السعودية تضرب الفصائل وتتفادى حرب إيران.. ما وراء «الردع المنضبط»؟


متابعة/المدى

تتحرك السعودية في المشهد الإقليمي وفق مسارين متوازيين؛ الأول يقوم على الرد العسكري المباشر عندما ترى أن أراضيها ومنشآتها تتعرض لتهديد من جماعات مسلحة، والثاني يسعى إلى منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة مع إيران، في وقت أضافت «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» مع تركيا وباكستان بعداً جديداً إلى معادلة الردع الإقليمي.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الرياض تميز في تعاملها بين إيران بوصفها دولة يمكن إبقاء قنوات السياسة والتفاوض مفتوحة معها، وبين الفصائل المسلحة التي تعتبرها مصدراً مباشراً للتهديد.

وبحسب تقارير صحفية، تعرضت السعودية منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 29 شباط إلى هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما شهد تموز محاولات لاستهداف منشآت طاقة سعودية نُسبت إلى فصائل موالية لإيران في العراق، أعقبتها ضربات سعودية-أميركية على مواقع داخل العراق، أعلن الحشد الشعبي إثرها مقتل 20 من أفراده وإصابة 32 آخرين.

وفي المقابل، تحركت الرياض سياسياً عندما لوّحت واشنطن بشن هجوم واسع على إيران، إذ شدد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خلال اتصال مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء السعودية، على ضرورة تغليب الحوار وخفض التصعيد وبذل الجهود لتحقيق التهدئة.

ويرى الأكاديمي والباحث السياسي عايد المناع، في حديث تابعته (المدى)، أن الرياض لا تريد مواجهة إقليمية واسعة لما قد تحمله من تداعيات أمنية وإنسانية، فضلاً عن احتمالات تعرض دول الخليج لردود إيرانية.

أما الخبير محمد مرعي، فيربط الموقف السعودي بكلفة الحرب المباشرة وما قد تسببه من تهديد للمنشآت الحيوية واضطراب في أسواق الطاقة والشحن والتأمين، إلى جانب تأثيرها في الأولويات الاقتصادية للمملكة.

ويضع الكاتب والمحلل مبارك آل عاتي السياسة السعودية ضمن ما وصفه بـ«الردع المشروط والتجزئة الاستراتيجية»، إذ تحتفظ المملكة بحق الرد على مصادر الهجمات، لكنها تحاول إبقاء التصعيد ضمن حدود تمنعه من التحول إلى حرب استنزاف واسعة.

اتفاقية مكة تدخل المعادلة

ويأتي هذا المسار بالتزامن مع توقيع السعودية وتركيا وباكستان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، التي تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، ما يضيف عنصراً جديداً إلى الحسابات الأمنية في المنطقة.

وكتب الباحث في الشأن السياسي معد فياض، في مقال تابعته (المدى)، أن الاتفاق قد يمثل تحولاً مهماً في موازين القوى، بالنظر إلى الإمكانات العسكرية والاقتصادية للدول الثلاث، فضلاً عن عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي وامتلاك باكستان قدرات نووية.

ويرى فياض أن طهران ستقرأ الاتفاق باهتمام بالنظر إلى موقعها الجغرافي بين الدول الثلاث، رغم عدم إعلان الاتفاق باعتباره موجهاً ضد إيران، كما طرح تساؤلات بشأن إمكانية توسعه مستقبلاً ليشمل دولاً أخرى في المنطقة.

بغداد والرياض.. نافذة للتهدئة

وفي خضم هذه التحولات، جاءت زيارة رئيس الاستخبارات العامة السعودية خالد الحميدان إلى بغداد بعد الضربات الأخيرة وإلغاء زيارة كانت مقررة لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى الرياض، لتعيد فتح قنوات التهدئة بين البلدين.

ويرى الخبير الأمني سرمد البياتي، في حديث تابعته (المدى)، أن إرسال مسؤول سعودي بهذا المستوى يعكس رغبة في إظهار حسن النية وإدارة الخلاف سياسياً، لافتاً إلى أن تجديد دعوة الزيدي لزيارة الرياض يمثل واحدة من أبرز رسائل الزيارة.

وأشار البياتي إلى أن الزيارة قد تكون حملت أيضاً تطمينات بشأن التحالف الدفاعي السعودي التركي الباكستاني، والتأكيد على أنه لا يستهدف العراق أو دول الجوار.

بدوره، يرى المحلل السياسي وائل الحازم، في حديث تابعته (المدى)، أن التطورات وضعت بغداد أمام موقف بالغ الحساسية، وأن معالجة الأزمة مع الرياض ينبغي أن تتم دبلوماسياً، مع ضرورة تعزيز قدرة الدولة على منع استخدام الأراضي العراقية في أي عمليات تستهدف دول الجوار.

ويعتقد الحازم أن حصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة يمثل عنصراً أساسياً في معالجة التوتر، لكنه يشدد على أن نتائج تحركات الحكومة في هذا الملف تحتاج إلى وقت قبل الحكم عليها.

وبين الضربات المحدودة ضد مصادر التهديد، والتحرك لمنع حرب واسعة مع إيران، وبناء شراكة دفاعية جديدة مع أنقرة وإسلام آباد، تبدو الرياض بصدد ترسيخ معادلة تقوم على رفع كلفة استهداف أراضيها من دون إغلاق أبواب الدبلوماسية.

أما بالنسبة إلى العراق، فإن نجاح التهدئة مع السعودية سيظل مرتبطاً بقدرته على منع تحول أراضيه إلى ساحة لتبادل الرسائل الإقليمية، في وقت يضع فيه ملف حصر السلاح بغداد أمام أحد أكثر الاختبارات الأمنية والسياسية تعقيداً.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *