فيلم «الأوديسة»… رحلة العودة من الحرب إلى الذات


يفتتح كريستوفر نولان فيلمه «الأوديسة» (The Odyssey) بمشهد صادم يعيد تصور حصان طروادة بهيكل خشبي نصف غارق في الماء والطين عند الشاطئ، فيظنه أهل طروادة حطام سفينة قُدِّم قرباناً للآلهة. وفي جوفه يختبئ أوديسيوس مع نخبة من الجنود الإغريق. يُسحب الحصان إلى داخل أسوار المدينة، وحين يحل الليل يخرج الجنود ويفتحون الأبواب أمام الجيش الإغريقي، فتسقط طروادة بعد حصار دام عشر سنوات. ومع سقوطها تُرتكب المجازر وتُدنَّس معابد بوسيدون وأثينا، فيغدو الحصان، في رؤية نولان، رمزاً للخداع ونقض العهود، ونقطة التحول التي أطلقت غضب الآلهة على أوديسيوس، وحولت عشر سنوات من الحرب إلى عشر سنوات أخرى من التيه في البحر.
رافقت «الأوديسة» الهوميرية أجيالاً متعاقبة، وغدت رمزاً للتيه والضياع والعقاب والشوق إلى الديار. ويُنسب هذا العمل إلى الشاعر الإغريقي هوميروس، الذي شكّل مع «الإلياذة» حجر الأساس للأدب الملحمي الغربي. ويعيد كريستوفر نولان قراءة هذا الإرث الإنساني برؤية معاصرة، محولاً الملحمة إلى تجربة بصرية تتأمل معنى العودة، وما يفعله الزمن بالإنسان ووطنه.


تتحرك أحداث الفيلم على خطين متوازيين. الأول يتابع رحلة أوديسيوس خلال عشر سنوات من التيه في البحر، حيث يواجه غضب الآلهة وسلسلة من الاختبارات، من الساحرة كيركي التي تحول الرجال إلى حيوانات، إلى العملاق ذي العين الواحدة بوليفيموس، ثم إلى الليستريغونيين، وهم قوم من العمالقة آكلي لحوم البشر الذين هاجموا سفنه ودمروا معظمها. أما الخط الثاني فيدور في «إيثاكا»، حيث يظن الجميع أوديسيوس في عداد الموتى، فتجد بينيلوبي، التي تؤدي دورها آن هاثاواي، نفسها محاصرة بخُطّاب يتنافسون على الزواج منها والاستيلاء على العرش، بينما ينطلق ابنه تيليماخوس، الذي يجسده توم هولاند، في رحلة بحث عن والده أملاً في إنقاذ أسرته واستعادة المملكة. ويبلغ الصراع ذروته حين تطرح بينيلوبي مسابقة بقوس أوديسيوس، معلنة أن الزواج سيكون من نصيب من يستطيع شد القوس وإطلاق سهم يخترق اثنتي عشرة فاسا في حلقة مصطفة. ويعجز الخُطّاب جميعاً، بينما ينجح أوديسيوس، العائد متنكراً، في إنجاز المهمة، قبل أن يستعيد عرشه ويقضي على خصومه، مؤكداً أن الذكاء ظل سلاحه الأبرز منذ حصان طروادة حتى عودته إلى «إيثاكا».
منذ المشاهد الأولى يظهر هاجس نولان الدائم: الزمن بوصفه العدو الحقيقي. البحر سجن مائي شاسع، وملاذ مؤقت تهرب إليه سفن أوديسيوس كلما اشتد بطش الوحوش، أو لاحقها انتقام الآلهة على اليابسة. وأوديسيوس، الذي يؤدي دوره مات ديمون، يواجه الأمواج ويصارع سنوات تتسرب من بين أصابعه. وكل جزيرة يرسو عليها تتحول إلى فخ زمني يبعده عن «إيثاكا». ويستعيد نولان هاجسه الذي ظهر في «أوبنهايمر»؛ الإنسان المثقل بنتائج أفعاله. فأوديسيوس هنا محارب يحمل ندوب الحرب، فتغدو رحلة العودة رحلةً داخل الذات بقدر ما هي رحلة إلى الوطن.
يخلع نولان عن أوديسيوس رداء البطل الأسطوري، ويقدمه إنساناً مثقلاً بخطاياه وندوبه. ذكاؤه ومكره يطيلان طريق العودة. وفي عيني مات ديمون يستقر عبء المعرفة؛ رجل يعرف كيف ينجو، ويدفع ثمن نجاته من دماء رجاله، ومن المسافة التي تتسع بينه وبين وطنه. وفي «إيثاكا» تقف بينيلوبي حارسةً لفكرة الوطن في غياب صاحبه. وفي أحد المشاهد، يعود أوديسيوس بذاكرته إلى سقوط طروادة ونقض العهود التي رافقت الحرب، فتغدو الذكرى عبئاً يرافقه في رحلة العودة، ويترك نولان سؤالاً مفتوحاً: كم من العهود تُبرم في الحروب، وكم منها ينهار مع أول انتصار؟
بصرياً، يعتمد الفيلم على مشاهد صُورت بعدسات IMAX، مبتعداً عن برودة المؤثرات الرقمية، ومقدماً البحر بوصفه بطلاً موازياً لأوديسيوس؛ رذاذ الملح يكاد يلامس الوجوه، والرياح تمزق الأشرعة كأنها تؤجل الوصول. وتتنقل الموسيقى التصويرية بين صخب المواجهات مع الوحوش وصمت يرافق لحظات التيه والندم.
ويختتم نولان فيلمه كما افتتحه: بسفينة. في البداية حملت سفينة أوديسيوس الحرب والخداع والطريق إلى طروادة، وفي المشهد الأخير يصعد أوديسيوس مع بينيلوبي إلى سفينة أخرى، بعد أن يسلّم المُلك لابنه تيليماخوس. وبين الرحلتين عشرون عاماً صاغت إنساناً آخر؛ تركت التجارب والانتصارات والخسارات آثارها في روحه، وصاغت نظرته إلى الوطن والحياة.

كاتب يمني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *