العلاقات الدولية بين الدبلوماسية والابتزاز


يُفترض أن تكون علاقات الدول مع بعضها قائمة على أسس التعاون لتحقيق المصالح المشتركة، وليس بسبب الإكراه أو الاضطرار او حتى الضرورة الطارئة. كما يُفترض أن تتمتع الدول بالسيادة الكاملة على أراضيها وقراراتها، ولا تتحرك تحت ضغوط الإكراه والتهديد من أحد. مع ذلك فالواضح من سياق العلاقات الدولية أن الدول لا تحظى دائما بحرّيّة اتخاذ قراراتها الخاصة التي تعتبرها ضرورة لتحقيق مصالحها، بل تجد نفسها تحت تهديد أو ابتزاز من الآخرين.
وهذا لا يتماشى مع روح البروتوكولات الدبلوماسية وأنظمة الأمم المتحدة. فحتى الآن بقيت المنظمة وغيرها محكومة بقرارات الدول الأعضاء التي تمتلك حق التصويت المتساوي بخصوص قراراتها، بدون تمييز. هذه الحقيقة لا تنطبق على مجلس الأمن الدولي الذي تنحصر عضويته الدائمة بالدول الخمس الكبرى، أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، وهي وحدها التي تمتلك حق النقض. فكيف يمكن إدارة العالم إذا كانت مصالح الدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن تحظى بالأولوية ولا يمكن إخضاعها للمزاج الدولي العام؟
إن التساوي في الحقوق والواجبات من أبجديات العلاقات الدولية، ولكن ذلك لا يحدث في الدوائر الدبلوماسية بشكل دقيق. فما يزال للقوّة دورها في توجيه سياسات الدول ومواقفها في المنظمات الدولية.
ويمثل الابتزاز إحدى وسائل الضغط على المنظمة الدولية. فالدول ملزمة بدفع التزاماتها المالية لها. بينما تتلكأ واشنطن في ذلك على نطاق واسع. وقبل بضعة شهور أعلنت الأمم المتحدة، أن الولايات المتحدة سدّدت نحو 160 مليون دولار فقط من إجمالي مستحقاتها المتأخرة للأمم المتحدة، التي تتجاوز حاجز الـ4 مليارات دولار. وهذه الدفعة مخصّصة للميزانية التشغيلية العادية، وتأتي في وقت تواجه فيه المنظمة أزمة تمويل خانقة قد تؤدي «لانهيارها» ماليا. وليس خفيّا أن هذا التلكؤ في الوفاء بالالتزامات له دوافع سياسية وليس ناجما عن صعوبة مالية لدى أمريكا. فهي قادرة على «التبرّع» بمبلغ 10 مليارات دولار لما يسمى «مجلس السلام» الذي بادر ترامب للإعلان عنه العام الماضي، ولكنها تتباطأ في الوفاء بالتزاماتها تجاه الأمم المتحدة. ويؤكّد مسؤولو الأمم المتحدة إن الولايات المتحدة مدينة بمبلغ 2.19 مليار دولار للميزانية الاعتيادية حتى بداية فبراير/شباط الماضي، وهو ما يمثل أكثر من 95% من إجمالي ديون دول العالم للمنظمة، وبالإضافة إلى ذلك، تدين واشنطن بمبلغ 2.4 مليار دولار لبعثات حفظ السلام الحالية والسابقة، ونحو 43.6 مليون دولار للمحاكم الدولية التابعة للأمم المتحدة.
إن استخدام الالتزامات المالية بدوافع سياسية لا يخدم أهداف المنظمة الدولية التي يُفترض أن تكون كيانا جامعا لدول العالم تستطيع من خلاله تخفيف التوترات وتحقيق التفاهمات خصوصا في حالات التوتر والاضطراب السياسي. ويجدر التأكيد على أن تأسيس الأمم المتحدة جاء بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة أكثر من 60 مليون إنسان، واضطرت زعماء الدول الكبرى للبحث عن آليات للتعاطي مع التوترات التي تفضي إلى النزاعات المسلحة وربما تؤدي إلى حروب عملاقة مدمّرة. فأساس التعاون الدولي ليس المال فحسب، بل الاعتراف المتبادل بحق الوجود وسيادة الدول على أراضيها وقراراتها، واحترام الحدود والتعاون من أجل تحقيق التنمية وإقرار السلام، بالإضافة لحماية هذا الكوكب بشكل جاد. ولا شكّ أن الدول الكبرى تتحمّل القسط الأكبر من المسؤولية بسبب إمكاناتها، وفي الوقت نفسه، فإن الدول الأخرى مطالبة كذلك بالمساهمة الإيجابية من خلال الأمم المتحدة لتفادي النزاعات المسلّحة وترويج مبادئ التفاهم والحوار. فبرغم الانتقادات التي تُوجه للأمم المتحدة وأمينها العام حول مدى فاعلية العمل المشترك من خلال هذه المنظمة، ففي غياب بديل عملي فاعل، تبقى الأمم المتحدة مؤسسة ضرورية لتأطير العمل الدولي المشترك، مهما كان حجمه.
ومن المؤكد أن هناك صعوبات جمّة تعترض العمل الدولي المشترك، وتساهم في تهميش دور الأمم المتحدة في التعاطي مع النزاعات والصراعات. ويؤكد التاريخ المعاصر أن دورها في منع حدوث الصراعات، أو إخمادها إذا اندلعت، محدود جدّا. وليست هناك نماذج مشرقة تكشف نجاح الأمم المتحدة في حل الخلافات الدولية. هذا برغم أن مسؤوليها يبذلون جهودهم على أوسع نطاق لاحتواء الأزمات. فقد لقي داغ همرشولد، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، مصرعه في 18 سبتمبر/أيلول 1961 إثر تحطم طائرته قرب مدينة ندولا في روديسيا الشمالية (زامبيا حالياً). وكان في مهمة سلام للتفاوض على وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب الأهلية في إقليم كاتانغا بالكونغو، وما زالت ملابسات الحادث تثير شكوكاً حول احتمال إسقاط الطائرة. إنها تضحية كبرى لا يمكن إنكارها أو التقليل من حجمها. وتتعرض فرق الإغاثة التابعة للأمم المتحدة في غزّة لاعتداءات إسرائيلية متكرّرة، وما أكثر عمال الإغاثة الذين لقوا مصرعهم. ففي العام الماضي فحسب، قتل 186 شخصا منهم في غزّة.
الأمم المتحدة تدفع ثمناً بشرياً ومادياً باهظاً في مناطق الصراعات حول العالم، حيث يفقد آلاف الموظفين وعمال الإغاثة وجنود حفظ السلام حياتهم سنوياً أثناء تأدية مهمّاتهم في حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية وتثبيت وقفات إطلاق النار في بيئات بالغة الخطورة والتعقيد. فقد تعرّض آلاف من جنود «الخوذات الزرقاء» والمراقبين الدوليين للقتل أو الإصابة في نزاعات دموية متعددة، مثل الكونغو، رواندا، البوسنة، والصومال، دفاعاً عن الهدنات وحماية السكان المحليين. وتفقد وكالات الأمم المتحدة (مثل برنامج الأغذية العالمي ومفوضية اللاجئين والأونروا) عشرات الموظفين المحليين والدوليين كل عام جراء القصف أو الاستهداف المباشر في مناطق الحروب مثل غزة، السودان، وسوريا. ويعمل طواقم المنظمة في ظروف قاسية تعرضهم للإصابة بالأمراض الفتاكة والصدمات النفسية والتهديدات الأمنية المستمرة بدون حمل سلاح هجومي.

 إن آفاق التعاون بين دول العالم مفتوحة، ولكن يعترضها من جانب الإنسان عدد من الأمور: انعدام الوعي، المزاج، الاستهلاك، اللامبالاة، الأنانية وحبّ الذات

ماذا تعني هذه الحقائق؟ إن التعاون المطلوب من دول العالم لتطوير العمل المشترك له تكاليفه البشرية والمادّيّة، ومطلوب من حكومات الدول إعداد مسؤوليها الكبار وكوادرها لتحمّل أعباء ذلك العمل. وفي غياب الآليات الدولية التي تُلزم الدول بهذه المشاركة، فإن المسؤولية الإنسانية تقتضي ترويج ذلك من خلال مشاريع التوعية والتأكيد على وحدة مصير سكان العالم. وفي الأوضاع الراهنة الحاليّة تتضاعف ضرورة العمل المشترك لمواجهة التحدّيات البيئية التي تهدّد حياة البشر على ظهر هذا الكوكب. وهنا سوف تنكشف الحقائق بجلاء، ويتضح مدى الالتزام بمشاريع التصدّي للمخاطر البيئية. فظاهرة النينو تمثل ذروة التداعي البيئي الذي يمثل أكبر خطر يواجه الكوكب. والنينو تغير مناخي طبيعي يتمثل في ارتفاع غير طبيعي في درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي. تؤدي هذه الظاهرة إلى اضطرابات جوية هائلة حول العالم، وتشمل آثارها حدوث فيضانات في مناطق وموجات جفاف شديدة في مناطق أخرى. والعالم يعيش هذه الظاهرة بشكل واضح، حيث يشعر الكثيرون بعدم القدرة على تقديم ما يساهم في احتوائها أو التخفيف منها سوى ما تطرحه المنظمات العالمية من ضرورة تغيير أنماط الحياة والحدّ من الاستهلاك واستنزاف ما تبقّى من مياه سطحية وجوفية، والتخلّي عن ثقافة «البلاستيك» التي تعبّر عن الإفراط في الاستهلاك على حساب نظافة البيئة.
إن آفاق التعاون بين دول العالم مفتوحة، ولكن يعترضها من جانب الإنسان عدد من الأمور: انعدام الوعي، المزاج، الاستهلاك، اللامبالاة، الأنانية وحبّ الذات. وما لم يتم الحد من هذه الظواهر، فسوف يستمر التداعي البيئي وما ينجم عنه من تغيرات مناخية مدمّرة. إن تغيير السلوك الإنساني بشكل محدود لا يعني الحرمان من الملذات والعيش الكريم، بل يعني الانضباط الواعي وتعميق تلاحم الإنسان مع البيئة من حوله. فالخطر المحدق بالبشرية أغلبه من صنع الإنسان نفسه، وما لم يمارس تغيير نمط حياته ويتوجّه لتصحيح أسس علاقته مع الطبيعة فيكون أكثر احتراما لها وصداقة معها، واستيعابا لمقتضيات تلك العلاقة، فسوف يستمر الدوران في الحلقات المفرغة وما ينجم عن ذلك من تدمير متواصل للبيئة، وما له من انعكاس ليس على حياة الإنسان فحسب، بل على مستقبل الحياة بشكل عام على ظهر هذا الكوكب. ويمكن الاستفادة في هذا المجال من حادثة وفاة الاكاديمي الأسود بجامعة كامبريدج، جيسون أرداي، الأسبوع الماضي الذي دفعه التعامل العنصري معه إلى الانتحار. والعبرة هنا أن رفع شعار «مكافحة العنصرية» لا يكفي ما دامت العنصرية عميقة في نفوس بعض سكان الكوكب.
٭ كاتب بحريني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *