محمود درويش .. خطاب الأرض والمرأة


يؤسّس الشاعر محمود درويش للغة مُفعمة بالجمال، ولخطاب ٍ مفعم بلغة عميقة، فهو يحوّل الأشياء الجامدة إلى أشياء أكثر حيوية، حتى عندما يمزج بين لغة (الحُبّ) من جهة، و(يومياته) من جهة أخرى، فالأقرب في نصوصه أنه يفترض رؤيته بما يقدّمه من رمزيات تُظهر حماسه، ورغبته، وجمعه بين الأمرين:
رأيتكِ في خوابي الماء والقمحِ
محطَّمةً .. رأيتكِ في مقاهي الليل خادمةً
رأيتكِ في شعاع الدمع والجرحِ ..
رأيتكِ عند باب الكهف… عند النار
مُعَلَّقَةً على حبل الغسيل ثياب أيتامك
يوجّه الشاعر درويش – المعنى – من خلال خطابه المباشر مع الـ(أنتِ)، الأرض أو المرأة المثال، أي الغائبة، بوصفها المُخاطَب الممزوج بالـ(أنا)، فيُظهر الشاعر هواجسه المخفية على أمل الإخبار، والمكاشفة، والوضوح لِما هو محجوب عن الآخرين، فالصوت الشعري -آني- بينه وبينها، لكنه يمرّ على الآخرين بوصفهم (المتلقين) المُفسّرين، الناصتين، للمِحنة؛ لتكون (المعرفة) مُشتركة، ما بين الشاعر والحبيبة الـ(أنتِ) أو (الأرض)، يقابلهما الجمهور؛ فيُفصح درويش عن المعاناة التي يعيشها البلد، متمثلة بالحبيبة (الأرض):
رأيتكِ في المواقد… في الشوارع…
في الزرائب… في دمِ الشمسِ
رأيتكِ في أغاني اليُتم والبؤسِ!
رأيتك ملء ملح البحر والرملِ
وكنتِ جميلة كالأرض… كالأطفال… كالفلِّ
تتجسّد المرأة لدى درويش، بالمدينة، بالقرى، بالبلاد، بالأمكنة، بوصفها امرأة حبيبة، تظلّ تعاني من الاحتلال والحرب، فيتشكّل النص من خلال لغة (الحبّ / المدينة) بوصفها امرأة، ولغة (العنف/ الاحتلال) بوصفهِ سالباً جمالها ورونقها:
وأُقسم: من رموش العين سوف أُخيط منديلا
وأنقش فوقه شعراً لعينيكِ
وأسماً حين أسقيه فؤاداً ذاب ترتيلا…
يمدُّ عرائش الأيكِ…
سأكتب جملة أغلى من الشُهَدَاء والقُبَلِ:
« فلسطينيةً كانت، ولم تزل «
يرسم الشاعر درويش لغة جمالية، على الرغم من ألفاظ الحرب المهيمنة في نصّه، فيقرّب الماضي بوصفهِ جميلا، ولا يبعد الحاضر بوصف المدينة لم تزل كذلك، فهو يسعى إلى أن يكتب المعنى الذي يلد البقاء، إنها البلاد العصيّة على الغزاة والمحتلين، (فلسطين)، المتمثلة بالحبيبة، لتكون أغلى من الشهداء، فهم المضحون من أجلها؛ لتكون هي، البلاد (الحبيبة):
فتحتُ الباب والشباك في ليل الأعاصيرِ
على قمرٍ تصلَّب في ليالينا
وقلتُ لليلتي: دوري!
وراء الليل والسورِ
فلي وعد مع الكلمات والنورِ
يمازح درويش في لغتهِ الكلمات؛ ليكون جادّاً في معناه، وينسج رمزاً في ألفاظهِ، فيكون قاصداً في رؤاه، وبالتالي فإن ما يقدّمه من مزيج المعاني قابل للإيحاء، مُدرك للصورة الأكيدة، سواء مدينته أم حبيبته، إنْ مزج ما بينهما، أو أفرد السؤال عنهما:
وأنتِ حديقتي العذراءُ .. ما دامت أغانينا
سيوفاً حين نشرعها
وأنتِ وفيَّة كالقمح…
ما دامت أغانينا
سماداً حين نزرعها
وأنت كنخلة في البال،
ما انكسرتْ لعاصفةٍ وحطّابِ
وما جزَّت ضفائرَها
وحوشُ البيد والغابِ …
يُدرك الشاعر محمود درويش – الآخر- بوصفه مُتلقياً، واعياً، يسلك في منحى تلقيه لغة الواقع، ثم يحاول الشاعر إشراكه في المِحنة، والجمال، فيوصف ما يُعرف، ويُبيّن ما لا يُكشف من بلادهِ:
ولكني أنا المنفيُّ خلف السور والبابِ
خُذينيَ تحت عينيكِ
خذيني، أينما كنتِ
خذيني، كيفما كنتِ
أردِّ إليَّ لون الوجه والبدنِ
وضوء القلب والعينِ
وملح الخبز واللحنِ
وطعم الأرض والوطنِ!
يعي درويش ما يقول، فالخطاب الشعري لديه يدور بين العاطفة والعقل، إذ إنّه يعكس لغة طريّة لحبيبته (الأرض)، على اعتبار العاطفة المبنية في رمزية الأشياء الموجهة لها، ومن ثم يركّز فيه على بنية (الوطن)، من خلال العقل المُصاغ بطريقة مفعمة بالإيمان، ووفق ذلك، يكون خطاب درويش حسّياً خالصاً، يُحوّل فيه المعنى نحو الوطن؛ لتأخذه الأرض من (مصوخ) المنفى إلى (ملحها)، ومن لحظات (الزوال) إلى (البقاء)، من آيات (الرحيل) إلى (العودة):
خُذيني تحت عينيكِ
خذيني لوحة زيتيَّةً في كوخ حسراتِ
خذيني آيةً من سفر مأساتي
خذيني لعبة… حجراً من البيت
ليذكر جيلُنا الآتي
مساربه إلى البيتِ !
يستلهم درويش نصوصه الشعرية، وفق ما يتبناه من رؤية واقعية يومية، وخطاب مباشر بينه، وبين الآخر(الأرض)؛ لتكون اللغة أقرب، والمضمون أكثر تأثيراً: (خذيني تحت عينيك ِ- خذيني لوحة زيتية/ خذيني آية – خذيني لعبة ..)، إذ (يؤنسن) الشاعر اللغة؛ ليُضفي عليها طابع الإنسان، فيجعل من الأرض (حبيبة)، يحاول الوصول إليها، ومن ثم، فالقصيدة توحي بالإيقاع الصوتي المفعم بعفوية الأداء، وبعدها يُضفي الخطاب بقصدية الأسلوب، وهذا المقطع من النص، يُذكرنا بنصّ الجواهري الذي نشره سنة 1927، والذي يقول فيه:
جرّبيني منْ قبلِ انْ تزدَريني
وإذا ما ذممتِني فاهجرِيِني
أخذتني الهمومُ إلّا قليلاً
أدركيني ومن يديها خذيني
يقترب الشاعر محمود درويش هنا من لغة الجواهري في شكل الأداء الصوتي وإيقاعه، وفي الشكل الأسلوبي، إذ كلاهما يكرران الإيقاع نفسه: (جربيني / خذيني)، لكن الأول تتّضح معالم الخطاب الموجه عنده، فهو يخاطب امرأة سواء كانت مثالاً أو حقيقة فعلاً، لكن درويش، يُغلّف شكل الأرض بالمرأة، المرأة لدى درويش هي الأرض، أو العكس صحيح، المهم أن الخطاب متقارب في رؤيتهِ ومعناه ومبناه، لكن الفرق بين الجواهري أنه يُخاطب أنثاه العراقية، بينما يُخاطب درويش أنثاه الفلسطينية:
فلسطينيةَ العينين والوشمِ
فلسطينية الاسم
فلسطينية الأحلام والهمِّ
فلسطينية المنديل والقدمَين والجسمِ
فلسطينية الكلمات والصمتِ
فلسطينية الصوتِ
فلسطينية الميلاد والموتِ
ينغمس نص الشاعر محمود درويش، من خلال كلمات الغزل الطريّة، بخطاب ذاتي رجولي، يربط فيه رؤيته عن فلسطين الأرض؛ ولذلك، ربما تكون هي أنثاه التي يوجّه لها الخطاب، ويُفضّل معها اللقاء، فهو درويش المُخاطِب أرضه، بأن تأخذه حيث الكلمات، والتراب؛ لأنها كانت ميلاده البداية، ومن ثم الموت فيما ستكون النهاية.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *