سوريا.. من “قائمة الإرهاب” إلى “ورشة بناء إقليمية ضخمة”


 كسينيا سفيتلوفا

 أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، رسمياً، شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. أصدرت وزارة الخزينة الأمريكية البيان الذي طال انتظاره، وبعد بضع ساعات وجهت دول رئيسية في الشرق الأوسط تهنئتها للطرفين. ووصفت السعودية والكويت والإمارات، وبالطبع تركيا، هذه الخطوة بأنها إيجابية وضرورية لخلق ظروف اقتصادية أفضل، وربط سوريا باقتصاد العالم، وتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار في الدولة.

كانت الولايات المتحدة قد صنفت سوريا كدولة راعية للإرهاب في 1979 في أعقاب تورطها في حرب لبنان ودعم التنظيمات الفلسطينية الإرهابية. لقد منع هذا التصنيف تعامل البنوك الدولية مع سوريا خشية من العقوبات. وأدى إلى استبعادها شبه التام عن اقتصاد العالم. وقد زاد هذا الإجراء بشكل كبير من اعتماد سوريا على الاتحاد السوفييتي سابقاً، وبعد سقوطه زاد اعتمادها على إيران. والآن، لم يبق في قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب إلا كوبا وإيران وكوريا الشمالية، ما أدى إلى جعل سوريا خارج هذا القرار.

 منذ تولي أحمد الشرع للحكم فقد عمل بلا كلل من أجل هذه اللحظة، لأنه لم يكن من المحتمل إعادة إعمار سوريا المدمرة على نطاق واسع ما بقيت على القائمة المذكورة. ورغم التزام الكثير من الدول المعلنة باستثمارات ضخمة في اقتصاد سوريا، لم تبدأ الأموال في التدفق حتى الآن. فما دامت سوريا في القائمة السوداء، لم يكن بالإمكان القيام بأي تحرك تجاهها، وبقيت اتفاقيات التعاون الكثيرة حبراً على ورق.

أعلن الشرع علناً تنصله من صلته بـ “القاعدة” و”داعش”، بل إنه انضم إلى الحرب الأمريكية التي تشن ضد “داعش” في سوريا، وتعهد بالتعاون الكامل في تدمير السلاح الكيميائي الذي بقي من عهد الأس

 ولتسريع العملية، أعلن الشرع علناً تنصله من صلته بـ “القاعدة” و”داعش”، بل إنه انضم إلى الحرب الأمريكية التي تشن ضد “داعش” في سوريا، وتعهد بالتعاون الكامل في تدمير السلاح الكيميائي الذي بقي من عهد الأسد. والأهم أنه يمثل رسالة للغرب تقول بأن سوريا الآن مختلفة، وأنها تتوق إلى الاستقرار والسلام.

 تكمن أهمية هذه الخطوة بالنسبة لسوريا في إحداث ثورة اقتصادية. فمنذ كانون الأول 2024 جاء الكثير من المستثمرين من الدول العربية والغربية إلى دمشق للفوز بمناقصات ضخمة، وبدأوا بالفعل في تقاسم المكاسب السورية بترقب شديد لقرار الولايات المتحدة. وقد تعهدت السعودية بتمويل الكثير من المشاريع، بما في ذلك إنشاء شركة طيران سعودية – سورية جديدة، وتطوير مطارين في حلب، وبناء محطات لتحلية المياه ومشاريع اتصالات تزيد قيمتها على 10 مليار دولار. وأنشأت قطر شركة ضخمة للطاقة، ووقعت على اتفاق لإعادة تأهيل مطار دمشق. أما الإمارات فقد ركزت على الموانئ والنقل، وتشمل خططها إنشاء مترو أنفاق في دمشق وإعادة تأهيل ميناء طرطوس. تعرف الدول العربية أن الطريقة الوحيدة لمنع إيران من العودة إلى الأراضي السورية هو استقرار النظام وإعادة الإعمار وتحقيق انتعاش اقتصادي ملحوظ، ويفضل أن يكون هذا مزيجاً من هذه العناصر.

على إسرائيل معرفة أن هذا المسار انطلق، وأن أسلوب العمل السابق الذي كان يساعد عندما كانت سوريا تحت سيطرة الأسد وإيران وروسيا، مثل القصف المتكرر والعنف، لم يعد مناسباً للوضع الراهن. إذا سارت الأمور حسب الخطة، ستصبح سوريا قريباً ورشة بناء ضخمة، وستكون الجهات الممولة والمنفذة شركات من الإمارات وقطر والسعودية والولايات المتحدة. في ظل هذا الوضع، يجب على إسرائيل الحذر الشديد حتى لا تلحق الضرر بالمصالح العميقة لحلفائها، مثل الولايات المتحدة والإمارات ودول أخرى، التي لها علاقة وثيقة مع واشنطن مثل قطر والسعودية وتركيا.

 قد يكون هذا التطور إيجابياً بالنسبة لإسرائيل، ومن الأفضل لها التدخل فيما يحدث في سوريا، سواء للاستفادة من الوضع الراهن أو ضمان عدم وصول الأموال الطائلة التي تتدفق حالياً على دمشق إلى جيوب المنظمات المتطرفة التي لم تصبح حتى الآن من محبي صهيون. ستبقى إسرائيل جارة لسوريا، ومن المفيد أن تكون جارة لدولة ناجحة ومستقرة. بإمكان إسرائيل التعاون مع سوريا في مجالات كثيرة، مثل تحلية المياه والطاقة والزراعة الحديثة والطب والصيدلة. ولتحقيق ذلك، يجب على إسرائيل أولاً وقبل أي شيء آخر السعي إلى عقد اتفاق أمني لخفض التوتر ورسم حدود واضحة توفر الأمن للطرفين.

 ومثلما هي الحال في أي ساحة أخرى في الشرق الأوسط، فإن إسرائيل بحاجة إلى خريطة طريق وسياسة للتعامل الأمثل مع التحديات الجديدة. تبدأ سوريا فصلاً جديداً في تاريخها، وستساعدها دول كثيرة منها شركاء إسرائيل المقربون، على التعافي وتحقيق أهدافها. ما زالت سوريا تواجه قضايا أمنية وتعيد بناء مؤسساتها وتقوم بحل الأزمات مع الدروز والأكراد. من المرجح أن يسهل الدعم الاقتصادي الذي يتوقع أن يصل في القريب هذه الأزمات، وسيتيح لدمشق المزيد من المحفزات لتقديم هذا الدعم. وحتى لو واصلت إسرائيل سياسة التصادم مع النظام السوري، فلن تتمكن من وقف هذا التوجه، ولكنها ستبعد نفسها عن مركز اتخاذ القرارات التي ستؤدي بالتدريج إلى علاقة مختلفة كلياً مع دمشق.

هآرتس 26/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *