نواكشوط –«القدس العربي»: انتقل الجدل المتصاعد في موريتانيا بشأن الدعوات إلى تعديل الدستور بما يسمح بتمديد عدد المأموريات الرئاسية إلى مستوى جديد، مع دخول مؤسسة المعارضة الديمقراطية وقطب ائتلاف المعارضة على الخط، بالتزامن مع تحذيرات أطلقها حقوقيون وسياسيون وأساتذة في القانون الدستوري، أعادوا من خلالها التذكير بما يعتبرونه «أقفالًا دستورية» تحول دون المساس بمبدأ التناوب على السلطة، فضلًا عن اليمين الدستورية التي يؤديها رئيس الجمهورية والتي تلزمه بعدم القيام أو دعم أي مبادرة تستهدف الأحكام المتعلقة بالمأمورية وشروط تجديدها.
وتأتي هذه المواقف في وقت اتسعت فيه، داخل الأغلبية الحاكمة، الدعوات المطالبة بإجراء تعديلات دستورية تتيح للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الاستمرار في الحكم بعد انتهاء مأموريته الثانية، وهي الدعوات التي برزت خلال الأسابيع الأخيرة على ألسنة منتخبين وفاعلين سياسيين، ووصلت إلى مهرجانات حزب الإنصاف الحاكم في الداخل.
وأعلنت مؤسسة المعارضة الديمقراطية أنها تابعت «بقلق بالغ واهتمام» ما صدر خلال الفترة الأخيرة من مواقف وتصريحات عن أفراد وجهات، من بينها شخصيات رسمية تتبوأ مواقع عليا في الدولة، تضمنت بصورة مباشرة أو غير مباشرة دعوات للمساس بأحكام الدستور، وخصوصًا تلك المتعلقة بمدد المأموريات الرئاسية. وشددت المؤسسة التأكيد على أن الدستور يمثل «الإطار الجامع الذي يحتكم إليه الجميع»، وأن احترام الأحكام المنظمة لتداول السلطة ومدد المأموريات يشكل ضمانة أساسية للاستقرار السياسي وصيانة المكتسبات الديمقراطية التي تراكمت خلال عقود من التجربة السياسية والحوارات الوطنية.
وشددت على أن حق التعبير والنقاش السياسي لا ينبغي، في نظرها، أن يحول القواعد الدستورية إلى مادة للتجاذب السياسي أو يجعلها رهينة للظروف والحسابات الآنية.
ودعت مؤسسات الدولة والمسؤولين والفاعلين السياسيين، وخصوصًا شاغلي المناصب العليا، إلى الالتزام بأحكام الدستور في تصريحاتهم ومبادراتهم، مؤكدة أن التداول السلمي على السلطة أحد المرتكزات الأساسية للنظام الديمقراطي.
وقد تبنى قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية، الموقف ذاته فأعلن في بيان له عن متابعته بـ»قلق بالغ واستنكار شديد» لتنامي الدعوات إلى مأمورية رئاسية ثالثة، خصوصًا عندما تصدر عن وزراء ومنتخبين وموظفين سامين.
وأوضح الائتلاف أن من يتولون مسؤوليات عامة يفترض أن يكونوا في مقدمة المدافعين عن الدستور والقانون، محذرًا من أن المساس بالقيود الدستورية المتعلقة بتداول السلطة يمكن أن يفتح الباب أمام أزمات سياسية وانقسامات ويضعف الثقة في المؤسسات. كما ذهب الائتلاف إلى ربط توقيت إثارة قضية المأمورية الثالثة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، معتبرًا أن الجدل قد يكون هدفه صرف الاهتمام عن ملفات ارتفاع الأسعار والقدرة الشرائية والبطالة والخدمات العامة.
كيف وُلدت «أقفال» المأموريات؟
وتمنح الشهادات المتعلقة بصياغة تعديلات 2006 بعدًا تاريخيًا مهمًا للجدل الحالي؛ ففي مقال تأبيني أشاد الأستاذ محمد محمود ولد محمد صالح بخبرة الفقيه الدستوري الراحل أحمد سالم ولد ببوط، الذي يعود له الفضل في إحكام المواد التي تحدد عدد مأموريات الرئاسة داخل الدستور.
وأبرزت شهادة ولد محمد صالح تفاصيل المرحلة التي أعقبت انقلاب الخامس من آب/أغسطس 2005، حين نظمت السلطات الانتقالية أيامًا تشاورية في نواكشوط خلال تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، شاركت فيها النخبة السياسية وعدد من أبرز الخبراء الوطنيين، وكان إصلاح النظام السياسي وضمان التناوب السلمي على السلطة في صدارة الملفات المطروحة.
وبحسب هذه الشهادة، لم يكن الهدف من التعديل الدستوري مجرد وضع حد عددي للمأموريات الرئاسية، بل إنشاء هندسة قانونية تجعل التراجع عن مبدأ التناوب أكثر صعوبة.
وقد أسند جانب أساسي من هذه الهندسة إلى أحمد سالم ولد ببوط، الذي عمل على بناء ما وصف بـ»مغلاق تحديد المأموريات»، عبر الجمع بين المادة 28 التي تحصر إعادة انتخاب الرئيس في مرة واحدة، والمادة 99 التي تحظر الشروع في مراجعة تمس مبدأ التناوب أو القاعدة المرتبطة به، ثم إضافة ضمانة ثالثة في المادة 29 تتمثل في اليمين الرئاسية.
وأفادت الشهادة أن واضعي تلك الترتيبات كانوا واعين بإمكان أن تتعرض مادة تحديد المأموريات وحدها للتعديل في المستقبل، ولذلك سعوا إلى تحصينها بمادة أخرى تمنع أصلًا الشروع في مراجعة تمسها.
ثم ظهر تخوف ثانٍ من احتمال استهداف مادة التحصين ذاتها، فتم اللجوء إلى اليمين الرئاسية كقيد إضافي يلزم رئيس الجمهورية بألا يقوم أو يدعم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مبادرة من شأنها مراجعة الأحكام المتعلقة بالمأمورية وشروط تجديدها.
وعُرضت هذه التعديلات على استفتاء 25 حزيران/يونيو 2006، الذي حظي بتأييد واسع، قبل صدور القانون الدستوري رقم 014-2006 بتاريخ 12 تموز/يوليو 2006.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت المواد 28 و29 و99 في صلب البنية الدستورية التي صيغت لضمان التداول السلمي على السلطة وتقليص فرص العودة إلى تمديد الحكم عبر تعديل قواعد المأموريات.
ثلاثة «أقفال» أمام تعديل المأموريات
وبالتوازي مع المواقف السياسية، أعاد حقوقيون وأساتذة قانون دستوري إلى الواجهة المواد 28 و29 و99 من الدستور الموريتاني، معتبرين أن المشرع لم يكتف بتحديد عدد المأموريات، بل أحاط هذا التحديد بمنظومة حماية تجعل تجاوزه عبر مسطرة التعديل الدستوري العادية إشكاليًا.
وتنص المادة 28 على قابلية إعادة انتخاب رئيس الجمهورية مرة واحدة، بينما تحصن المادة 99 مبدأ التناوب الديمقراطي والمبدأ الملازم له المتعلق بتحديد مدة الولاية الرئاسية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، من إجراءات المراجعة التي تمس جوهرهما.
أما المستوى الثالث من الحماية فيتعلق بالمادة 29 واليمين الدستورية التي يؤديها رئيس الجمهورية قبل مباشرة مهامه، والتي تتضمن تعهدًا خاصًا بعدم القيام أو الدعم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة لأي مبادرة من شأنها أن تؤدي إلى مراجعة الأحكام المتعلقة بمأمورية رئيس الجمهورية وشروط تجديدها.
وهنا يركز المعارضون لفكرة المأمورية الثالثة على أن الإشكال، من وجهة نظرهم، لا يتعلق فقط بإمكان الحصول على أغلبية برلمانية أو شعبية مؤيدة للتعديل، وإنما بما إذا كانت السلطة المخولة بمراجعة الدستور تملك أصلًا حق فتح مسار يستهدف أحكامًا حصنها الدستور من المراجعة.
اليمين الرئاسية تعود إلى قلب النقاش
ويكتسب النقاش المحتدم حاليًا بعدًا سياسيًا وقانونيًا أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بموقف الرئيس نفسه.
فاليمين الواردة في المادة 29 لا تتحدث فقط عن احترام الدستور بصورة عامة، وإنما تتضمن التزامًا صريحًا بشأن الأحكام المتعلقة بالمأمورية الرئاسية وشروط تجديدها.
ولهذا يذكّر سياسيون وحقوقيون الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بيمينه الدستورية، ويرون أن الحنث بها، أو دعم مبادرة تستهدف تعديل الأحكام المحصنة، سيطرح إشكالًا يتجاوز المنافسة السياسية إلى مكانة القسم الرئاسي نفسه وقيمة الالتزام الدستوري في النظام السياسي.
وبحسب هذه القراءة، فإن القول إن القرار النهائي يمكن أن يترك للاستفتاء الشعبي لا يحسم الإشكال، لأن اليمين تتعلق كذلك بـ»المبادرة» و»الدعم» المؤديين إلى المراجعة، وليس فقط بالنتيجة النهائية للعملية.
هل يستطيع الشعب تجاوز التحصين؟
في المقابل، يفتح الجدل بابًا فقهيًا أوسع يتعلق بمفهوم السيادة الشعبية وحدود سلطة تعديل الدستور.
فأنصار التعديل قد يستندون إلى أن الشعب مصدر السلطة، وأن إرادته المعبر عنها في استفتاء يمكن أن تسمح بإعادة صياغة قواعد النظام السياسي.
لكن القراءة القانونية التي يقدمها الرافضون للمأمورية الثالثة تميز بين السلطة التأسيسية الأصلية التي تضع دستورًا جديدًا، وبين سلطة المراجعة الدستورية التي تستمد وجودها وصلاحياتها من الدستور القائم، وبالتالي لا تستطيع – وفق هذا الرأي – تجاوز الحدود التي رسمها لها.
ومن هذا المنظور، لا تصبح المسألة مجرد سؤال عن عدد النواب أو الناخبين المؤيدين للتعديل، بل سؤالًا أسبق: هل يجوز أصلًا إطلاق مسطرة مراجعة تستهدف حكمًا منع الدستور الشروع في مراجعته؟
جدل مرشح للتصاعد
وتشير حدة المواقف الأخيرة إلى أن قضية المأمورية الثالثة مرشحة لأن تتحول إلى أحد أبرز ملفات التجاذب السياسي في موريتانيا خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا مع ارتباطها بالحوار الوطني وبالدعوات المتزايدة من داخل الأغلبية إلى مراجعة الدستور.
وفي مقابل هذه الدعوات، تبدو المعارضة متجهة إلى بناء جبهة سياسية وقانونية تجعل من حماية مواد المأموريات عنوانًا مركزيًا لتحركها، مستندة إلى نصوص الدستور وإلى الخلفية التاريخية التي صاحبت إقرارها.
وهكذا يعود ملف التناوب، بعد عقدين تقريبًا من تحصينه في تعديلات 2006، إلى قلب النقاش الموريتاني.
غير أن السؤال هذه المرة لا يتعلق فقط بمن سيحكم بعد انتهاء المأمورية الحالية، بل بما هو أعمق: هل تبقى القواعد التي وضعت لضمان التداول على السلطة ثابتة عندما تصبح عقبة أمام رغبة الأغلبية السياسية، أم تدخل هي نفسها دائرة الصراع على مستقبل السلطة؟
ولن تحدد طريقة التعامل مع هذا السؤال ملامح الاستحقاق الرئاسي المقبل فحسب، بل ستتجاوز ذلك إلى مستوى الثقة في الدستور بوصفه قاعدة مستقرة يحتكم إليها المتنافسون، لا نصًا تتغير حدوده بتغير موازين القوة السياسية.