التهديدات الإقليمية تُحاصر القرار العراقي وسجال حول “مستقبل السلاح” في بغداد


بغداد/أحمد كوكب

تتصاعد المخاوف في الأوساط العسكرية والأمنية العراقية من مخططات محتملة لجر البلاد إلى آتون حرب المحاور واحتدام الانقسامات الإقليمية، في وقت تشير فيه القراءات والتحليلات السياسية إلى أن ضغوط دول الجوار تتجاوز الهواجس الحدودية نحو انتزاع مكاسب وازنة، ما يضع صانع القرار في بغداد أمام حتمية تفعيل الخيارات الدبلوماسية وتوحيد المنظومة الدفاعية لدرء المخاطر المحدقة.

وحذر المختص في الشأن العسكري، عماد علو، خلال حديث لـ(المدى)، من خطورة اتساع رقعة الصراع الإقليمي وتحول الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين الأطراف الدولية والإقليمية المتصارعة، مؤكداً أن المؤشرات الميدانية والسياسية الحالية توحي بوجود اصطفاف إقليمي منظم قد ينعكس بصورة مباشرة ومباشرة على استقرار الأمن العراقي، مما يزيد من تعقيد وتداخل المشهدين الأمني والسياسي في البلاد بشكل غير مسبوق.

وأوضح علو أن التهديدات المتصاعدة التي بدأت تصدر مؤخراً من بعض دول الجوار بشأن الرد على أي تحركات قد تقوم بها بعض الفصائل المسلحة تُعد مؤشراً واضحاً وجلياً على وجود هذا الاصطفاف، مبيناً أن هذا الاصطفاف الذي تقوده دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب الأردن وسوريا، وربما تركيا وأذربيجان، يسعى إلى توسيع نطاق الحرب القائمة واتخاذ الجغرافيا العراقية مسرحاً مركزياً للصراع ومساحة مفتوحة لتصفية الحسابات العسكرية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وأردف أن هذا التوجه الخطير يتجلى بوضوح عبر إعادة التموضع العسكري الميداني للقوات الأمريكية وانتقالها من قاعدة حرير في أربيل إلى مواقع واستحكامات أخرى في منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن ذلك يرافقه تصاعد لافت في الخطاب السياسي والعسكري لتلك الدول، بالرغم من أنها لم تقدم حتى الآن أي أدلة أو وثائق واضحة تشير إلى وجود تهديدات أو تحركات موجهة ضد أراضيها تبرر لها، وفق قواعد القانون الدولي وأحكام ميثاق الأمم المتحدة، تنفيذ ضربات عسكرية داخل الأراضي العراقية أو انتهاك السيادة الوطنية واستهداف مواقع عسكرية شرعية.

وأشار إلى أن الدولة العراقية يمتلك المقومات والقدرة الكافية للحد من هذه المخاطر المحدقة، موضحاً أن ذلك يتم من خلال مواصلة قنوات التواصل المباشر مع الدول المعنية، وتعزيز آليات تبادل المعلومات الاستخبارية الاستباقية، إضافة إلى تكثيف التحركات الدبلوماسية الحثيثة لفهم طبيعة هذا الاصطفاف ودوافعه الحقيقية، بما يمكن صانع القرار العراقي من صياغة وإعداد خطط متكاملة تستند إلى المعطيات السياسية والأمنية لتجنيب البلاد المخاطر التي تمس أمنها وسلامة أراضيها والسلم الأهلي والنسيج الاجتماعي.

وفيما يتعلق بملف حصر السلاح بيد الدولة، رأى علو أن الضربات العسكرية الأخيرة التي استهدفت عدة مواقع تابعة للحشد الشعبي في سبع محافظات عراقية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية قد تمنح بعض الفصائل المسلحة الرافضة لمسار التجريد مبرراً إضافياً للإبقاء على سلاحها، الأمر الذي سيعرقل ويُعقد جهود الحكومة الاتحادية الرامية إلى احتكار استخدام القوة بيد المؤسسات الرسمية الحاكمة المتمثلة بوزارتي الدفاع والداخلية وبقية الأجهزة الأمنية.

وأكد أن المرحلة الحساسة الراهنة تتطلب تحركاً دبلوماسياً عاجلاً وحوارات بناءة مع مختلف الدول المعنية لتوضيح الموقف العراقي الثابت، ودعم برنامج الحكومة الذي يضع ملف حصر السلاح في صدارة أولوياته تنفيذاً لمتطلبات الأمن الداخلي وصوناً للسلم الأهلي، وبما يجنب البلاد تداعيات التوترات الإقليمية والصراع المسلح الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فضلاً عن منع استباحة الأجواء والأراضي العراقية لتنفيذ عمليات عسكرية متبادلة.

