العدالة تُقاس بقدرة المرأة الفعلية على الاختيار والمشاركة



حاورها: عبد اللطيف الوراري

نشأت النسوية العربية في سياق النهضة الحديثة، ثم تدرّجت من الإصلاح الاجتماعي والتربوي والدفاع عن تعليم المرأة، إلى المطالبة بحقوقها القانونية والسياسية، قبل أن ترقى إلى إنتاج خطاب نسوي قائم بذاته يهمّ في الأساس نقد السلطة الأبوية والإصلاح الأسري والمساواة والعدالة والتمثيل الثقافي وغير ذلك. ولكنها ليست تيارا واحدا؛ فقد تداخلت فيها اتجاهات نسوية متعددة: ليبرالية، واشتراكية، إسلامية، وما بعد استعمارية، إلخ.
تعدّ الباحثة المصرية إكرام البدوي المتخصصة في دراسات المرأة من وجوه النسوية النقدية اليوم؛ فقد اشتغلت أكاديميا بالخطاب النسوي في العالم الثالث، وفي العالم العربي على وجه الخصوص. وتفاعلت وفق منظور ثقافي مقارِنٍ مع مجموع النسويات النشيطات، لا سيما داخل النموذج الغربي، وعملتْ ضمن جهود أخرى سابقة، على تجذير وعي حقيقي بمفهوم النسوية العربية ومشاغلها الخاصة التي تنجم عن خصوصية المجتمعات العربية وما يحتمل فيها من عناصر صراع وتحول (الدين، العادات والتقاليد، السلطة الأبوية…). تنتقد النموذج الغربي، والتحقيب الغربي للموجات النسوية، وتعمل على تفكيك المشكلات وآليات السلطة الناجمة عن خطاب النسوية، سواء في ما يخص القومية، والدين، والدولة، والعمل، والهجرة، والإرث الاستعماري، وحق النساء في تمثيل خبراتهن بأنفسهن. وإذا كانت النسوية العربية تدأب لإنتاج خطاب معرفي يتشكل من خبرات نساء مختلفات في مصر والمغرب والعراق وفلسطين والخليج وغيرها، فإنّها مُطالَبةٌ، في نظرها ووفق تعبير عبد الكبير الخطيبي، بـ»نقد مزدوج»: نقد المركزية الغربية حين تتحدث عن المرأة العربية خارج تاريخها، ونقد البنى المحلية حين تستخدم الهوية ذريعة للوصاية.

*ما الذي قادكِ في بداية الأمر إلى الاهتمام بالمرأة وقضايا المرأة؟
– لم يكن اهتمامي بقضايا المرأة نتيجة واقعة واحدة يمكن عزلها عن مسار حياتي ودراستي. بدأ هذا الاهتمام من مفارقة عشتها وراقبتها: الخطابات القانونية والأخلاقية والاجتماعية تتحدث عن الإنسان بصيغة عامة، فيما تواجه المرأة في حياتها اليومية شروطا إضافية كي يُعترف بعقلها وأهليتها وحقها في الاختيار. كانت المساواة حاضرة في اللغة، محدودة في الواقع، وكان هذا التفاوت أول ما دفعني إلى السؤال. ثم منحتني دراسة الفلسفة أدوات أدقّ لفهمه. فالسؤال عن المرأة يقود مباشرة إلى أسئلة فلسفية أساسية: من الذي عرّف الإنسان؟ ومن مثّل العقل والمواطن والذات الحرة في تاريخ الفكر؟ ولماذا بقيت المرأة، في جانب كبير من هذا التاريخ، موضوعا للتشريع والتأديب والتمثيل أكثر من كونها شريكة في إنتاج المفاهيم والمعايير؟ لهذا جاء اختياري لرسالة الماجستير حول المفهوم النسوي لحقوق الإنسان عام 2012، اكتشفت خلالها أن إعلان الحق لا يضمن عدالة توزيعه، وأن العمومية قد تخفي نموذجا إنسانيا صيغ تاريخيا من خبرة الرجل وموقعه الاجتماعي.

كانت تجربتي كامرأة مصرية وعربية مصدرا للحساسية تجاه هذه الأسئلة، ولم أتعامل معها بوصفها دليلا كافيا أو حقيقة تخص النساء جميعا، ولكن الخبرة تفتح باب السؤال، والبحث يختبره ويضعه في سياقه. من هنا انتقلت في الدكتوراه إلى دراسة الخطاب النسوي في العالم الثالث، ثم إلى الفلسفة السياسية النسوية؛ ما قادني، في المحصلة، هو التقاء تجربة مع سؤال فلسفي: كيف تتحول الوعود العامة بالحرية والكرامة إلى حقوق فعلية، وكيف تصبح المرأة منتجة للمعرفة وصاحبةَ قرار، لا مجرد موضوع تتنازعه خطابات الحماية والوصاية؟
*اشتغلتِ أكاديميا بالخطاب النسوي في العالم الثالث، وفي العالم العربي على وجه الخصوص. ما هي أهم المصاعب النظرية والمعرفية التي واجهتكِ على مستوى النمذجة وتأطير زوايا النظر المنهجي؟ وما هي أبرز المصادر التي شكّلت بالنسبة إليكِ حقل إلهام في الموضوع؟
– كانت الصعوبة الأولى كامنة في موضوع البحث نفسه. مصطلح «العالم الثالث» ليس وصفا بريئا ولا وحدة ثقافية متجانسة؛ فهو يحمل تاريخا استعماريا وتراتبية عالمية، وقد يجمع تحت اسم واحد مجتمعات شديدة الاختلاف، لذلك استخدمته بوصفه موقعا تاريخيا وسياسيا تشكل تحت الاستعمار والتبعية واختلال توزيع القوة والمعرفة، لا بوصفه هوية ثابتة أو مرتبة حضارية أدنى. وقد اقتضى ذلك مقاومة صورة «امرأة العالم الثالث» باعتبارها نموذجا واحدا: فقيرة، جاهلة، مستسلمة، تنتظر الإنقاذ من الخارج. أما الصعوبة الثانية فتعلقت بالنمذجة. التحقيب الغربي للموجات النسوية، أو الفصل الصارم بين الليبرالية والاشتراكية وما بعد الكولونيالية، لا يفسر وحده تجارب ارتبط فيها تحرر النساء بالنضال الوطني، وبناء الدولة، والدين، والطبقة، والحرب، والعائلة. لهذا لم أقارن بين مناطق العالم على أساس تطابق زمني مفترض، وقارنت بينها من خلال المشكلات وآليات السلطة: علاقة النسوية بالقومية، والدين، والدولة، والعمل، والإرث الاستعماري، وحق النساء في تمثيل خبراتهن بأنفسهن. المقارنة هنا لا تبحث عن نسخة عربية أو آسيوية أو لاتينية من نموذج أصلي غربي؛ إنها تكشف نقاط التشابه من دون محو الفروق. واجهت أيضا مشكلة انتقال المفاهيم بين اللغات والسياقات. مفاهيم مثل الحرية، والفاعلية، والتحرر، والعام والخاص، قد تتغير دلالاتها حين تدخل بنى عائلية ودينية وسياسية مختلفة. وكان عليّ أن أتجنب خطأين متقابلين: فرض تعريف غربي واحد للتحرر، وتحويل الخصوصية الثقافية إلى حصانة تمنع نقد الظلم. أضف إلى ذلك تفاوت الأرشيف؛ فالمعرفة الغربية أوسع انتشارا وترجمة، فيما تتوزع خبرات نساء الجنوب العالمي بين نصوص محدودة التداول، وشهادات، وحركات اجتماعية، وآداب، وتواريخ شفوية.
منهجيا، اعتمدت المقارنة الثقافية والتاريخية، وتحليل الخطاب، والحساسية التقاطعية وما بعد الكولونيالية. أما مصادر الإلهام، فقد مثّلت كتابات تشاندرا تالباد موهانتي في نقد اختزال «نساء العالم الثالث»، وكوماري جاياواردينا في وصل النسوية بالقومية، وغاياتري سبيفاك في سؤال التمثيل، وليلى أبو لغد في نقد خطاب الإنقاذ، مداخل حاسمة. عربيا وإسلاميا، أفدت من فاطمة المرنيسي، ومن قدرتها على قراءة التاريخ والدين والسلطة داخل بنية واحدة. كما ظل سؤال سيمون دي بوفوار عن صناعة المرأة بوصفها «آخر» خلفية فلسفية مهمة. تعاملت مع هذه الأعمال بوصفها أدوات تتيح لي بناء السؤال من موقعنا واختبار حدود كل إطار.

*تعرفين أنّ هناك نسويات مختلفة ومتعددة من حيث أسسها وأطرها الفكرية (ليبرالية، اشتراكية، وجودية، إسلامية، ما بعد كولونيالية، إلخ)، كيف تفاعلتِ مع هذه النسويات، ولا سيما داخل النموذج الغربي، وعملتِ، ضمن جهود أخرى سابقة، على تجذير وعي حقيقي بمفهوم النسوية العربية ومشاغلها الخاصة التي تنجم عن خصوصية المجتمعات العربية وما يحتمل فيها من عناصر صراع وتحول (الدين، العادات والتقاليد، السلطة الأبوية…)؟
-لم أتفاعل مع المدارس النسوية باعتبارها هويات فكرية مغلقة أختار واحدة منها وأستبعد سائرها. قرأت كل اتجاه من خلال ما كشفه وما تركه خارج مجال الرؤية. منحت النسوية الليبرالية قيمة مركزية للمساواة القانونية والاستقلال الفردي، لكنها قد تفترض فردا مجردا من شروط الطبقة والرعاية والعائلة. وكشفت النسوية الاشتراكية الصلة بين اضطهاد النساء وتقسيم العمل والملكية والعمل المنزلي غير المدفوع، مع احتمال ردّ التفاوت الجندري إلى العامل الطبقي وحده. وقدمت النسوية الوجودية تحليلا عميقا لصناعة المرأة كآخر ولعلاقة الحرية بالاختيار، مع بقاء خطر التجريد قائما حين تنفصل الذات عن شروط الاستعمار والدين والاقتصاد. ومن المهم أيضا ألا نستخدم عبارة «النموذج الغربي» كما لو كانت تحيل إلى كتلة واحدة؛ فالنسويات السود وما بعد الاستعمارية والطبقية وجّهن من داخله نقدا حادا لمركزيته البيضاء والبورجوازية.
أما النسوية الإسلامية فقد فتحت مجالا بالغ الأهمية للصراع داخل التأويل الديني نفسه، وكشفت المسافة بين النص وتاريخه التفسيري وبين الدين واستخدامه المؤسسي. وتكمن أهميتها أنها تنزع القداسة عن القراءة الأبوية، وتستعيد حق المرأة في إنتاج المعنى الديني. ومع ذلك، فهي ليست تيارا واحدا، كما أن المرجعية الإسلامية لا تستوعب وحدها تعدد النساء العربيات واختلاف مواقعهن الدينية والفكرية. وقد أتاحت النسوية ما بعد الكولونيالية نقد ادعاء الغرب تمثيل نساء العالم وإنقاذهن، غير أن الإفراط في الاحتفاء بالخصوصية قد ينتهي أحيانا إلى تعليق نقد السلطة المحلية، من هذا التفاعل خلصت إلى أن النسوية العربية لا تحتاج نسخة مصغرة من النسوية الغربية، ولا تعريفا جوهريا يزعم وجود امرأة عربية واحدة، ولكنها تحتاج موقعا لإنتاج المعرفة والعمل السياسي، يتشكل من خبرات نساء مختلفات في مصر والمغرب والعراق وفلسطين والخليج وغيرها، وتتداخل فيه الطبقة والدين والطائفة والقومية والحرب والعمل والهجرة. ويقتضي تجذير هذا الوعي ممارسة نقد مزدوج: نقد المركزية الغربية حين تتحدث عن المرأة العربية خارج تاريخها، ونقد البنى المحلية حين تستخدم الهوية ذريعة للوصاية. الدين في مجتمعاتنا قوة معرفية وأخلاقية واجتماعية لا يمكن تجاهلها، لكنه ليس كتلة واحدة؛ هناك نص، وفقه، وتأويل، ومؤسسة، وعرف شعبي، وصراع على حق التفسير. والتراث نفسه ساحة تنازع، وليس حكما نهائيا صدر في الماضي. كما أن السلطة الأبوية لا تقيم في الأسرة وحدها؛ ولكن الدولة والقانون والسوق والتعليم والإعلام تعيد إنتاجها بصور متفاوتة.
لهذا أرى أن بناء نسوية عربية جادة يبدأ من أرشيف النساء وخبراتهن، ومن قضايا الأحوال الشخصية والرعاية والعمل والعنف والحرب والاحتلال والتمثيل السياسي، مع انفتاح نقدي على الفكر الإنساني كله. الخصوصية تحدد موضع السؤال، ولا تنتقص من عالمية الكرامة. والمطلوب أن نفحص من يعرّف الهوية، ومن يحتكر تفسيرها، ومن يدفع ثمن هذا التعريف في حياته اليومية.

* في كتابكِ «الفلسفة السياسية النسوية»، تحدّثتِ عن «العدالة المراوغة». ما هي مظاهر هذه «العدالة»؟ وهل تعتقدين أن مواجهتها تقتضي في الواقع مواجهة الوعي والسلطة وتاريخ الذهنية نفسها؟
– استخدمت تعبير «العدالة المراوغة» لوصف عدالة تعلن مبادئ عامة ثم تضيق عند التطبيق. المراوغة لا تعني غياب كل تقدم أو استحالة تحقيق العدالة؛ هي تكشف حركة تاريخية متكررة: يُعترف بالمرأة إنسانا ومواطنة في الخطاب، ثم تُستعاد أهليتها على هيئة استثناءات وشروط داخل القانون والأسرة وسوق العمل والمجال السياسي. تبدو العدالة قريبة في النص، وتبتعد حين تطالب المرأة بأثرها الكامل في حياتها. تظهر هذه المراوغة حين يتحدث الفكر السياسي عن الإنسان، بينما يتخذ الرجل معيارا ضمنيا لهذا الإنسان؛ وحين تقر القوانين مساواة عامة وتبقى بعض قوانين الأسرة أو آليات تطبيقها قائمة على تفاوت السلطة؛ وحين تدخل المرأة التعليم والعمل ثم تتحمل وحدها الجزء الأكبر من الرعاية والعمل المنزلي؛ وحين يرتفع تمثيلها العددي في المؤسسات من دون سلطة حقيقية على القرار؛ وحين يُربط حقها في الحماية بصورة «المرأة المقبولة» اجتماعيا. هنا يتحول الحق من استحقاق أصيل إلى منحة مشروطة بالسلوك والطبقة والوضع العائلي ورضا المؤسسة المجتمعية.
نعم، مواجهة هذه المراوغة تقتضي الاشتباك مع الوعي والسلطة وتاريخ الذهنية معا، بشرط ألا نختزل المشكلة في تغيير الأفكار، فالوعي نفسه يتكون داخل الأسرة والمدرسة والخطاب الديني والإعلام والقانون، وتحرسه مصالح وتوزيعات فعلية للموارد والقرار. لذلك لا يكفي إصلاح قانوني يبقى بلا ضمانات اجتماعية واقتصادية، كما لا تكفي حملات الوعي إذا ظلت المؤسسات قادرة على إنتاج التمييز. المواجهة المطلوبة تسير في ثلاثة مسارات مترابطة: مراجعة تاريخ المفاهيم التي جعلت الرجل أصلا للذات السياسية؛ إصلاح القوانين والمؤسسات وآليات المحاسبة؛ وإعادة توزيع الرعاية والوقت والموارد والسلطة داخل المجالين العام والخاص. العدالة تُقاس بقدرة المرأة الفعلية على الاختيار والمشاركة من دون أن تدفع عقوبة اجتماعية لأنها مارست حقا مقررا لها.

*رغم الجهود المبذولة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ألا ترين أن هناك سوء فهم يلاحق «النسوية العربية – الإسلامية» من طرف المؤسسة الرسمية ومن النخب نفسها؟ وهل يمكن أن نتحدث عن «نسوية مضادة» تغنم الخوف، وهو ما يحجب ما تحقق على صعيد النظرية والممارسة معا؟
– نعم، هناك سوء فهم يلاحق النسوية العربية والإسلامية، إلا أنه لا يصدر عن جهة واحدة ولا يؤدي وظيفة واحدة. فبعض المؤسسات الرسمية تستوعب قضية المرأة داخل خطاب تمكين مضبوط من أعلى، يفضل الأرقام والمناصب والاحتفاء الرمزي، ويتجنب الأسئلة الأصعب المتعلقة بقوانين الأسرة، والعنف، واستقلال التنظيم النسوي، وتوزيع الموارد. وفي المقابل، تواجه النسوية العربية ضغطا من اتجاهين مختلفين؛ فبعض النخب المحافظة تنظر إليها باعتبارها مفهوما وافدا من الغرب يهدد الدين والأسرة، بينما تحصر بعض النخب الحداثية النسوية في نموذج علماني حضري، وترفض الاعتراف بالمقاربات التي تنطلق فيها النساء من مرجعية دينية. وهكذا يلتقي الطرفان، رغم اختلاف منطلقاتهما، في فرض تصور مسبق لما يجب أن تكون عليه النسوية، وفي تقييد حق النساء في تعريف قضاياهن واختيار المرجعيات والأدوات التي يرينها مناسبة للدفاع عن حقوقهن. وأرى ضرورة التمييز بين الوصفين: العربية تحيل إلى مجال تاريخي ولغوي وسياسي، والإسلامية تحيل إلى مرجعية في القراءة والتأويل. وقد يتقاطع المجالان، لكنهما لا يتطابقان.

يمكن استخدام تعبير «نسوية مضادة» بحذر لوصف خطاب يتحدث باسم مصلحة المرأة، لكنه في الواقع يعيد إنتاج القيود القديمة عليها. وقد يصدر هذا الخطاب عن رجال أو نساء؛ لأن موقف الفكرة من حرية المرأة وحقوقها هو المعيار، لا جنس من يتحدث بها. وغالبا ما يستند هذا الخطاب إلى مخاوف اجتماعية حقيقية، مثل تفكك الأسرة أو فقدان الهوية أو احتدام الصراع بين الرجال والنساء، ثم يحمّل تحرر المرأة مسؤولية هذه الأزمات، متجاهلا أسبابها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الأوسع. ومن هنا يعاد تقديم خضوع المرأة بوصفه وسيلة لحماية الأسرة، والوصاية عليها باعتبارها رعاية، والتنازل عن بعض حقوقها باعتباره حفاظا على الاستقرار والقيم. المشكلة هنا أن لغة الحماية قد تتحول إلى وسيلة لتبرير استمرار السيطرة.
مع ذلك، لا أضع كل نقد للنسوية في خانة العداء لها. نقد نخبوية بعض الخطابات، أو تبعيتها لمراكز التمويل والمعرفة، أو قصورها عن تمثيل النساء الفقيرات والريفيات والمتدينات، ضرورة فكرية وسياسية. الفاصل واضح: هل يوسع النقد أهلية النساء وقدرتهن على الاختيار، أم يعيدهن إلى موقع القاصر؟ هل يحلل علاقات القوة، أم يحمّل المرأة مسؤولية الاضطراب لأنها طالبت بحقها؟
خطورة الخطاب المضاد أنه يحجب ما تحقق عبر مطالبته النسوية بحل جميع مشكلات النساء، ثم يستخدم بقاء أي مشكلة دليلا على فشلها. ما تحقق ليس قليلا: تسمية العنف والتحرش بوصفهما قضيتين عامتين، نقل علاقات الأسرة إلى مجال المساءلة والعدالة، توسيع حضور النساء في التعليم والعمل والبحث والقرار، إنتاج قراءات جديدة للدين والتاريخ، وبناء معرفة تنطلق من خبرات النساء. وهذه المكاسب ما تزال قابلة للتراجع إذا انفصلت النظرية عن التنظيم والعمل المؤسسي. لذلك أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج خطابا أكثر دقة في عرض منجزه ونقد قصوره، ومؤسسات معرفية مستقلة، وصلات أقوى بين البحث والقانون والحركة الاجتماعية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *