مظاهرة ضد شهر شباط


أن يكون اليوم ستين ساعة فهذا أمرٌ لا يطاق، رغم أن ما دفع البشر لفعل هذا هو شكواهم من مرور الوقت بسرعة!
نسيتُ أن أقول، أنا الرّاوي الاصطناعي العليم، أنّ البشريّة، قبل أن أُصبح جزءًا من تكوينها بقليل، أوشكَتْ أن تُجنَّ فعلًا، فعدّاد الوقت كانت سرعته أشبه بسرعة القطار الطلقة، أو الصاروخ فرط صوتي، فلم يعُد الإنسان قادرًا على تحديد أكثر من موعد واحد في اليوم وهو في مكانه، أو الذّهاب إلى موعد واحد في مكان آخر وقد باتت الشوارع كراجات أكثر منها مسارات، وهذا ما حوَّل كثيرًا من البشر إلى حالات عُصابيَّة، ترتكب أفظع الجرائم قبل أيّ تفكير.
بعد ذلك بزمن، قرَّرت الحكومات اتخاذ إجراءات يمكن أن أدعوها «نفسيّة» إذ ألزمتْ الجميع بأن يتمَّ طلاء بيوتهم باللون الأبيض، لإعطاء إحساس برحابة المنازل والأمكنة التي يعملون فيها، وساهم هذا الإجراء في تخفيف حدّة الضِّيق، لكنه لم يكن حاسمًا بشأن الوقت، فكان القرار الثاني، وهو توزيع ساعات حائط كبيرة مثل تلك التي كانت تُستخدم في الزمن القديم، وتعليقها في كلِّ غرف المنزل وفي كل مكان عام، وفي الشوارع والميادين وتكون كلّها بعقرب واحد، ومتوقّفة، وقد تُرِكَت للناس حريّة اختيار الوقت الذي تشير إليه العقارب.
النجاح الذي تحقَّق، بالتّدريج، كان جيدًا، لكن المشكلة كانت في السّاعات الدّاخلية للبشر، فعادوا للتذمُّر من جديد.
كلُّ هذا سرَّع في التمهيد لقيام مظاهرات عالمية، عالمية حقًّا، نظَّمتها منظمة دوليّة اسمها «ضحايا الوقت»، وكان شعارها «آن لهذا الوقت أن يصبح أبطأ»، فردَّتْ عليه الحكومات بشعار أصبح الناس يرونه في كلِّ مكان: «لا يمرُّ الوقت بسرعة، نحن الذين نمرُّ بسرعة».
لكن هذا الشّعار خلَّف كآبة عامة، بدَتْ معه السماء كالحة باستمرار، إلى أن أَجبر الناس حكوماتهم على إزالة شعارها.
المظاهرة الكبرى التي شهدها العالم يوم الخامس من آب/أغسطس عام 2093، كانت أغرب مظاهرة في التاريخ ربما، إذ كانت ضدّ شهر شباط/فبراير، وطالبتْ، برفع عدد أيامه لتكون اثنين وثلاثين يومًا، عقابًا له على الأيام التي اختلسها من أعمارهم، الأيام التي لم يعيشوها.
ونجحت المظاهرات، وانصاع مَن، وما، تبقَّى من حكام ودول، بتوحيد أيام السّنة، بحيث تكون جميعها ثلاثة وثلاثين يومًا، مستندين إلى التغيُّرات التي راحت تشهدها مجموعتنا الشمسية (التي لم تعُد شمسية حقًّا بغياب الشمس).
نتيجة المظاهرات فاقت التّوقُّعات، ولعلّها الأكثر نجاحًا منذ المظاهرات ضد حرب فيتنام، والمظاهرات ضد الحكم العنصري في جنوب إفريقيا، وتلك التي أعقبت الإبادة الجماعية التي ارتكبها الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.
***
التعديلات اللاحقة، الأكبر والأوسع، التي ستطرأ على التقويم بعد ذلك بسنوات طويلة، كانت مفرحة في البداية، وأصبحت حِمْلًا ثقيلًا في ما بعد، فقد حقَّق البشر نصرًا كاسحًا على الوقت – مع أنّ لا أحد يمكنه أن ينتصِر على الوقت – حيث أصبح باستطاعة أيّ شخص أن يؤدِّي كلَّ مهامِّه ويفي بكل مواعيده، حين أصبح اليوم ستين ساعة، لكنّ مشكلة جديدة أطلَّتْ برأسها لم تكن في الحسبان، وهي مشكلة طول الانتظار لكلِّ شيء، فقد بات الانتظار، الذي يمكن أن ندعوه الموت السّاكن، هو المشكلة.
لا يعرف صاحب الحلم ولا حبيبته روان عن هذا إلّا ما قرآه وسمِعاه، ولكنهما في النهاية لم يعيشاه. الوضع مختلف الآن، حتى وهما يتندَّران على الأسلاف الذي أمضوا عامين كاملين محشورين خلال وباء كوفيد، وجلسوا في أكبر قاعة انتظار وجِدت بسبب المرض، وأعني هنا الكُرة الأرضية، قبل أن يأتي الوباء الثاني الذي لا مثيل له.
بالطبع، البشر يقولون إن الفترتين السوداوين كانتا أطول انتظار عاشوه، ولكنهم يتناسون أن الأرض كانت دائمًا أكبر غرفة انتظار يُمضي فيها الواحد منهم حياته منذ مولده منتظرًا لحظة موته؛ أوَلَم يقل أحد شعرائهم: «محكوم بالإعدام أنا، عقوبتي الحياة».
لا أستطيع أن أقول إن الأمور الآن على أفضل ما يرام، لأنني بتُّ أرى بوادر ثورة قادمة، ثورة قد تكون مُزلزِلة للأرض، وقد بدأ كثير من الناس يتهامسون، بسبب إحساسهم المرعب بالوحدة: نريد ظلالنا الآن.

من رواية بعنوان «نصف الطريق إلى الجنّة» تصدر في نهايات الشهر المقبل، وهي ثالث روايات «ثلاثية الرّاوي العليم» بعد «كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر» و»مصائد الرياح».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *