أشارت الأنباء القادمة من الولايات المتحدة إلى فوز عبد الرحمن (عبدول) السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية مشيغان مما يؤهله، إذا فاز، لحيازة منصب تشريعي مؤثر في رسم السياسات العامة على المستوى الأمريكي. واجه السيد معركة شرسة أنفقت خلالها لجان الدعم الانتخابي الممولة من جماعات الضغط الموالية لإسرائيل أكثر من 60 مليون دولار لإسقاطه.
تزامن الأمر مع حدثين محليين لافتين على مستوى الولاية وذلك بفوز رشيدة طليب، فلسطينية الأصل، بالترشح مرة أخرى للحصول على مقعدها في مجلس النواب الأمريكي عن دائرتها الانتخابية، وفوز عباس علوية، اللبناني الأصل، بالترشيح لمجلس الشيوخ المحلي للولاية نفسها، في حراك سياسي يتّسق مع حدث فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك في تشرين ثاني / نوفمبر من العام الماضي.
يعتبر فوز ممداني، وكذلك السيد بالترشح عن الديمقراطيين حدثين مهمين ضمن المسار الطويل الذي اجتازه العرب والمسلمون بعد واقعة 11 أيلول/ سبتمبر 2001، والتي دفعتهم إلى صدارة المشهد واضطرتهم، كفئة اجتماعية، للانتقال من الدفاع عن حقوقهم المدنية إلى بناء شبكات انتخابية وتمويلية وتنظيمية.
تكشف التطورات الانتخابية المذكورة عن مفارقة مهمة جرى فيها تعويض غياب الفلسطينيين المؤسف عن الصفقات الأمريكية – العربية الجديدة، بحضورهم بقوة في النقاش الانتخابي والجامعات والحراكات التقدمية، وبانتقال مركز التأثير الفلسطيني من الدبلوماسية الرسمية إلى السياسات المجتمعية والانتخابية.
أدت أحداث غزة، عمليا، إلى تغيير مسلّمة أمريكية كبيرة استند إليها الدعم الأمريكي لإسرائيل، والتي كانت تعتبر أن المساعدات العسكرية للدولة العبرية ضرورة استراتيجية وموضوعا محرما لا يمكن المساس به سياسيا. مع تغير توجهات الناخبين والتركيبة الديموغرافية و»أثر غزة» إلى دعم أكثر من 100 نائب ديمقراطي في مجلس النواب الأمريكي مؤخرا لتعديل يسعى لحجب مليارات الدولارات من المساعدات لإسرائيل، كما دعت قيادة الديمقراطيين إلى «إعادة ضبط كبرى» للعلاقات الأمريكية – الإسرائيلية.
لم يقتصر الأمر على الديمقراطيين، فقد تزايد عدد الشخصيات المرتبطة بحركة (ماغا) داخل الحزب الجمهوري، وهي حركة مناهضة بطبيعتها للتدخل العسكري، وتشدد على أولوية المصالح الأمريكية (أمريكا أولا)، كما تشكك بالمساعدات الخارجية. أدت التوترات داخل الحركة إلى ظهور انقسام أيديولوجي عميق وتزايد تيار متنام يعارض استمرار شحنات الأسلحة غير المشروطة لإسرائيل.
أدى إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الموافقة على مشروع بناء مفاعل نووي سعودي، إلى إنهاء شرط كانت الإدارات الأمريكية، على اختلافها، تقيمه للتعاون مع الدول العربية، وهو شرط التطبيع مع إسرائيل. بعد نماذج كامب ديفيد وأوسلو واتفاقيات السلام الإبراهيمية صعد نموذج جديد تصبح فيه الاستثمارات الخليجية وقضايا الطاقة والذكاء الصُنعي والممرات البحرية أدوات أساسية لاستقطاب النفوذ الأمريكي. لا يتعلّق الأمر هنا بتغيّر في العلاقة الأمريكية بإسرائيل فحسب بل يشير أيضا إلى تغيّر في طبيعة النظام الإقليمي.
تفقد إسرائيل بشكل تدريجي صفتها كدولة تحظى بإجماع شبه مطلق داخل المؤسسات السياسية الأمريكية. لقد أصبحت المساعدات العسكرية والحماية الدبلوماسية المقدمة لها موضع نقاشات متزايدة داخل الحزبين الرئيسيين، وهو ما نقلها من موقع الحليف الذي لا يجوز الاعتراض على دعمه إلى حليف قوي ولكن كلفة دعمه قابلة للنقاش السياسي والقانوني.
تكمن أهمية حرب غزة، في هذا النقاش، بكونها حولت القضية الفلسطينية من ملف خارجي إلى قضية داخلية أمريكية، حاضرة في الانتخابات والجامعات والانقسامات الحزبية، وكذلك في النقاش حول القانون الدولي وتوريد الأسلحة ونفوذ المال السياسي للوبي الداعم لإسرائيل. كشفت تداعيات الحرب أيضا عن فجوة جيلية واضحة داخل الحزب الديمقراطي حيث أصبح الشباب والتقدميون والمسلمون والعرب الأمريكيون أكثر استعدادا لمواجهة القيادات التقليدية بخصوص إسرائيل.
لا يشير المشهد إلى نهاية التحالف الأمريكي – الإسرائيلي بل إلى نهاية حصانة إسرائيل من النقاش العام، كما إلى انتقال السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط من صيغة «التطبيع مقابل الدعم» إلى صيغة «الاستثمار مقابل النفوذ». تمنح المعادلة الثانية مساحة مناورة أوسع للدول العربية، لكن السؤال الكبير سيبقى: هل ترغب هذه الدول في توظيف هذه التطورات لصالح الفلسطينيين؟