عاموس هرئيل
سُجل في نهاية الاسبوع تبادل للاتهامات بين الولايات المتحدة واسرائيل حول الهجوم الاسرائيلي في شمال سوريا. تصر اسرائيل على ادعائها بان قصف المطار السوري أبو الظهور جاء لإحباط نقل وسائل قتالية ومرابطة مستشارين عسكريين اتراك في المكان، قبل أن تخرج الخطة الى حيّز التنفيذ. وانتقد الدبلوماسي الأمريكي توم باراك، مبعوثُ الرئيس ترامب الى سوريا، وسفيرُ الولايات المتحدة في تركيا ايضا، انتقد القصف وألمح بأنه جاء لأغراض سياسية حزبية. أما ترامب نفسه فلم يتحدث في الموضوع بعد.
ذكر باراك في مقابلة صحفية “نظرية واحدة… هم (الاسرائيليون) حاولوا ببساطة إغراء تركيا (على الرد)”. وعلى حد قوله فان “هذه خطوة عدوانية جدا، لكنها قد تُستقبل جيدا قبيل الانتخابات”. ومن جهته أصدر وزير الدفاع إسرائيل كاتس ردا على ذلك، بلاغا جاء فيه أن “الجيش الاسرائيلي أوصى عدة مرات بتنفيذ هجوم على المطار في ضوء المعلومات الاستخبارية الواضحة التي وصلت عن نية تركيا بتنفيذ أعمال تعرّض للخطر أمن دولة اسرائيل”. بل وادعى كاتس بان أقوال باراك “مليئة بعدم الدقة”.
في الجيش الاسرائيلي يؤكدون أنه تراكمت مؤخرا معلومات استخبارية عن مخططات تركية لانتشار عسكري في المطار
في الجيش الاسرائيلي يؤكدون أنه تراكمت مؤخرا معلومات استخبارية عن مخططات تركية لانتشار عسكري في المطار. تُقيم تركيا تواجدا عسكريا في شمال سوريا منذ 2017 على الأقل، وكانت مشاركة جدا في دفع جبهة الثوار السورية المركزية، هيئة تحرير الشام، للسيطرة على معظم أراضي الدولة وإسقاط نظام الاسد في دمشق في نهاية 2024. لكن العلاقات بين الطرفين مركّبة، والرئيس السوري أحمد الشرع يفضّل تلقي المساعدة من الاتراك دون أن يقبل منهم إملاءات مباشرة.
في مطار الشمال، كان يفترض أن تُنشر منظومات دفاع جوي ومسيّرات. جرى الحديث أيضا عن نقل مستشارين عسكريين أتراك لمساعدة الجيش السوري على تأهيل رجاله في استخدام المنظومات. حذرت اسرائيل مباشرة حكومتي تركيا وسوريا عدة مرات، قبل أن تقرر إخراج الهجوم الى حيز التنفيذ. وحتى عندما قررت التنفيذ، حرصت على أن تهاجم قبل أن يتم تثبيت أي تواجد تركي في المكان ودون المخاطرة بإصابة رجال جيش اتراك.
لكن هذه ليست سوى نصف القصة. بداية، مثلما المح باراك، من الصعب تجاهل الشك في أنه توجد هنا اعتبارات أخرى من الجانب الاسرائيلي. ثمة التعليل الاساس الذي ذكره كاتس “في أن الدرس المركزي لمذبحة 7 أكتوبر”، على حد قوله، هو المبادرة والعمل العسكري لإحباط التهديدات مسبقا. غير أنه فضلا عن ذلك، تحرص حكومة اسرائيل على إشعال النار في عدد كبير من الجبهات في وقت واحد. فإلى لبنان، قطاع غزة والضفة الغربية – حيث يعمل المستوطنون من اليمين المتطرف في ظل إسناد من داخل الحكومة – تضاف الان الجبهة السورية. بضع مرات في كل أسبوع، يهدد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والوزير كاتس بأعداء متكاثرين. الهدف ليس فقط الردع، بل خلق أجندة تعكس حالة طوارئ أمنية دائمة. حين لا يكون للحكومة ما تبيعه، حين تفشل في مهام أساسية مثل الاداء الجاري لمطار بن غوريون وحين تتخلف كتل الائتلاف في الاستطلاعات، ستبقى دوما الذريعة الأمنية.
لكن الخلاف العلني بين كاتس وباراك هو حالة نادرة نسبيا في الفترة الاخيرة، حيث تعلو الخلافات الأمريكية – الاسرائيلية فوق السطح. في قطاع غزة، حاليا، يكتفي الأمريكيون بالتوبيخ والتذمر من خلف الابواب الموصدة. في الأسبوع الماضي عُقد اجتماع متوتر جدا بين نتنياهو وبين ممثلي ترامب ومجلس السلام الدولي لغزة – جارد كوشنر، نيكولاي ملادينوف وطوني بلير – لكن الحكومة امتنعت حاليا عن تسريب الأمور الى الخارج.
بعد عودة نتنياهو من زيارته الأخيرة الى واشنطن، في نهاية تموز/ يوليو، اتّبع نتنياهو سياسة أكثر لجما في قطاع غزة بناء على طلب ترامب. لكن بعد نحو أسبوع، غيّر مرة أخرى رأيه، وحلّ لجام الهجمات للجيش الاسرائيلي. الأمريكيون معنيون أساسا بتقليص ما يسمى “الضرر الجانبي” – قتل مدنيين غير مشاركين في هذه الهجمات. في هذه اللحظة، لا يوجد قيد على استمرار الاغتيالات لمخربي حماس ممن شاركوا في مذبحة 7 اكتوبر أو ممن يعدون الان خططا لعمليات جديدة.
يُحتمل أن تكون الادارة تبدي تفهما معينا لاضطرار نتنياهو في الجبهة السياسية الداخلية، ولتخوفه من أن يظهر ضعيفا في نظر ناخبيه. وفي هذه الاثناء تتركز الشكاوى الأمريكية في سوريا – التي في شأنها تحدث باراك لكن ليس ترامب، وفي الضفة الغربية – التي يتصدر النقد على سلوك اسرائيل فيها السفيرُ الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي.
في الخلفية لا تزال توجد مسالة السياسة الأمريكية تجاه إيران، وبشكل غير مباشر، تداعياتها ايضا بالنسبة للوضع في لبنان. لقد هجر ترامب مؤخرا كل التهديدات تقريبا لاستئناف الهجوم العسكري على إيران، ويُركز على تشديد الاجراءات الاقتصادية ضدها. يبدو أنه يحقق نجاحا ما في هذا الموضوع: فمسؤولون كبار في النظام في إيران، وعلى رأسهم الرئيس مسعود بزشكيان، يعربون عن قلق متزايد من الاضرار الهائلة التي يلحقها الحصار الأمريكي والعقوبات على الاقتصاد الإيراني. الى جانب ذلك، في الإدارة الامريكية يدعون ان الإدارة تنجح مؤخرا في أن تتسبب بارتفاع في حجم كمية النفط الصادرة من الخليج، رغم سد الايرانيين لمضيق هرمز.
مع ذلك، من الصعب أن نرى حاليا كيف سيترجم هذا النجاح الى استسلام أو مرونة إيرانية. حتى اليوم، وظَهر الايرانيين الى الحائط، رفضوا الاستسلام. يحتمل أن يأتي ردهم مرة أخرى في شكل تشديد الهجمات العسكرية على الدول المجاورة، وعلى رأسها السعودية والامارات. أما من لا يكاد يذكر في هذا السياق فهي اسرائيل، التي تنظر في هذه اللحظة الى المجريات من الجانب. كالمعتاد، لا يمكن ان نستبعد أي سيناريو في حالة ترامب، بما في ذلك العودة الى الحرب. لكن الاستعدادات الملموسة لهجوم عسكري والتي نُفذت فقط قبل بضعة أسابيع، تبدو في هذه اللحظة كموضوع بعيد، بل وربما منسي.
هآرتس – 23/8/2026