كما لو أن الانعزال في «الصومعة» لا يكفي وحده


مستفيدا من حسن نطقه، طمح فالح المسعود إلى أن يكون مذيعا. لم يستطع تحقيق ذلك، فتحوّل إلى قراءة الروايات بصوته، ليسمعها أولئك الذين يعانون من قلّة الصبر على القراءة. آخر ما تسلّمه من تلك الروايات كان مفاجئا له، إذ رأى أن حياة بطلها مطابقة لحياته هو، حتى في التفاصيل التي لا يعرفها أحد سواه.
حاول أن يسأل عن ذلك التطابق، فلم يلق جوابا من الموظّف الذي سلّمه المخطوط. ولا من الذين يفوقونه أهمية، وهؤلاء كثيرون بينهم المسؤول الأكبر، شاهر، وهو الرجل الذي يملك مشاريع ومؤسّسات كثيرة، بينها المؤسّسة المختصة بتحويل ما هو مكتوب إلى أن يُتلقّى سمعيّا.
شاهر هذا، كما في رواية عبد الخالق كلابيب، سيحتل جانبا واسعا من الحضور، لغرابة شخصيته ولعبوره في تحولات بينها انتقاله إلى الثراء بخطوة مغامرة واحدة. وهذا ما كان على بطل الرواية أن يعيد تجربته. وهناك شخصيات أخرى تتبع لشاهر حظيت بنصيب لا بأس به من الرواية، بينها حورية وعشتار اللتان يروي الكتاب عن علاقة شاهر الغرامية بكل منهما.
في صفحاتها الأولى، تَعِد «الصومعة» قارئها بأنه مقبل على رواية بوليسية، لكن، مع تقدم الصفحات والفصول تروح تعدّد ثيماتها وأساليبها ضامة إليها كل ما هو معروف في مجال السرد الروائي. بل وإنها توحي بأن مجال هذا السرد مفتوح لكل ما يمكن إضافته من ثيمات أخرى بينها، الرواية النفسية حيث يحبس بطلها نفسه في خزانة ليتصل هكذا بشخصيات غامضة، كما تيمم الرواية شطر العالم ما فوق الطبيعي، حيث العالم الآخر، الذي يُدعى فالح لزيارته، ثم عالم انقسام الزمن، التخيّلي، بإرساء زمنين انقسما، أو انشطرا، في ذلك الزمن الواحد، ثم إلى لعبة الأحاجي بالأعداد التي تلزم لحلّها طاقات إدراكية تفوق ما يقدر على حلّ رموزه كلُّ ذكاء.
وهذا ما يكاد يدوّخ القارئ الذي يُنقل من عالم إلى عالم، فيما هو يترقّب الاستناد إلى فاصل واقعي يريحه من هذا الطواف المتشابك بين الوقائع والأحداث المتحوّله على الدوام. أعني أن ترجع الرواية إلى حيث كان بطلها يحكي عن بيته وزوجته في بداية الرواية، وقلما تتيح الرواية سبيلا إلى ذلك.
ولنضف إلى تلك الصعوبة، صعوبة بقاء القارئ متابعا خيط السرد هو خروج الرواية الدائم عن إطارها بإنبات شخصيات جديدة تحتل مكانا لها في ما سيعقب من أحداث. أسماء يصعب حصرها، بل وتصعب استعادتها بالتذكّر. ثم إن كلا من هذه الشخصيات سيختلط ، أو يزدوج، بسواه، فراضي السائق هو شاهر، ولن يتضح مسار اندماجهما إلا في مكان متقدّم من الرواية، والرجل الذي يأتي إلى الخزانة لمحادثة فالح هو حالم المنشا، الذي سيتبين في ما بعد أنه الكاتب الأصلي لمخطوط الرواية، والرجل الذي رافق فالح إلى العالم الغريب واختفى قبيل دخوله إليه هو صاحب المبنى الذي يقيم فيه فالح.
أسماء تتوالد من شخصيات سبقتها، وذلك ما يجعل ما سبق مغطّى بما سينبثق عنه، أو ما سيتلوه. وإذ تحمل الرواية على الظن بأن أحداثها انتهت، نراها تعود من جديد في الجزء الثاني، الذي يوحي بدؤه بأننا بتنا في رواية ثانية بطلها هذه المرة شخص آخر هو عبد الله مجهولي، في ما نحن نتشوّق لأن يعاد بنا قليلا إلى شخصيّات بدت في مقتبل الرواية أساسية الوجود مثل زوجة البطل، التي من صفحات الرواية الأولى ذهبت لتستريح في بيت أهلها، ولم تعد.
هي مخيّلة نشيطة للكاتب لا تتوقّف عن توليد شخصيّات وأسماء ووقائع تجعل قارئها مستغرقا في كل من فصولها، لكنه في ما هو يتقدّم في الصفحات اللاحقة، يرى أن عليه العودة إلى ما كان قد قرأه من قبل ليعيد وصل ما تأخّر بما تقدّم. مخيّلة نشيطة لا تكتفي عند حد ما كُتب، بل تطمح إلى توسيع مجاله بالبحث عن طرق تالية تجعل ما يصدر منها أكثر تعقيدا وتداخلا. لكن هل يرجع اللجوء إلى فتح أبواب أخرى إلى الشعور بأن الباب الذي كنا فيه لا يفضي إلى كل ما نريد قوله، أم أن الشعور بعدم الاكتمال هو ما يدفع إلى تعريض الرواية إلى تلك الاختبارات المتتالية؟
*رواية «الصومعة» لعبد الخالق كلاليب صدرت عن «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر» في 200 صفحة سنة 2025.

كاتب لبناني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *