لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعدته سوزانا جورج قالت فيه إن حالة من الإحباط تسود بين حلفاء الرئيس دونالد ترامب في الخليج، حيث يشعر قادته بأن الرئيس لم يعد قادرا على إدارة الدبلوماسية الضرورية لتحقيق سلام مع إيران.
وأضافت الصحيفة أن ترامب أصدر في الأسابيع الماضية سلسلة من التهديدات ضد إيران، ليتراجع عنها لاحقا، قائلا إن تقدما حدث في المحادثات.
فبعد أشهر من الصراع واستمرار الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة من إيران ووكلائها، أفاد ثلاثة مسؤولين ودبلوماسي أمريكي سابق لصحيفة “واشنطن بوست” بأن حكومات السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين باتت متحدة في استيائها من الإدارة الأمريكية، حيث بدأت بعض هذه الدول في مناقشة جدوى استمرار استضافة قواعد عسكرية أمريكية كبيرة على أراضيها.
ونقل التقرير عن مسؤول خليجي قوله: “ترامب هو من أشعل فتيل هذه الحرب، ونحن ندفع ثمنها”.
وأضاف المسؤول أن الغضب من الولايات المتحدة بلغ ذروته منذ الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في شباط/فبراير.
وتابعت الصحيفة أن دول الخليج ما تزال تعتمد على واشنطن كشريك أمني وثيق ومورد رئيسي للأسلحة، كما تستضيف قطر والبحرين قواعد أمريكية كبيرة. إلا أن هذا الإحباط يدفع بعض الدول إلى التفكير في ترتيبات جديدة.
ويرى المحللون أن هذه الديناميات من غير المرجح أن تحدث تغييرا جذريا في المنطقة على المدى القريب، لكن بعض الدول بدأت بالفعل في دراسة خياراتها.
وعلق مسؤول أوروبي بارز بأن اتفاقية الدفاع المشترك التي وقّعتها السعودية وتركيا وباكستان الأسبوع الماضي كانت “رسالة إلى الولايات المتحدة”.
وأوضح المسؤول، الذي يتواصل بانتظام مع قادة دول الخليج، أن الاتفاقية تظهر أن الدول السنية الثلاث القوية “تسعى إلى تنويع شراكاتها الأمنية والدفاعية”، مضيفا: “إنهم يرون أن الولايات المتحدة وحدها لا تكفي”.
ونفى مسؤول في البيت الأبيض ما يقال، مؤكدا أن ترامب “يتمتع بعلاقات استثنائية مع جميع شركائنا في الخليج”. وقال المسؤول الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: “الولايات المتحدة على اتصال دائم بجميع حلفائها الإقليميين منذ ما قبل الحرب”، مضيفا أن “إيران أكثر عزلة من أي وقت مضى نتيجة لأعمالها الإرهابية”.
ولم يستجب ممثلو حكومات السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين لطلبات التعليق.
وقال فراس مقصد، مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة “أوراسيا”: “كان هناك إحباط منذ البداية” وأن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي يشعرون بأنهم تورطوا “دون داعٍ” في حرب يكافح ترامب الآن لحلها.
وأضاف مقصد الذي يتمتع بعلاقات واسعة مع دوائر القرار الخليجية، أن سياسة ترامب تجاه إيران توصف في المنطقة بأنها “متقلبة” و”غير متوقعة”.
من جانبها، قالت آنا جاكوبس، الباحثة في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، إن “الثقة بالولايات المتحدة تراجعت” منذ بداية الحرب.
وعلق دبلوماسي غربي في المنطقة قائلا إن هذه التغييرات لا تشكل تحولا جوهريا في المشاعر تجاه الولايات المتحدة. وأضاف أنه حتى قبل الحرب مع إيران، لم تكن القوات الأمريكية في المنطقة موضع ترحيب “وبشكل حار”.
وتابع الدبلوماسي: “كان وجودها أشبه بشرّ لا بد منه، أما الآن، فقد تحولت أهمية وجودها إلى موضع تساؤل”.
وأضافت الصحيفة أن السعودية تعرضت لضغوط شديدة في الأسابيع الأخيرة. فبالإضافة إلى الهجمات التي شنتها إيران والجماعات المدعومة منها في العراق، استُهدفت المملكة من قبل الحوثيين الموالين لإيران في اليمن.
وشن الحوثيون أكثر من مرة هجمات على البنية التحتية للطاقة في السعودية، ويريدون إغلاق مضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر. ومنذ أن أغلقت إيران مضيق هرمز في الأيام الأولى للحرب، تعتمد السعودية على موانئها على البحر الأحمر لتصدير نفطها.
وقالت الصحيفة إن مواقف قادة الخليج تغيرت من الحرب. وعارضت عمان الصراع منذ البداية، بينما أيدته السعودية والإمارات والبحرين في بعض الأحيان.
وشاركت القوات الإماراتية بـ”عدة” ضربات على الأراضي الإيرانية في الأشهر الأخيرة، وفقا لما ذكره دبلوماسي غربي. وردّت القوات السعودية على هجمات الجماعات المدعومة من إيران التي انطلقت من العراق.
وأشار مسؤول أوروبي بارز: “في بداية الحرب، كانوا، ولا أريد أن أقول مؤيدين، لكن بصراحة، لم يكونوا معارضين للحرب تماما”.
وأضاف أن التفكير السائد في أبو ظبي والرياض كان أن تحقيق نصر سريع وحاسم قد يكون مفيدا.
وبدأ هذا التوجه بالتغير قبيل الجولة الأولى من المحادثات بين إيران والولايات المتحدة في نيسان/أبريل بحسب المسؤول، عندما اتضح أن النظام الإيراني لن يسقط فحسب، بل ورفض إعادة فتح مضيق هرمز.
وقال بدر السيف، الأستاذ المساعد للتاريخ في جامعة الكويت، إن تناقضات ترامب في الأشهر التي تلت ذلك، أثارت قلق دول الخليج. وأضاف السيف، الباحث أيضا في معهد دول الخليج العربية في واشنطن: “حتى قبل كل هذا الجدل مع ترامب، لم تكن هناك استراتيجية واضحة”.
واستشهد بمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في حزيران/يونيو، ووصفها بأنها “نكتة” ولم تتناول أهم مخاوف دول الخليج، بما في ذلك ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية أو دعم طهران للقوى الوكيلة. وشرح السيف قائلا: “لم تكن تلك الشروط مقبولة لدينا، ولهذا السبب انهارت سريعا”.
ورد مسؤول في البيت الأبيض قائلا إن ترامب “لطالما كان واضحا في تفضيله للدبلوماسية” ولسوء الحظ، اختارت إيران طريق العنف بقتل جنود أمريكيين وارتكاب أعمال إرهابية دولية، والهجوم على جيرانها في المنطقة، وقد حرص القائد الأعلى للقوات المسلحة على أن تتحمل عواقب تلك القرارات”.
وتعلق الصحيفة أن دول الخليج تفتقر إلى بديل عملي فوري لشراكاتها الأمنية الممتدة لعقود مع الولايات المتحدة. ومع استمرار الصراع، قال المسؤول الخليجي إن خيارهم الوحيد هو تعزيز تحالفاتهم مع واشنطن، مضيفا: “مهما فعلنا، لا يمكننا رفض طلبات الولايات المتحدة”.
ويرى دوغلاس سيليمان، سفير الولايات المتحدة لدى الكويت والعراق في عهد الرئيسين باراك أوباما وترامب، أنه لمس استياء من واشنطن خلال زيارة قام بها في الآونة الأخيرة إلى المنطقة. لكنه أضاف أنه في الأسابيع الأخيرة، يسمع أيضا غضبا متزايدا تجاه طهران بسبب هجماتها المستمرة على البنية التحتية ورفضها إعادة فتح مضيق هرمز.
ووصف سيليمان، الرئيس الحالي لمعهد دول الخليج العربية، الشعور السائد في المنطقة بأنه “نوع من التناقض الغريب بين الغضب من الولايات المتحدة لبدء الحرب والاعتماد عليها” في المعدات والذخائر والمعلومات الاستخباراتية.
وتقول الصحيفة إنه إذا طال أمد الحرب، فسيزداد الضغط الاقتصادي على الخليج. فخلال الصيف تهدأ المنطقة، ويتباطأ النشاط السياحي ويلجأ السكان إلى منازلهم هربا من الحرارة الشديدة.
وفي الخريف، تنخفض درجات الحرارة وتستأنف الأنشطة. وفي هذا العام، باتت المؤتمرات والاجتماعات الكبرى والمهرجانات وسباقات الفورمولا 1 التي تملأ روزنامة الفعاليات من تشرين الأول/ أكتوبر إلى كانون الأول/ ديسمبر في حالة من عدم اليقين.
ومن المقرر أن يعقد معهد مبادرة مستقبل الاستثمار السنوي العاشر في المملكة العربية السعودية في أواخر تشرين الأول/أكتوبر. وقال دبلوماسي غربي إن ما يُطلق عليها “دافوس في الصحراء” قد يكون اختبارا مبكرا لمعرفة ما إذا كان كبار المسؤولين وكبار المديرين التنفيذيين على استعداد لزيارة المنطقة.