القاهرة ــ «القدس العربي»: «سأكتب عن فقر صار خالياً من النبالة بعدما خلا من القيمة، وثراء أصبح خالياً من الكبرياء، بعدما خلا من الذوق، تلوثا معاً حتى إن الجميع يزهون بالقدرة على أن يعيشوا كعبيد». (ساعة رملية تعمل بالكهرباء)
«وظللت أتساءل.. ما مصير الصيغة التي عاش بها المصريون زمناً؟ هل هي روح الفكاهة والضحك في عالم لا يؤمن إلا بالجديّة؟ هل لنا مستقبل؟». (رضا البهّات)
رحل الكاتب والصحافي رضا البهات (18 أغسطس/آب 2026)، ورغم قِلة إنتاجه الأدبي، إلا أن روايته الأولى «بشاير اليوسفي» كان لها الأثر الأكبر في وجود صوت مغاير أضاف إلى الرواية المصرية، وتوالت بعد ذلك الأعمال التي اهتمت برصد التحولات الحادة للمجتمع المصري، والتي غيّرت من موروثاته وسلوكه، وطريقة تعامله مع الحياة.
ابتعد الكاتب عن صخب المدينة (القاهرة)، هذا الابتعاد الذي جعله ينتصر فقط للكتابة، من دون الانشغال بحروب المثقفين التافهة، ومحاولة الانتساب بشتى الطرق إلى مؤسسات الدولة، وبالتالي الاستفادة من فُتات ما تلقيه لهم وهم خاشعون. هذه لمحة من عالم الكاتب ووجهة نظره في الكتابة والأحداث السياسية والاجتماعية..
أحداث فارقة
تأتي رواية البهات الأولى «بشاير اليوسفي» ــ كانت قصة قصيرة بالأساس ــ الصادرة عام 1992، التي يمكن اعتبارها من أدب الحرب، إلا أنها أعمق من مجرد رواية عن الحرب، بل كانت تجسيداً لعصر وتبعاته، عن الذين حاربوا وعاشوا بعد الحرب ولم يجدوا شيئاً، أو الذين تم تهجيرهم من مدينتهم (السويس) ولم يستطيعوا العيش بعدها، في عالم تتغيّر معتقداته في سرعة كبيرة لا يستطيعون مجاراتها. ورغم عالم الريف الذي عايشه الرجل، والعمل كطبيب في مكان بعيد عن القاهرة وصخبها، ومن خلال إيقاع معيشي هادئ رصد البهات لحظات الزمن المتسارعة في المجتمع المصري، التي حوّلت هذا المجتمع إلى وجهة أكثر تشوهاً، هذه التشوهات التي بدأت ـ حسب كتابات البهات ـ منذ هزيمة 1967، وتبعات 1973، التي انتهت بمعاهدة كامب ديفيد. هذه الرواية التي كتب مقدمتها الناقد شكري عياد قائلاً.. «بشاير اليوسفي مراجعة شاملة بلغة الفن لكل ما فعلناه بأنفسنا خلال العشرين سنة الأخيرة… إن الفن لا يلقي دروساً، ولكن الفن الذي لا يملك شجاعة الرؤية ليس بفن، والفن لا يناقش الفكرة، بل يضعنا أمامها دائماً كجزء من الواقع الحي». ويقول البهات عن عمله الأول.. «في تلك الفترة كان لي أصدقاء فى الجيش، والشعب المصري كله في ذلك الوقت كان يتكلم سياسة، فهو مناخ عشته بكل ما فيه وكتبته في «بشاير اليوسفي».
تناقضات مزمنة
واستمر البهات في رصد هذه التحولات في أعماله اللاحقة، كما في روايتيه «شمعة البحر» 2004، و»ساعة رملية» 2014، حيث الكشف عن مفاسد وتناقضات تأصلت في المجتمع المصري، حتى إن بدت المجالات مختلفة، حيث جاء الكشف عن تشوهات الوسط الثقافي، وكذلك مدى زيف الخطاب الديني وتحالفه مع السلطة، إضافة إلى المقارنة بين التديّن الشعبي وتديّن النفط، بينما المؤسسة التي يمثلها الشيخ الأزهري تحاول التوفيق والمهادنة بين الاتجاهين.
وأستعرض بعضا من آراء الكاتب الراحل، سواء من خلال مقالاته أو حواراته في الصحف المختلفة..
الأدب والسياسة
عن العلاقة بين الأدب والسياسة، ومحاولة تقييم العمل الأدبي بما تشغله السياسة والقضايا السياسية ـ النضالية بمعنى أدق ـ يقول.. «أرى أن تقييم الأدب من خلال أحكام سياسية يظلم الأدب والسياسة معاً. وإن كان الأدب ذو الطابع السياسي يصنع شهرة أكبر، لأنه يتناول قضايا محسوسة. عموما التضحية بالفن من أجل مفهوم سياسي خسارة كبيرة تجعل من الكتابة عملا مؤقتاً».
مثقف الأقاليم والمؤسسة الثقافية
ابتعد البهات عن صخب القاهرة، رغم أنه درس فيها حتى التحاقة بكلية الطب في مدينة المنصورة، فكان شاهداً على حياة الريف وناسه وحياة المدينة، ويأتي للمثقف الريفي الباحث عن دور تحت الأضواء، فيقول البهات.. «للأسف ليست لدينا شجاعة إعلان انطباعنا الحقيقي عن الريف، فالجميع يرونه بينهم وبين أنفسهم، المكان الأكثر جهلاً وتخلفاً، بينما يثنون عليه في العلن مثلما يفعل الحُكّام مع الشعب المصري تماماً، لكنهم يهربون منه إلى القاهرة متى لاحت الفرصة».
وعن المؤسسات الثقافية ورجالها يقول.. «لا أغفل عن حقيقة كون الأقاليم فقيرة ثقافياً وفنياً وحضارياً، بل إن المؤسسات الثقافية فيها، حسب خبرتي، لا تريد أحداً جاداً، وبعض هذه المؤسسات الثقافية معادية للثقافة وولاء الموظفين فيها لرؤسائهم أو للأمن». ويضيف في موضع آخر.. «عموماً الثقافة خارج حسابات أي نظام سياسي، سواء كان حكما أو معارضة. فلا هؤلاء ولا أولئك يعتقدون بجدواها قدر اعتقادهم بفائدة القرار السياسي المباشر».
جوائز الدولة
لم يحصل رضا البهات على أي جائزة من جوائز الدولة، عدا جائزتي ساويرس. فيقول في مقال نشره في 1 يوليو/تموز 2019 المنشور في جريدة «المصري اليوم» بعنوان (إرادة الحياة.. وإرادة الموت).. «فما هو التكريم إذن؟ كالعادة خضع الأمر للمبالغة المصرية الشهيرة حتى باتت كل مؤسسة تنتقي أحداً لتكرمه. فالدولة حين أرادت تكريم يوسف إدريس مثلاً منحته الجائزة وهو نصف حي في غرفة الإنعاش. ولحقت الناقد المعروف فاروق عبد القادر، لكنه كان مصاباً بالزهايمر، ثم الروائي محمد ناجي قبل أن يقضي نحبه بيوم، وكل منهم لا يملك رفضاً أو قبولاً لهذا التكريم، بل إن نجيب محفوظ قال بعد فوزه بنوبل: يبقى كده هيكرموني ف مصر».
***
رضا البهات من مواليد مدينة المنصورة في محافظة الدقهلية عام 1955. تخرج في كلية الطب جامعة المنصورة.
الأعمال.. بشاير اليوسفي 1992، طقوس بشرية 1995، شمعة البحر 2004، ساعة رملية تعمل بالكهرباء 2014 (حصلت على جائزة ساويرس 2016)، وحكايات شتوية (حصلت على جائزة ساويرس 2020). إضافة إلى «ليلة للغنا»، و»اختار ألا يموت»، والعديد من كتب الأطفال، منها.. «جوز ولوز وبوز»، «حكاية السمكة وقطعة الخبز»، «أسود أحمر أخضر» و»الجميلة تتزوج الديك الشركسي».