ولفت المختص العسكري إلى أن العراق يواجه حالياً موقفاً بالغ الخطورة والتعقيد، ولا سيما في ظل التداعيات الاقتصادية والمعيشية المترتبة على إغلاق مضيق هرمز وتأثيره المباشر على المواطنين، مما يضاعف حجم الضغوط المسلطة على صانع القرار العراقي.

وشدد في ختام تصريح له، على أن مواجهة هذه التحديات الجسام تتطلب عملاً جاداً لتوحيد القرارين الأمني والعسكري، وإسناد جهود الحكومة العراقية في بسط سيطرتها المطلقة على المنظومة الدفاعية والقوات المسلحة وجميع الجهات الحاملة للسلاح، بما يضمن صيانة سيادة العراق وتوفير الحماية الكاملة للمواطنين وللثروات النفطية والوطنية.

ومقابل التحذيرات العسكرية الميدانية الداعية لتوحيد القرار الأمني وتجنب الانزلاق لآتون التوترات، تبرز القراءات السياسية لتسلط الضوء على الغايات الدبلوماسية والأهداف غير المباشرة التي تسعى دول الجوار للوصول إليها عبر هذا التضييق.

وشدد المتخصص بالشأن السياسي، محمد نعناع، خلال حديث لـ(المدى)، على أن انعكاسات تهديدات دول الجوار للعراق ستكون معكرة بلا شك لجميع جهود الاستقرار في المنطقة، مبيناً أنه حين يتم الحديث عن الاستقرار الإقليمي فإن المقصود هو وجود رغبة حكومية ودولية متعددة لإرساء الهدوء خدمة لمصالح الشعوب والمجتمعات التي تعاني من تفكك حقيقي وتدخلات خارجية وطائفية.

وأكد نعناع أن هذه الدول تسعى لممارسة ضغوط مكثفة على العراق للسيطرة الفعلية على حدوده وأجوائه ومنع أي تهديدات تنطلق من الداخل، موضحة أن هذه التكتيكات لا تقف عند حدود الضغط البريء، بل تتجاوز ذلك لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية تتصدرها رغبتها في إثبات الانسجام مع المشروع الأمريكي للضغط على العراق بشأن ملف إيران، وثانياً ضمان ردع حقيقي للقوى الفاعلة، وثالثاً دعم عملية حصر السلاح بيد الدولة لتحصيل مكاسب واستثمارات تفضيلية كما هو الحال بالنسبة لدول كالأردن والسعودية.

ولفت الباحث السياسي إلى أن بعض الأطراف الإقليمية ستقترف خطأً كبيراً إذا تمادياً في ضغوطها على بغداد ووضعت الحكومة أمام خيارات معقدة، داعياً إياها إلى مد يد العون وقبول خيارات التفاوض وحوارات السلام، ومبيناً أن الحكومة العراقية تشعر بأنها أمام اختبار يتوسع نطاقه بين الرفض الداخلي والرفض الأمريكي والإقليمي لسلاح الفصائل والميليشيات.

وأوضح أن بغداد ستتعامل مع هذه التهديدات عبر مسارين متوازيين، أحدهما دبلوماسي والآخر تجاري واقتصادي يتيح فتح الأجواء وتخفيف الاحتقان، مبيناً أن الدولة العراقية ستضبط نفسها إلى أبعد حد ولن تنجر إلى ردود أفعال تزيد من تعقيد المشهد، خصوصاً مع ربط تلك الدول لاستهدافاتها بجهات محددة مرتبطة بالخارج.

ونوه إلى أن الخيارات السياسية المتاحة، رغم كونها الأهم، تبدو ضئيلة في ظل ضعف سيطرة الحكومة واستمرار استهداف المواقع الرسمية كالحشد الشعبي، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة تمسك العراق بتلك الخيارات وتعزيزها وتجنب فتح جبهات ثانوية قد تُخسر البلاد مقوماتها وتدفع نحو إبقاء العقوبات الدولية وتفاقم الوضع الاقتصادي الخانق جراء غلق مضيق هرمز وتوقف تصدير النفط.

وخلص محمد نعناع إلى التأكيد على أن إبقاء قنوات الحوار مفتوحة والابتعاد عن المحاور المتصارعة يمثلان طوق النجاة الوحيد للحفاظ على المقومات الاقتصادية والسياسية للعراق، وتجنيب مجتمعه وأمنه الداخلي هزات إضافية قد تترتب على الانجرار وراء الصراعات الإقليمية والدولية المحمومة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *