القاهرة ــ «القدس العربي»: تستمر «القدس العربي» في متابعة فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته التاسعة عشرة، المنعقدة في الفترة ما بين 25 يوليو/تموز وحتى 11 أغسطس/آب الجاري، من خلال العروض أو الندوات التي تقام على هامش المهرجان، هذه المتابعة الانتقائية وفق أهمية الندوة أو العرض. وقد أقيمت ندوتان على اختلافهما، إلا أنهما ناقشتا موضوعين مهمين، أولهما عن تطوير الخطاب النقدي، والثانية عن المسرح المصري في مصر القديمة..
النقد والمتغيرات الجمالية
أدارت الندوة الكاتبة والناقدة رشا عبد المنعم، بمشاركة النقاد محمد عبد الوارث، مايسة زكي، وليليت فهمي. وأشارت عبد المنعم بداية إلى أن تجديد، أو تطوير الخطاب النقدي لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، سواء على مستوى وسائل الاتصال أو طُرق تلقي الفنون، مشيرة إلى أن النقد المسرحي يواجه اليوم تحدياً حقيقياً في إعادة بناء علاقته بالجمهور، وطرح أسئلة جديدة تتجاوز الأشكال التقليدية للكتابة النقدية.
طبيعة الجمهور

من جانبه يرى الناقد محمد عبد الوارث، أن قضية تجديد الخطاب النقدي ترتبط في الأساس بقدرة الناقد على فهم المتلقي الجديد، بمعنى.. مَن هو المتلقي الذي يقرأ أو يشاهد هذا العمل؟ وكيف يفكر؟ وما اللغة التي يتعامل بها مع العالم؟ فأي عمل فني، مهما كانت طبيعته، يستهدف في النهاية جمهوراً، ولذلك لا يمكن للناقد أن ينفصل عن طبيعة هذا الجمهور وتحولاته، خاصة في ظل عالم تتغير فيه الأفكار والوسائط بوتيرة متسارعة. ويضيف عبد الوارث، أن المشهد النقدي شهد تحولات كبيرة خلال السنوات الماضية، خاصة بعد 2011، التي خرج من خلال أحداثها ــ لم يذكر أنها ثورة ــ جيل جديد من النقاد يحمل رؤى مختلفة عن الأجيال السابقة، ما يؤكد أن الحركة النقدية تتأثر دائماً بالتحولات الاجتماعية والثقافية. ويرى أخيراً أن الناقد الحقيقي يجب أن يمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة نفسه، لأن عدم وصول الفكرة بالشكل الصحيح يعني وجود خلل في أدواته التعبيرية، وليس في المتلقي.
كتابة إبداعية
وتنفي الناقدة ليليت فهمي عن النقد كونه مجرد تسجيل للانطباعات، أو إصدار أحكام، وإنما هو كتابة إبداعية موازية للعمل الفني. كما أن مهمة الناقد ليست اختراع سرديات جديدة للعمل ـ التأويل حسب الهوى ـ وإنما إعادة ربطه بسياقه الفني والثقافي، وإبراز امتداده داخل التاريخ الطويل للفنون، باعتبار أن أي عمل فني لا يولد بمعزل عن التجارب السابقة، وإنما يأتي امتداداً لها. وأضافت فهمي، أن العروض التي تعتمد على الصورة والحركة تفرض تحديات خاصة أمام الناقد، لأنها تحتاج إلى لغة نقدية مختلفة، وإلى مصطلحات أكثر دقة، في ظل محدودية المراجع العربية المتخصصة في هذا المجال، ما يدفع الناقد أحياناً إلى البحث عن مفردات جديدة، أو استعادة ألفاظ من حقول معرفية أخرى للتعبير عن الظواهر الجمالية التي يشاهدها، خاصة عند التعامل مع عروض الرقص أو المسرح البصري، التي يصعب وصفها بالمفاهيم التقليدية، فتطوير المصطلحات النقدية يعد جزءاً أساسياً من عملية تجديد الخطاب النقدي نفسه.
ضمور العقل النقدي
وترى الناقدة مايسة زكي، أن تجديد الخطاب النقدي يبدأ من داخل الناقد نفسه، الذي من واجبه أن يمارس نقداً ذاتياً مستمراً، مع وعيه التام بانحيازاته الفكرية والجمالية، وأن يكشفها للقارئ بوضوح داخل مقاله، لأن المنهجية العلمية لا تتعارض مع الاعتراف بالميول الشخصية، بل تجعلها أكثر شفافية. وأضافت أن العقل الناقد يحتاج إلى بيئة تسمح بحرية التفكير وتقبّل الأفكار الجديدة، مشيرة إلى أن تراجع هذه البيئة يؤدي بالضرورة إلى تراجع مستوى الإبداع والنقد معاً. فالأزمة حسب زكي لا تتعلق بالأفراد، وإنما بغياب التراكم الثقافي، فالحياة الثقافية في مصر تشهد فترات ازدهار تعقبها فترات طويلة من التراجع، ما يحول دون بناء مشروع نقدي مستمر، غياب هذا التراكم أدى إلى ما يمكن تسميته بـ (ضمور العقل النقدي).
المسرح في مصر القديمة
عن نشأة المسرح المصري القديم وأهمية البحث عنه وعن تأثيره، ومن ثمّ تصحيح بعض المفاهيم المستقرة في تاريخ المسرح بوجه عام، جاءت الندوة التي أدارتها الأكاديمية داليا بسيوني، التي أشارت بداية إلى أن البحث في نشأة المسرح المصري القديم، لم يعد ترفاً معرفياً، بل أصبح ضرورة لإعادة قراءة التاريخ الثقافي من منظور أكثر دقة، خاصة أن الكثير من المرجعيات التي اعتادت الدراسات الاعتماد عليها بحاجة إلى مراجعة علمية، مع تنامي الدراسات التي تربط عدداً من الفلاسفة الإغريق بمدرسة الإسكندرية، ما يفتح الباب أمام إعادة النظر في كثير من المسلمات المتعلقة بتاريخ المسرح. شارك في الندوة كل من الأكاديميين خيري الملط، وعمر المعتز بالله، الناقد ناصر العزبي، والكاتب سليم كتشنر.
الموسيقى المصرية القديمة

تحدث خيري الملط عن تجربته ومشروعه كأستاذ في كلية التربية الموسيقية، هذا المشروع المُمتد لأكثر من ثلاثين عاماً، بحث خلالها عن الموسيقى المصرية القديمة، وقد لفته حضور الآلات والمشاهد الموسيقية على جدران المعابد والمقابر، ما دفعه للتساؤل عن طبيعة هذا التراث وكيفية إحيائه. ويرى الملط أن المصري القديم امتلك منظومة موسيقية متطورة، ضارباً مثالاً بـ(آلة الهارب) التي تطورت من أربعة أوتار، حتى وصلت إلى واحد وعشرين وتراً، ما يعكس مستوى متقدماً من الوعي الموسيقي، فهذا التراث لم يكن مجرد زخارف على الجدران، وإنما ممارسة حقيقية في المجتمع المصري القديم.
تصحيح المفاهيم
ومن وجهة أخرى يوضح الأكاديمي وأستاذ تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم عمر المعتز بالله، أن الدراسات الأكاديمية التقليدية كانت تؤكد أن المسرح بدأ في اليونان، وأن ما عرفته مصر القديمة لم يتجاوز بعض الطقوس أو المظاهر الاحتفالية، ولكن عند وجوده في (مكتبة البرديات في جامعة ميونيخ) وجد قسماً كاملاً يحمل اسم «البرديات الدرامية»، فاكتشف من خلالها وجود بناء درامي يشمل أصول الدراما من شخصيات وحركة وصراع وأحداث، ما يستوجب دراسة المسرح المصري القديم بعيداً عن التصورات التقليدية.
الهوية الثقافية
وأشار الناقد ناصر العزبي إلى ضرورة كسر احتكار السردية التقليدية لتاريخ المسرح، التي ينسبها الخطاب الأكاديمي السائد بالكامل إلى التجربة اليونانية، بينما يتم التعامل مع التراث المصري باعتباره مجرد ظواهر مسرحية. ويرى الكاتب سليم كتشنر، أن المسألة لا تتعلق بإثبات وجود (مسرح فرعوني) فقط، وإنما بفهم الهوية الثقافية المصرية بكل روافدها، هذه الهوية التي تشكّلت عبر تراكمات متعددة، تبدأ من الحضارة المصرية القديمة، مروراً بالتراث القبطي واليوناني والإسلامي، من دون نسيان البعدين الافريقي والمتوسطي.