويكتب للصحف والمواقع الإعلامية ويقيم الندوات. وهو هناك، كان يكتب عن هنا ويرافق من كانوا رفاقه هنا. ولا تستثنى من ذلك زيارته إلى فلسطين، داخلا إليها بجواز السفر الأمريكي الذي يحمله، حيث سيتعرّف أولا على من كان يعرفهم من قبل، ومن بعدهم على آخرين بينهم إسرائيليون مؤيّدون لقضية فلسطين.
وفي هذا الفاصل من تنقّلاته يذكر كيف ووجه بانتقادات حاججها رادّا عليها. لكن يبقى أن هذه الزيارة ستلقى التركيز الأكثف، إذ يتداخل فيها وصف الجمال المبهر للأمكنة مع الشعور المرير بخسارته، هكذا مثل سائح يستمتع يدلّ على روعة ما سُلب منه. هنا أيضا، وأنا أقرأ الكتاب، دُفعت إلى أن أفكّر معه وأتأمّل فيما يراه بعينيه، واصفا بنفسي وصفا ملحقا عن شعورَه حيال التفرّج على مدن مثل عكا والقدس واللدّ، التي كان ينبغي لها أن تكون، لولا النكبة، مسقط رأسه.
«مدوّنة ليست شخصيّة ـ من دفاتر الزمن الفلسطيني السوري» لماجد كيالي صدرت عن «دار كنعان» في 256 صفحة، سنة 2026.