شركة إماراتية دربت وأدخلت مرتزقة كولومبيين إلى السودان وشهدوا مذبحة الفاشر


لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تحقيقا أعدته كاثرين هوارليد، قالت فيه إن مرتزقة من كولومبيا دخلوا إلى السودان وقاتلوا في حربه المنسية عبر ترتيب إماراتي.

وقالت إن الكولومبيين اعتادوا على مشاهدة الموت، ولكن ليس بهذا الحجم. فقد كان عدد كبير منهم من قدامى المحاربين في القوات الخاصة، أو خاضوا معارك ضد المتمردين في أدغال أمريكا الجنوبية، وعمل بعضهم كمسلحين لدى عصابات المخدرات في أمريكا الجنوبية، لكن قلة منهم عملوا كمتعاقدين أمنيين في الشرق الأوسط، وما رأوه في الفاشر كان مختلفا جدا.

وعندما وصلوا إلى السودان في 2024، كانت الحرب الأهلية قد تسببت في أسوأ أزمة إنسانية بالعالم. ثم جاء حصار دام 18 شهرا، أعقبه سقوط مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور. بعد ذلك، أعلنت الأمم المتحدة وقوع أعمال إبادة جماعية، وأبلغت إحدى منظمات حقوق الإنسان أعضاء البرلمان البريطاني بمقتل عشرات الآلاف. وانتشرت مقاطع فيديو لقائد شبه عسكري يعدم بفرح مجموعات من الأسرى العزل. وبعد انتهاء المذبحة، ظل دخان محارق الجثث يتصاعد فوق الأحياء المهجورة لأسابيع، حيث كان يشاهد من الفضاء.

وعندما وصل لويس إلى المدينة، كانت الشوارع خالية بشكل مخيف، ولم تكن هناك سوى رائحة الموت، وقال: “كان الهواء مكتظا بالذباب الذي انجذب إلى الجثث وأكوام القمامة. كانت هناك جثث تحولت إلى اللون الأرجواني من شدة تعرضها للشمس لفترة طويلة، وكان من المريع أن يحوم ذلك الذباب حولك وأنت تأكل”.

وتشير الصحيفة إلى أن الجنرالين في مركز الحرب الأهلية، قائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تحولا من التعاون من أجل قمع المتمردين في دارفور، إلى التعاون والإطاحة بسيدهما عمر البشير، ثم إلى الشك والعداء الذي بدأ في صباح 15 نيسان/أبريل 2023، حيث شنت قوات الدعم السريع هجمات في أنحاء البلاد، دمرت خلالها طائرات عسكرية، ونهبت الأموال والذهب، وحاصرت المواطنين المذعورين في أي مكان وجدوا فيه مأوى.

ومع اتساع رقعة الصراع وانضمام ميليشيات إلى كلا الجانبين، اتخذ الصراع منحى عرقيا. وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على قوات الدعم السريع لارتكابها فظائع واسعة النطاق، بما في ذلك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية ضد جماعات غير عربية، كما فرضت عقوبات على الجيش لشنه غارات جوية على بنى تحتية محمية كالمستشفيات، ومنعه وصول المساعدات الإنسانية، واستخدامه الأسلحة الكيميائية.

وأدى القتال والمجاعة الناجمة عنه، إلى نزوح 15 مليون شخص من ديارهم. وبعد السنة الأولى من الحرب، قدرت الولايات المتحدة عدد القتلى بنحو 150,000 شخص.

أما الآن، وقد دخلت الحرب عامها الرابع، فقد توقفت التقديرات الدقيقة لعدد الضحايا.

وخلال هذه الفترة، تفاقم الصراع واجتذب قوى إقليمية. فقد زودت إيران وتركيا الجيش السوداني بالأسلحة، كما عُثر على أسلحة إماراتية في مخازن قوات الدعم السريع. ومع فرار اللاجئين عبر الحدود، تدفق المرتزقة من ليبيا وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا ودول أخرى. وقد جاء بعضهم من أماكن أبعد من ذلك.

وكان لويس واحدا من حوالي 2000 مرتزق كولومبي وصلوا إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع. وقال إن الأشخاص الذين جلبوه إلى هناك يعملون لدى شركة أمنية خاصة تدعى “مجموعة الخدمات الأمنية العالمية” (جي أس أس جي)، ومقرها الإمارات العربية المتحدة، ويديرها جنوب أفريقيون، ويزعم أن لها صلات بالسلطات الإماراتية. ولم تستجب الشركة لطلبات التعليق.

وأجرت الصحيفة مقابلات مع لويس وستة من رفاقه المقاتلين، تقدم في مجملها صورة مفصلة عن كيفية قيام شركة أمنية إماراتية بارزة بإدخال مرتزقة وأسلحة إلى ساحة المعركة في السودان، حتى في الوقت الذي تعهد فيه القادة الإماراتيون علنا بالمساعدة في إحلال السلام. وقد نفت الإمارات في عدة مرات دعمها لقوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب أو أي تورط لها في تجنيد المرتزقة.

ومع ذلك، تربط الإمارات علاقات طويلة الأمد بقوات الدعم السريع. وتقول منظمات حقوق الإنسان إن نشر المرتزقة لدعم قوات الدعم السريع سيكون مستحيلا دون موافقة فعلية من حكومة الإمارات.

وكان من بين الكولومبيين الذين تحدثوا إلى صحيفة “فايننشال تايمز” متخصصون وضباط ومقاتلون في الخطوط الأمامية، قدموا تفاصيل عن كل شيء بدءا من تنظيم وحداتهم وأسماء قادتهم، وصولا إلى كيفية تقاضيهم رواتبهم وما تتضمنه واجباتهم.

وقالوا إنهم نُشروا باستخدام شبكة من الطائرات والمطارات السرية في دول تعد من حلفاء الإمارات الرئيسيين، من مدينة الكفرة شرق ليبيا إلى منطقة بونتلاند شمال الصومال والجناح العسكري لمطار تشاد. وتدعم رواياتهم قوائم ركاب الرحلات الجوية وسجلات الهجرة والسفر لعدد كبير من الكولومبيين، بالإضافة إلى مقاطع فيديو وصور من شهود عيان، وتحليل بيانات تتبع الأجهزة وشهادات سودانية.

ونقلت الصحيفة عن مانويل، وهو مرتزق سابق بارز، أنه تدرب في الكفرة، وعمل مع مقاتلين من جنوب أفريقيا وأوكرانيا في دارفور عام 2024.

وتعلق الصحيفة بأن الإمارات هي التي ضخت أكبر قدر من الأموال والموارد في الصراع، وهي التي تزود قوات الدعم السريع بالأسلحة. فمصالحها في السودان قد تضررت بسبب الحرب، وخسرت مليارات الدولارات، بما في ذلك مناجم الذهب والزراعة وصفقة ميناء كانت جزءا من مساعيها الأوسع لبسط نفوذها في منطقة البحر الأحمر والسيطرة على الطرق البحرية التي تغذي ثروتها، بالإضافة إلى التعلل بخطر الإسلاميين وأن الجيش السوداني متحالف مع جماعة الإخوان المسلمين، كما تزعم. كما تربط الإمارات علاقة طويلة الأمد مع قائد قوات الدعم السريع، الذي أرسل آلاف المرتزقة السودانيين للقتال في اليمن نيابة عن الإمارات.

أما الكولومبيون فقد قدموا لأسباب أبسط. قال مانويل بأسى: “المال الإماراتي يشتري الكثير من الضمير”.

وقد بدأت حرب السودان باستقطاب المرتزقة فور اندلاع القتال: عملاء من مجموعة فاغنر الروسية الذين كانت لهم مصالح في الذهب هناك، ومشغلو طائرات مسيرة أوكرانية منافسة يعملون لصالح كلا الجانبين، ومقاتلون مستقلون من مختلف أنحاء منطقة الساحل.

لكن العملية الكولومبية كانت الأكبر والأكثر تنظيما والأكثر فعالية، وأفاد المقاتلون بأن التجنيد للعملية السودانية بدأ في كولومبيا منتصف عام 2024. وقال مرتزقان سابقان إن عروض العمل بدأت تتوالى عبر تطبيق واتساب من الأصدقاء والرفاق السابقين. ووصفت الشركة الإماراتية التي يقولون إنها تعاقدت معهم، وهي شركة جي أس أس جي، نفسها على موقعها الإلكتروني بأنها “المزود الوحيد لخدمات الأمن الخاصة المسلحة لحكومة الإمارات العربية المتحدة”.

ووصف مانويل تشكيلات المرتزقة الكولومبيين بثلاث كتائب، وأنه أُرسل إلى السودان في تشرين الأول/أكتوبر 2024 مع الكتيبة الأولى من المقاتلين الكولومبيين لإنشاء موطئ قدم للإمدادات. وأضاف أن لويس كان في الكتيبة الثانية، التي تم نقلها عبر قاعدة ممولة إماراتيا في مدينة بوصاصو شمال الصومال، على متن طائرة روسية قديمة. أما الكتيبة الثالثة فكانت في الخطوط الأمامية للاستيلاء على الفاشر.

ووصف أحد المقاتلين، كارلوس، كيف تم تدريب حوالي 300 متخصص سرا على الطائرات المسيرة والأسلحة المضادة للطائرات في الإمارات العربية المتحدة من كانون الثاني/يناير إلى تشرين الأول/أكتوبر 2025، قبل وصولهم إلى السودان. وقال إنه أمضى هناك حوالي ثلاثة أشهر. وقد تم تأكيد روايته من قبل رجلين قالا أيضا إنهما شاركا في تدريب في الإمارات، بالإضافة إلى تحليل لبيانات تتبع الهواتف من شركة “كونفليكت إنسايتس غروب” (سي أي جي) الأمريكية، فضلا عن تقرير صادر عن منظمة “هيومان رايتس ووتش” حدد قاعدتين عسكريتين إماراتيتين من خلال رسائل المرتزقة على منصات التواصل الاجتماعي.

وقال جاستن لينش، رئيس مركز سي أي جي: “مولت الإمارات ودربت مرتزقة دعموا سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر”. وأضاف: “كان المرتزقة حاضرين عندما سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة وارتكبوا بعضا من أبشع عمليات القتل في هذا القرن”. وتدرب بعض هؤلاء المرتزقة في قاعدة إماراتية، وهو أمر “مستحيل دون موافقة الحكومة”، على حد قول لينش، و”يربط السجل الرقمي معسكر التدريب في أبوظبي بالمقابر الجماعية في الفاشر”.

وتقول الصحيفة إن شركة جي أس أس جي، التي ادعى الكولومبيون العمل لصالحها، أسسها شخص يعمل في الديوان الرئاسي الإماراتي عام 2016. ويصف موقع الشركة الإلكتروني الشركة بأنها “شركة أمنية خاصة مستقلة”. وقال أحد المرتزقة إنه على الرغم من أن جي أس أس جي شركة خاصة، إلا أن طاقم التدريب في الإمارات يبدو أنه من الجيش الإماراتي.

وقال إنه وكولومبي آخر تدربا في قاعدة ببلدة غياثي في أبوظبي، والتي وصفتها لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة عام 2021 بأنها “معسكر عسكري” سبق أن درب مرتزقة سودانيين استأجرتهم شركة “بلاك شيلد” الإماراتية، تحت إشراف ضباط عسكريين إماراتيين. ووصف أحد المقاتلين المدربين بأنهم إماراتيون، بينما قال آخر إنه تلقى تدريبا “على يد عرب”، لكنه امتنع عن تقديم تفاصيل. وأكد مانويل أن بعض زملائه تلقوا تدريبا على الطائرات المسيرة في غياثي. وحددت منظمة “هيومان رايتس ووتش” القاعدة ومنشأة عسكرية على ما يبدو في منطقة الوثبة بأبوظبي من خلال لقطات نشرها كولومبيون على حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي.

وقال لويس إن كل كتيبة كانت مقسمة إلى سرايا يقودها رائد. وتتكون كل منها من ثلاث فصائل تضم 31 عنصرا، بالإضافة إلى ثلاثة مشرفين على الفصائل وقائد. وكان العنصر يتقاضى 2600 دولار أمريكي شهريا، والمشرفون 2800 دولار، والضباط 3500 دولار. وأضاف أن الكتيبة الثانية كانت تضم حوالي 400 رجل، بأعداد مماثلة في الكتائب الأخرى.

ولعبت بوصاصو في الصومال دورا مهما، وتدير الإمارات قاعدة عسكرية هناك، تضم حظيرة طائرات مغطاة، في مطار بوصاصو الدولي. وكانت قاعدة لوجستية وطبية رئيسية، وقال أحدهم، ويدعى رودريغو، إنه تدرب في بوصاصو ووصفها بأنها “مركز للمرتزقة الذين يرسلون إلى السودان وأجزاء أخرى من أفريقيا حيث تدور الصراعات”. وقال: “عندما وصلت، كان هناك أفارقة وجنوب أفريقيون، وأمريكيون لاتينيون وكولومبيون وبيروفيون ومكسيكي وغواتيمالي. كان حوالي 200 شخص يخضعون للتدريب”.

واستخدمت قاعدة بوصاصو أيضا لتخزين جثث المرتزقة القتلى، وفقا للويس. وقال: “بعض الرفاق الذين لقوا حتفهم موجودون في ثلاجات في بوصاصو منذ أكثر من ستة أشهر”.

وتشير سجلات الوفيات الرسمية لثلاثة كولومبيين بتاريخ 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، إلى أنهم قتلوا جراء “انفجار غاز” في بونتلاند، بينما قال مرتزقان آخران إنهما كانا يعملان كمشغلي طائرات بدون طيار وقتلا أثناء العمليات. وقال لويس: “ينقل المصابون إلى بوصاصو، يتعافون ثم يعودون إلى بلادهم”.

وقال عدد من الكولومبيين إنهم يعرفون زملاء لهم كانوا في الفاشر، لكنهم نفوا مشاركتهم في أي عمليات قتل للمدنيين.

وقال لويس إنه وصل بعد انتهاء القتال، وأصر على أن الكولومبيين لم يشاركوا في الجرائم التي أبلغت عنها منظمات حقوق الإنسان، وهي: مذبحة المرضى على أسرّة المستشفيات، والاغتصاب الجماعي، وعمليات الخطف التي تم تصويرها مع عمليات إعدام، ودهس المدنيين الفارين بالمركبات المدرعة. لكن هذا لا يعني أنهم لم يتدخلوا. وأجرت منظمة “هيومان رايتس ووتش” مقابلة مع أحد الناجين من الفاشر، الذي قال إن رجالا بيضا كانوا حاضرين عندما أعدم مدنيون، بمن فيهم نساء وذوو إعاقة، أثناء محاولتهم عبور جدار ترابي ضخم بنته قوات الدعم السريع حول المدينة لمنع السكان من الفرار.

وللتحقق من بعض التفاصيل التي قدمت للكاتبة في التحقيق، تتبعت “كونفليكت إنسايت غروب” أجهزة الاتصال باستخدام تقنيات متاحة تجاريا، بما في ذلك ملفات تعريف الارتباط المجهولة على الهواتف المحمولة. وكشف التحليل عن تدفق مستمر للحركة بين الإمارات العربية المتحدة ومراكز الدعم الإماراتية، بما في ذلك بوصاصو والكفرة ومدن سودانية مثل نيالا والفاشر. وتؤكد هذه الأنماط الادعاءات بأن الإمارات تمرر الدعم عبر الصومال وليبيا ودول أخرى، على الرغم من حظر الأمم المتحدة توريد الأسلحة إلى دارفور. وتتيح تقنية التتبع التي تستخدمها المجموعة للباحثين تحديد منطقة جغرافية، والبحث عن الأجهزة داخلها خلال فترة زمنية محددة، ثم فحصها حسب إعدادات اللغة وتتبع تحركاتها.

وظهر ما لا يقل عن 40 جهازا بإعدادات اللغة الإسبانية في قاعدة قوة شرطة بونتلاند البحرية، الممولة من الإمارات، بين نيسان/أبريل وكانون الأول/ديسمبر من العام الماضي. كما ظهر ما لا يقل عن 10 من هذه الأجهزة في مطار نيالا بالسودان.

وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي، أفادت المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بأن الصراع المترامي الأطراف يمتد عبر حدود السودان ليهدد المنطقة، جاذبا مقاتلين وأسلحة من مناطق أبعد، مما يسرع من انتشار الأسلحة وتطور شبكات المرتزقة. وقال عماد الدين بادي، معد التقرير، إن إدخال عناصر ذات خبرة مثل الكولومبيين يعد تصعيدا خطيرا للحرب ويؤجج سباق تسلح إقليميا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *