باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن لبنانيين، أفرادًا وجمعيات، يخوضون سباقًا بين الحفاظ على الذاكرة والدمار في جنوب لبنان، في محاولة لجمع الصور والشهادات والوثائق التي توثّق تاريخ المنطقة وتراثها، في ظل استمرار عمليات الهدم التي تنفذها إسرائيل في أجزاء من الجنوب الواقعة تحت احتلالها.
وأضافت الصحيفة أن المنتج السينمائي اللبناني أديب فرحات يواصل جمع كل ما يرتبط بتاريخ جنوب لبنان، من صور وأغراض وكتب وشهادات شفوية. وقد اضطر، منذ اندلاع الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله في 2 مارس/ آذار، إلى إجلاء جزء من أرشيفه من بلدة عربصاليم التي يقيم فيها. ولم يمنع وقف إطلاق النار المعلن في 20 يونيو الجيش الإسرائيلي من مواصلة تفجير المنازل يوميًا في المنطقة المحتلة، بالتزامن مع غارات وقصف في محيطها، لافتة إلى أن أكثر من عشرين قرية حدودية دُمّرت منذ هدنة سابقة في أبريل.
واعتبرت “لوموند” أن اهتمام فرحات بالأرشيف يعود إلى رغبته في الحفاظ على ذاكرة الجنوب، الذي شهد على مدى عقود حروبًا وصراعات مرتبطة بإسرائيل، قبل تأسيس حزب الله في ثمانينيات القرن الماضي. وأضافت أن جنوب لبنان خضع للاحتلال الإسرائيلي بين عامي 1978 و2000، وهي المرحلة التي احتفظ فرحات بوثائق وتصاريح مرور تعود إليها، مكتوبة بالعبرية والعربية.
وقال فرحات إنه لا يريد أن تُنسى قصته، موضحًا أن هذا هو الدافع وراء عمله في الأرشفة، وليس مجرد الرغبة في الحديث عن الحرب. وأشار إلى رغبته في إنشاء متحف إلكتروني، ثم مركز ثقافي في الجنوب عندما تسمح الظروف بذلك، معتبرًا أن الأرشفة تساعد السكان على رواية تاريخهم بأنفسهم.
يشارك فرحات في تنظيم معرض “احك لي يا جنوب”، الذي يعيد فتح أبوابه في سبتمبر في “بيت بيروت”. ويجمع المعرض بين الذكريات الشخصية والتاريخية للمنطقة، وقد أتاح لسكان الجنوب وزواره استعادة صور قراهم وذكرياتهم.
وقد تم جمع أكثر من 460 صورة تم جمعها خلال الأشهر الأولى للمعرض، وهي تمثل أكثر من 35 بلدة وقرية، وتوثق لحظات عائلية ومنازل ومناظر طبيعية، إلى جانب صور لمزارعي التبغ، مشيرة إلى أن هذه الصور القديمة تتناقض بشكل صارخ مع مشهد الدمار الذي يعيشه الجنوب اليوم.
وأضافت الصحيفة أن الإحساس بفقدان الأرض والخوف من استمرار هذا الفقدان دفعا سكان المنطقة إلى تكثيف جهود توثيق ذاكرتهم. ونقلت عن الخبير في مركز مالكوم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، قوله إن ما يجري، من وجهة نظره، يمثل تدميرًا لمجتمع الجنوب بذريعة استضافته العدو، أي حزب الله، معتبرًا أن هذه السياسة تندرج ضمن شكل متطرف من مكافحة التمرد، ووصفها بأنها تحمل أيضًا اسم التطهير العرقي.
وفي السياق نفسه، أشارت “لوموند” إلى أن منظمة “بلادي” المعنية بالتراث الثقافي تعمل على جمع الصور والروايات من سكان الجنوب، بالتعاون مع طلاب الهندسة المعمارية في الجامعة اللبنانية، بهدف إعداد جرد للمباني ذات القيمة التاريخية، ومنها الأسواق والمساجد والأضرحة والمنازل القديمة الموجودة في المناطق المحتلة.
وقالت مديرة المنظمة جوان بجالي إن الهدف هو التعريف بتراث معماري غير معروف بما يكفي، وتوثيق حجم الدمار الذي لحق به، معتبرة أن الحديث هنا يتعلق بتاريخ يمتد مئات السنين، وأن فقدان هذا التراث لا يمثل خسارة لسكان المنطقة وحدهم، بل لجميع اللبنانيين.
وكانت “بلادي” قد جمعت، عقب حرب 2024، صورًا وشهادات عن مدينة النبطية وأربع بلدات محيطة بها، ووثقت حجم الدمار فيها. وأشارت إلى أن بلدات مثل كفر تبنيت أصبحت من بين المناطق الأكثر تضررًا خلال العمليات الحالية، فيما تقول إسرائيل إن تدمير القرى مرتبط بضرورات عسكرية وبمحاولتها السيطرة على تلة علي الطاهر، متهمة حزب الله بإقامة بنى تحتية تحت الأرض فيها.
واعتبرت أن هناك، بحسب تعبيرها، محاولة لمحو تاريخ سكان الجنوب وأرضهم، مشيرة إلى أن مواقع تاريخية بارزة، مثل منزل ميرزا في النبطية، الذي بُني عام 1936 ويتميز بقيمته المعمارية والاجتماعية، وقد تعرض للهدم. وأضافت أن المعالم التاريخية كانت في صلب عمليات التدمير في النبطية والخيام وبنت جبيل.
وتعتزم المنظمة تنظيم معرض يوثق حجم الدمار، فيما يُفترض أن يستفيد مشروع جرد المباني التاريخية الجاري إعداده من شراكة مع وزارة الثقافة اللبنانية. وأشارت إلى أن الوزارة نجحت في يوليو في إدراج خمس قلاع جنوبية على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر التابعة لليونسكو.
وتعمل جمعيات ومجموعات محلية عدة حاليًا على إثراء الأرشيفات الخاصة بهذه المواقع، وفق ما أوضح مستشار وزير الثقافة غسان سلامة، جاد تابت. كما أطلقت الوزارة في يوليو دعوة إلى الحفاظ على الذاكرة الثقافية للجنوب.
وختمت “لوموند” بالإشارة إلى أن أديب فرحات يرى أن انخراط الحكومة اللبنانية لا يزال غير كافٍ، مع إقراره في الوقت نفسه بأن الدولة عاجزة أمام آلة الموت الإسرائيلية. أما جوان بجالي، فأعربت عن أسفها لكون عدد الجهات والجمعيات المنخرطة في جهود حفظ الذاكرة لا يزال محدودًا مقارنة بحجم المأساة والدمار الذي يطال جنوب لبنان.