حين تصبح الميليشيا ثقافة: مأزق الدولة في العراق


 قد تنجح الدولة العراقية في نزع سلاح الميليشيات، من دون أن تنجح في إنهائها. فالبندقية ليست سوى الجزء الظاهر من ظاهرة تمددت، خلال أكثر من عقدين، من المجال العسكري إلى السياسة والاقتصاد والإدارة، حتى تسرب منطقها إلى الثقافة الاجتماعية نفسها. ومن هنا يكتسب النقاش الدائر في العراق حول حصر السلاح بيد الدولة ومستقبل الفصائل المسلحة أهمية تتجاوز الجانب الأمني، ولا سيما مع الاستحقاقات المتصلة بعلاقة بغداد بالتحالف الدولي وإعادة تنظيم المجال الأمني. لكن اختزال المشكلة في عدد البنادق والصواريخ والمخازن الواقعة خارج السيطرة الحكومية، قد يحجب جانبا أكثر عمقا من الأزمة: فالتحدي لا يكمن في وجود جماعات مسلحة فحسب، بل في تفكيك البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي جعلت من السلاح مصدرا للقوة والنفوذ، وأتاحت للمنطق الميليشياوي أن يتجذر داخل الدولة والمجتمع. ولهذا ينبغي منذ البداية التمييز بين نزع سلاح الفصائل وإنهاء ظاهرة الميليشيا.
قد تنجح الدولة، نظريا، في جمع الأسلحة المتوسطة والثقيلة، وإغلاق المقار العسكرية، ووضع المقاتلين ضمن مؤسسات رسمية، ومع ذلك تظل البنية التي أنتجت الميليشيا قائمة، فالميليشيا في التجربة العراقية بعد 2003 لم تعد مجرد رجال مسلحين يقفون خارج بوابة الدولة، لقد أصبحت، في حالات عديدة، شبكة مركبة تتداخل فيها القوة العسكرية مع الحزب السياسي، والتمثيل البرلماني والمصالح الاقتصادية، والوظائف الحكومية والولاءات الاجتماعية، والعلاقات الإقليمية. ومن هنا فإن نزع البندقية من يد المقاتل قد يكون أسهل بكثير من تفكيك البنية التي جعلت تلك البندقية مصدرا للنفوذ والشرعية والحماية.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تصبح القوة المسلحة وسيلة طبيعية للمشاركة في السياسة، ففي الدولة الحديثة يفترض أن يقود النشاط السياسي إلى السلطة عبر الانتخابات والمؤسسات والقانون، بينما شهد العراق، في مراحل مختلفة بعد 2003، مسارا معاكسا: القوة على الأرض يمكن أن تنتج نفوذا سياسيا، والنفوذ السياسي يفتح أبواب المؤسسات والموارد الاقتصادية، وهذه الموارد تعود بدورها إلى تعزيز القوة الأصلية، وهكذا تتكون دائرة مغلقة يصعب كسرها بمجرد قرار إداري لجمع السلاح. هذه الدائرة هي ما يمكن تسميته بـ»ملشنة» المجتمع والدولة معا: أي انتقال الميليشيا من كونها تنظيما مسلحا إلى كونها منطقا لإنتاج القوة والنفوذ وممارسة السياسة. وهي أخطر من وجود تشكيل مسلح معروف الاسم والقيادة، لأنها تحول الميليشيا من جسم استثنائي إلى طريقة في ممارسة السياسة. فحين يصبح امتلاك القدرة على الإكراه ميزة تفاوضية، وحين تعرف الجماعات السياسية أن وزنها لا تحدده أصوات ناخبيها وحدهم، وإنما ما تستطيع تحريكه خارج المؤسسات أيضا، يتغير معنى العملية السياسية نفسها. عندها لا يعود السؤال من فاز في الانتخابات فقط، بل من يستطيع فرض شروطه إذا لم تعجبه نتائجها. ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي لأي تحول من الميليشيا إلى الحزب ليس تغيير الاسم أو إغلاق المقر العسكري، وإنما قبول قواعد السياسة المدنية. الجماعة المسلحة تصبح حزبا سياسيا بالفعل عندما تصبح خسارتها في الانتخابات أمرا يمكنها احتماله، من دون أن تستدعي القوة أو التهديد بها. وتصبح جزءا طبيعيا من الديمقراطية عندما تتساوى مع منافسيها في الوسائل المتاحة، فلا يمتلك طرف صندوق اقتراع وبندقية في الوقت نفسه، بينما لا يمتلك الآخر سوى صندوق الاقتراع. وهذه ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل شرط أولي لوجود منافسة سياسية حقيقية.

لقد أثبتت التجربة العراقية أن السلاح قادر على التحول إلى رأسمال سياسي، وأن الرأسمال السياسي قادر بدوره على حماية السلاح. وكسر هذه الحلقة هو التحدي الحقيقي

ولذلك فإن حصر السلاح بيد الدولة لا يعني نقل البنادق من مخزن تابع لفصيل إلى مخزن يحمل لافتة مؤسسة رسمية. احتكار الدولة للقوة يعني، قبل كل شيء، احتكار قرار استخدامها. من يقرر الحرب والسلم؟ من يصدر أمر التحرك العسكري؟ من يملك منظومات الاتصالات والاستخبارات؟ ومن يحدد مصادر التمويل والتسليح والتجنيد؟ إذا بقيت الإجابات موزعة بين الدولة ومراكز قرار موازية لها، فإن تغيير الصفة القانونية للتشكيلات المسلحة لن يغير جوهر المشكلة. وهنا يظهر خطر ربما يكون أكبر من بقاء الميليشيات خارج الدولة، هو «مأسسة الميليشيا» بدلا من إنهائها. أي أن تدخل الجماعات المسلحة إلى المؤسسات الرسمية بأسمائها أو بأسماء جديدة، فيما تبقى قياداتها القديمة وولاءاتها وشبكاتها الداخلية ومصادر قرارها على حالها. في هذه الحالة لا تكون الدولة قد احتكرت القوة، وإنما تكون قد منحت تعدد مراكز القوة غطاء قانونيا. ويصبح الفارق بين الرسمي وغير الرسمي ضبابيا إلى درجة يصعب معها معرفة أين تنتهي المؤسسة العامة وأين يبدأ التنظيم الخاص. لكن «ملشنة» العراق لا تقف عند حدود السياسة والأمن. فهناك اقتصاد كامل يمكن أن ينشأ حول القوة. العقود والمنافذ والشركات والوظائف وشبكات المحسوبية ليست قضايا منفصلة عن السلاح، بل قد تكون جزءا من شروط بقائه. التنظيم الذي يفقد مخازن أسلحته لكنه يحتفظ بموارد مالية كبيرة ونفوذ إداري وشبكات تجنيد وقيادة متماسكة يستطيع، إذا تغيرت الظروف، أن يعيد بناء جناحه المسلح. ولهذا فإن تفكيك الاقتصاد السياسي للميليشيا لا يقل أهمية عن تفكيك بنيتها العسكرية. غير أن المستوى الأكثر صعوبة يبقى اجتماعيا وثقافيا. فالظاهرة الميليشياوية لا تعيش بالسلاح وحده، وإنما تحتاج إلى بيئة ترى وجود السلاح الخاص أمرا مشروعا، أو ضروريا. وحين تعتقد جماعة دينية، أو طائفية، أو سياسية أن الدولة لا تستطيع حمايتها، أو أنها لا تضمن مصالحها، إلا بوجود قوة تخصها، تصبح الميليشيا بالنسبة إليها نوعا من التأمين السياسي، وهنا يصبح السلاح نتيجة للخوف بقدر ما يكون أداة للقوة.
لقد مر المجتمع العراقي، خلال العقود الأخيرة، بسلسلة طويلة من الحروب والحصار والانهيار المؤسسي والاحتلال والإرهاب والصراع الطائفي. وفي مثل هذه البيئات تنمو الجماعات الأولية على حساب الدولة، ويبحث الفرد عن الحماية في العشيرة والطائفة والحزب والجماعة المسلحة. ومع مرور الزمن قد تتحول هذه الاستجابة الاستثنائية إلى ثقافة مستقرة: لكل جماعة حُماتها، ولكل حزب قوته، ولكل أزمة احتمال أن تُحسم خارج المؤسسات. عندئذ تكون «ملشنة» المجتمع قد بلغت مرحلتها الأخطر، لأنها لم تعد تحتاج دائما إلى مسلح ظاهر في الشارع؛ يكفي أن يبقى الاعتقاد بأن القوة الخاصة هي الضمان الأخير للحقوق والمصالح. ولهذا لا يمكن إنهاء الظاهرة بإقصاء القوى التي ارتبطت بالفصائل المسلحة من السياسة. مثل هذا الخيار قد يعيد إنتاج المشكلة بصورة أشد. المطلوب هو العكس: فتح الطريق أمام انتقالها الكامل من منطق الجماعة المسلحة إلى منطق الحزب المدني، أن تشارك في الانتخابات، وتدخل البرلمان والحكومة، وتعارض وتخسر وتفوز، لكن وفق القواعد نفسها التي يخضع لها الآخرون. فالديمقراطية لا تطلب من أي تيار أن يتخلى عن أفكاره، لكنها تطلب منه التخلي عن حقه الخاص في فرض تلك الأفكار بالقوة. وفي هذا المعنى يصبح إنهاء الميليشيات مشروعا لبناء الدولة أكثر منه عملية أمنية. فالدولة لا تصبح قوية لأنها تمتلك عددا أكبر من البنادق، وإنما لأنها تجعل امتلاك الآخرين للبنادق غير ضروري سياسيا واجتماعيا. عندما يثق المواطن بأن الشرطة تحميه أيا كانت طائفته، وأن القضاء يستطيع إنصافه، وأن خسارة حزبه في الانتخابات لا تعني إقصاءه من الوطن، وأن الوظيفة والخدمة العامة لا تحتاجان إلى وسيط مسلح، يبدأ الأساس الاجتماعي للميليشيا في التآكل.
لقد أثبتت التجربة العراقية أن السلاح قادر على التحول إلى رأسمال سياسي، وأن الرأسمال السياسي قادر بدوره على حماية السلاح. وكسر هذه الحلقة هو التحدي الحقيقي. فلا يكفي أن تسلم الفصائل أسلحتها إذا بقيت الفكرة التي أنتجتها حية: فكرة أن الدولة ليست المرجع الأخير، وأن لكل جماعة حقا ضمنيا في الاحتفاظ بقوتها الخاصة تحسبا لليوم الذي تحتاج إليها فيه.
إن عراقا بلا ميليشيات ممكن، لكنه لن يولد في اليوم الذي يُغلق فيه آخر مخزن للسلاح، بل سيبدأ بالظهور عندما تتوقف السياسة عن مكافأة من يمتلك القوة خارج مؤسساتها، وعندما يصبح القانون أكثر قدرة على الحماية من الجماعة، والمواطنة أكثر ضمانا من الطائفة، والمؤسسة أقوى من الزعيم. عندها فقط لن يكون حصر السلاح بيد الدولة شعارا أو حملة مؤقتة، بل نتيجة طبيعية لتحول أعمق: الانتقال من دولة تحاول احتواء الميليشيات إلى مجتمع لم يعد يحتاج إلى إنتاجها.
كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *