المسافة بين الشعر والقارئ: إشكالية المعنى والتلقي


ثمة لحظات يجد فيها القارئ نفسه واقفا أمام نص شعري كما يقف المسافر أمام باب مغلق في مدينة لا يعرف لغتها. يحدق طويلا في النقوش المرسومة على الباب، يتأمل تفاصيله، يحاول أن يعثر على مفتاح ما، على إشارة ما، على ثغرة صغيرة تسمح له بالدخول، لكنه يعود في النهاية إلى النقطة التي بدأ منها. لا لأنه يرفض الدخول، ولا لأنه يعادي تلك المدينة، بل لأنه لم يجد الطريق إليها. هذه التجربة ليست نادرة في تاريخ الشعر الحديث. فمنذ أن بدأت القصيدة المعاصرة تنأى بنفسها عن الأشكال المألوفة للتعبير، وتغامر في مناطق أكثر تعقيدا من اللغة والرؤية، نشأ سؤال ظل يرافقها حتى اليوم: إلى أي حد يحق للشاعر أن يبتعد عن قارئه؟ ومتى يتحول التعقيد من أداة فنية إلى عائق يحول دون تحقق التواصل الذي يمنح العمل الأدبي حياته الفعلية؟

ما الذي يبحث عنه القارئ في الشعر؟

أتحدث هنا من موقع القارئ لا من موقع الشاعر. ومن موقع المتلقي الذي يقف أمام النص بحثا عن الدهشة، لا أمامه باعتباره لغزا ينبغي حله أو امتحانا ينبغي اجتيازه. فالشعر، في جوهره، ليس سباقا في إخفاء المعنى، ولا مباراة في إنتاج أكثر العبارات استعصاء على الفهم. إنه، قبل كل شيء، محاولة لإعادة اكتشاف العالم عبر اللغة. ولهذا كثيرا ما أجد نفسي مترددا أمام بعض التجارب الشعرية، التي تبدو وكأنها جعلت من الغموض غاية قائمة بذاتها، لا لأنني أطالب الشعر بالوضوح المباشر، أو الخطابية، أو التبسيط الساذج، وإنما لأنني أبحث فيه عن أثر إنساني يمكن الإمساك به، وعن شعور ما، أو صورة ما، أو فكرة ما، تفتح نافذة بين النص والقارئ. المشكلة ليست في الصعوبة ذاتها. فالأعمال العظيمة في تاريخ الأدب لم تكن دائما سهلة. كثير من النصوص الكبرى تتطلب قارئا يقظا، وتستدعي جهدا وتأملا وعودة متكررة إلى صفحاتها. لكن ثمة فرقا جوهريا بين النص الذي يكافئ قارئه بعد هذا الجهد، والنص الذي يظل مغلقا مهما بذل القارئ من محاولة.
القصيدة ليست معادلة رياضية، وليست شيفرة سرية، وليست متاهة صممت لكي يضيع فيها الداخل إليها. إنها بناء جمالي يتيح للقارئ أن يشارك في إنتاج المعنى، لا أن يقف خارجه عاجزا عن الاقتراب منه. وإذا كان الفن العظيم يطرح الأسئلة، فإنه لا يفعل ذلك عبر إلغاء إمكانية التواصل، بل عبر تعميقها.

العمق يلتقي بالوضوح

ولعل ما يثير التأمل أن أجمل الأعمال الشعرية في التاريخ، كانت في الوقت نفسه عميقة وبسيطة. البساطة هنا لا تعني السطحية، كما أن العمق لا يعني الغموض. إنهما صفتان يمكن أن تجتمعا في النص الواحد من دون تناقض. فالقارئ حين يقرأ شعر المتنبي، على سبيل المثال، لا يشعر بأنه يقف أمام شاعر يريد أن يبرهن على تفوقه الذهني عليه، بل أمام شاعر يمتلك رؤية للعالم ويعبر عنها بثقة وقوة. وحين يقرأ شعر أبي تمام، على الرغم من كثافة صوره وتعقيد بعض تراكيبه، فإنه يدرك أن وراء اللغة تجربة إنسانية تسعى إلى الإفصاح عن نفسها. وهكذا مع شعر السياب وسعدي يوسف ومحمود درويش. وينسحب الأمر ذاته على شعراء من ثقافات وأزمنة مختلفة. فالقارئ يستطيع أن يتواصل مع أعمال، رامبو، ت.اس .إليوت، سان جون بيرس، من دون أن يشعر بأن النص يتعمد إقصاءه. قد يختلف معهم، وقد لا يفهم كل ما يكتبون، لكنه لا يشعر بأن القصيدة تنظر إليه من عل، أو أنها تشترط عليه أن يتخلى عن إنسانيته كي يثبت استحقاقه للقراءة.

اللغة التي تبقى بعد القراءة

وهنا تحديدا تكمن إحدى القضايا المركزية في الشعر الحديث: هل وظيفة القصيدة أن تؤسس علاقة مع قارئها، أم أن وجود القارئ نفسه أصبح أمرا ثانويا؟ لقد شهد القرن العشرون صعود تيارات نقدية وفنية منحت اللغة استقلالا واسعا عن المرجعيات الخارجية، واحتفت بالنص بوصفه كيانا قائما بذاته. وكان لذلك أثره العميق في تجديد الكتابة الشعرية. غير أن بعض التجارب ذهبت بعيدا في هذا الاتجاه حتى بدا وكأن اللغة لم تعد وسيلة للكشف، بل أصبحت موضوعا مغلقا على نفسه. وعندما يحدث ذلك، يبدأ القارئ بالشعور بأن النص يتحدث إلى ذاته أكثر مما يتحدث إلى العالم. وأن الكلمات تتجاور لا لأنها تضيء تجربة إنسانية، بل لأنها تبرهن على قدرتها على توليد مزيد من الكلمات. وهنا يفقد الشعر شيئا من وظيفته الأصلية بوصفه فنا يربط الإنسان بما يحيط به من أشياء وأفكار ومشاعر. إن اللغة الشعرية الحقيقية لا تقاس بدرجة تعقيدها، بل بقدرتها على خلق أثر لا ينسى. فقد تكون الجملة بسيطة إلى أقصى حد، لكنها تظل عالقة في الذاكرة سنوات طويلة. وقد تكون العبارة شديدة التعقيد، لكنها تتلاشى فور الانتهاء من قراءتها. وليس ثمة معيار أكثر حسما من هذا الأثر الذي يتركه النص في وجدان قارئه.

هل ما يزال القارئ جزءا من القصيدة؟

الشعر الذي يبقى هو الشعر الذي يعيد إلينا العالم بطريقة جديدة. يجعلنا نرى الأشياء المألوفة كما لو أننا نراها لأول مرة. يكشف عن المعاني المختبئة في تفاصيل الحياة اليومية. يمنح العادي بعدا استثنائيا، ويحول المألوف إلى اكتشاف. أما حين يصبح النص منشغلا بإظهار مهارته اللغوية أكثر من انشغاله بما يريد قوله، فإن اللغة تتحول تدريجيا إلى حجاب يحجب الرؤية بدلا من أن يكشفها. ومن هنا فإن النقاش حول الغموض في الشعر ينبغي أن لا ينطلق من ثنائية ساذجة بين الفهم وعدم الفهم. فالقضية أعمق من ذلك بكثير، إنها تتعلق بطبيعة العلاقة التي يقيمها العمل الفني مع متلقيه. هل يدعوه إلى المشاركة أم يدفعه إلى الانسحاب؟ هل يفتح له أبواب التأويل أم يغلقها؟ هل يشعره بأنه شريك في التجربة، أم مجرد متفرج على لعبة لغوية لا يعرف قواعدها؟

اختلاف القراء واختلاف الأحكام

وليس من الضروري أن يتفق القراء جميعا حول شاعر واحد أو تجربة واحدة، بل إن الاختلاف في التلقي جزء أساسي من حياة الأدب. فما يراه قارئ تحفة فنية قد يراه آخر نصا باردا أو متكلفا، وما يثير الإعجاب لدى فئة من القراء، قد يترك فئة أخرى في حالة من اللامبالاة، وهذه حقيقة لا تنتقص من أحد، ولا تمنح أحدا امتيازا على الآخر. فالأدب ليس علما دقيقا يمكن قياس نتائجه بالأرقام. إنه مجال تتداخل فيه الثقافة والذائقة والخبرة الشخصية والتجربة الحياتية. ولهذا من الطبيعي أن يعجب قارئ بشاعر لا يجد فيه قارئ آخر ما يستحق الإعجاب. ومن الطبيعي أيضا أن يعترف قارئ بعجزه عن التواصل مع تجربة أدبية معينة من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن تلك التجربة عديمة القيمة.
المشكلة تبدأ فقط عندما يتحول عدم الفهم إلى تهمة موجهة ضد القارئ. عندما يصبح السؤال الأول الذي يواجهه المتلقي هو: ماذا ينقصك لكي تفهم؟ بدلا من أن يكون السؤال: ماذا فعل النص لكي يحقق التواصل؟ ففي الفن، كما في أي حوار إنساني، تقع مسؤولية التواصل على الطرفين معا. وليس من العدل أن يحمل القارئ وحده عبء هذا الإخفاق.

النص لا يختبر قارئه بل يستدعيه

النص العظيم لا يشعر قارئه بالنقص. بل يمنحه شعورا بالمشاركة. يدفعه إلى التفكير لا إلى الإحباط. يثير فضوله لا شعوره بالعجز. وحين يبلغ الشعر هذه الدرجة من التوازن بين العمق والوضوح، بين الإيحاء والتجلي، بين الغموض والكشف، فإنه يحقق شرطه الجمالي الأهم: أن يصبح تجربة إنسانية مشتركة. وربما لهذا السبب ظلت الأعمال الكبرى حية عبر القرون. مثل الألياذة وملحمة كلكامش، لم تبق لأنها كانت الأكثر تعقيدا، ولا لأنها كانت الأشد غموضا، بل لأنها استطاعت أن تتحدث إلى أجيال متعاقبة بلغات مختلفة وثقافات مختلفة. لقد امتلكت القدرة النادرة على أن تكون عميقة، من دون أن تنغلق، وغنية من دون أن تتعالى، ومركبة من دون أن تفقد صلتها بالإنسان.
ليس المطلوب من الشعر أن يكون سهلا، كما ليس مطلوبا منه أن يكون عصيا على الفهم. المطلوب فقط أن يكون صادقا مع تجربته، وأن يجد الشكل الذي يمكنه من نقل تلك التجربة إلى الآخرين. فحين تتحول القصيدة إلى جسر بين الذات والعالم، بين الشاعر والقارئ، تحقق معناها الأعمق. أما حين تصبح جدارا يرتفع بينهما، فإن السؤال لا يعود عن مقدار ذكاء القارئ، بل عن طبيعة ذلك الجدار نفسه، ولماذا أقيم أصلا.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *